يفجر تأجيل مجلس النواب حسم طلب قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي بإرسال قوات عسكرية إلى السعودية لمواجهة جماعة أنصار الله الحوثية، تساؤلات واسعة حول أسباب هذا الإرجاء المفاجئ داخل برلمان تهيمن عليه الموالاة.

 

وبينما دعا قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، يوم السبت، المجلس لعقد جلسة طارئة لإقرار التدخل العسكري، امتدت المناقشات السرية من الأحد إلى الاثنين والثلاثاء وسط تحفظات ومطالبات بمعرفة تفاصيل المهمة، دون إعلان تصويت نهائي.

 

 

أغلبية برلمانية مصطنعة ومخاوف دستورية متصاعدة

 

وفي قراءة للمشهد، يؤكد المحلل للشؤون العسكرية والاستراتيجية محمود جمال، أن تحركات السلطة تواجه مأزقا دستوريا بعد إرسال دفاع جوي ومفرزات جوية للسعودية في سبتمبر الماضي، ومفرزة للإمارات في مايو، دون العودة للبرلمان.

 

وعلى المستوى القانوني، تشترط المادة 152 من الدستور أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة ثلثي النواب لإرسال قوات بمهمة قتالية للخارج، ما يتطلب 398 صوتا من إجمالي 596 عضوا، بينهم 568 منتخبا و28 معينا.

 

وبحسب دراسة الهيئة العامة للاستعلامات، تمتلك الأحزاب الـ 7 المؤيدة للسلطة نحو 410 مقاعد من أصل 568 مقعدا منتخبا، وهو ما يعادل 72% من الأعضاء المنتخبين، أو قرابة 69% من إجمالي مقاعد البرلمان.

 

وتحتكر 4 أحزاب موالية وحدها 403 مقاعد برلمانية، موزعة بين مستقبل وطن بـ 227 مقعدا، وحماة الوطن بـ 87 مقعدا، والجبهة الوطنية بـ 65 مقعدا، بجانب حزب الشعب الجمهوري الذي يشغل 24 مقعدا داخل المجلس.

 

وفي المقابل، تقتصر حصة أحزاب المعارضة على 53 مقعدا، بجانب 105 مقاعد للمستقلين بإجمالي 158 مقعدا يمثلون 28% من المنتخبين، مع التحاق عدد من هؤلاء المستقلين بأحزاب الموالاة لضمان تمرير القرارات الحكومية.

 

وعلاوة على تلك الكتلة، أعلنت الهيئتان البرلمانيتان لحزبي الوفد والعدل تأييد القرار، حيث يملك العدل 11 مقعدا، بينما تشير دراسة الاستعلامات لامتلاك الوفد 9 مقاعد مقابل 10 مقاعد في إحصاءات انتخابية لاحقة.

 

ومع ذلك، شهدت جلسة الأحد السرية مطالبات من النائب محمد عبد العليم داوود عن حزب الوفد باستكمال المشاورات، ما يعيد للأذهان اعتراضات تكتل 25-30 في يونيو 2017 ضد اتفاقية التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية.

 

ويتناقض هذا التعثر الحالي مع سرعة حسم المجلس لجلسة استثنائية عقدت في 30 سبتمبر الماضي، حين أقر البرلمان فورا تأجيل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد بناء على مقترح مقدم من أكثر من عُشر النواب.

 

 

تحذيرات عسكرية من مستنقع حرب مفتوحة

 

وفي الشق الأكاديمي، يؤكد أستاذ الدراسات الدولية أحمد عبد ربه، أن الترويج لمصطلح التفويض يمنح السلطة صلاحيات واسعة وغير محددة، بالمخالفة لنص الدستور الذي يلزم البرلمان بالموافقة على مهمة قتالية محددة المعالم والأهداف.

 

ومن زاوية ميدانية، يحذر اللواء المتقاعد محمد رشاد، أن الزج بالقوات المصرية في مواجهة طويلة ضد الحوثيين المتحصنين بالجبال والكهوف سيكبد الجيش خسائر فادحة، مستعيدا الصعوبات القاسية التي واجهتها القوات في حرب اليمن بالستينيات.

 

وانطلاقا من هذه المخاطر، قرر الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، الذي يمتلك 11 مقعدا، الامتناع عن التصويت لغياب التفاصيل حول الأهداف والتكاليف، محذرا من تحويل المشاركة إلى التزام مفتوح يحمل المصريين أعباء بشرية ومالية إضافية.

 

وإلى جانب غموض التكلفة، تتصاعد المخاوف من تجاوز المهمة حدود حماية الأراضي السعودية إلى التورط في عمليات قتالية داخل اليمن، وسط استحضار لحملة الاعتقالات التي طالت عشرات الرافضين لاتفاقية تيران وصنافير في 15 يونيو 2017.

 

وبالتزامن مع الجدل، حذر مجلس النواب اليمني التابع للحوثيين، يوم الأحد، من أن انزلاق القاهرة في هذا المسار العسكري سيشكل خطرا جسيما ومباشرا على الأمن القومي المصري واستقرار البلاد الداخلي قبل أي طرف آخر.

 

وفي غضون ذلك، أظهر تحليل وحدة المصادر المفتوحة استنادا لبيانات فلايت رادار 24، تحليق طائرتي نقل عسكري مصريتين من طراز لوكهيد سي-130 هيركوليز فوق غرب السعودية صباح الأحد، برقمي تسجيل SU-BAI وSU-BEW.

 

وتشير البيانات الملاحية المتداولة إلى حمل الطائرة الأولى الرمز العسكري EGY1845 وتوجهها نحو قاعدة الملك فهد الجوية بالطائف قبل انقطاع إشارة التتبع، مما يثير الشكوك حول بدء نقل المعدات قبل صدور موافقة البرلمان.

 

ويرتبط هذا التحرك برجحان سعي السلطة لتوفير غطاء سياسي ودستوري لاحق لحجم قوات أكبر يجري تجهيزه، في ظل غياب أي شفافية رسمية توضح حقيقة الحمولة العسكرية أو أسباب إخفاء مسار الطائرات فوق المملكة.

 

 

صراعات الأجهزة السيادية وتفاهمات سرية غامضة

 

وفي قراءة لكواليس السلطة، يؤكد السياسي والإعلامي حمزة زوبع، أن تأجيل التصويت يعكس صراعات داخل الأجهزة السيادية المنتشرة عبر قيادات أمنية ومخابراتية سابقة داخل أحزاب مستقبل وطن وحماة الوطن والجبهة الوطنية، وليس قوة المعارضة.

 

وبالتوازي مع ذلك، يطرح الناشط محمد فتوح عوض تساؤلات حول مدى تعبير هذا الإرجاء البرلماني المفاجئ عن تباين حقيقي بين أجنحة النظام الحاكم بعد اطلاع بعض النواب على خطورة المهمة العسكرية وتبعاتها الميدانية.

 

وعلى صعيد متصل، يبرز التناقض الصارخ بين مسارعة السلطة لإرسال الجيش دفاعا عن الرياض، وتصريحات سابقة حول امتناعها عن التحرك العسكري لنصرة غزة بحجة رفض المقامرة بحياة المصريين أو الدخول في صراعات إقليمية.

 

وفضلا عن هذا التناقض، يحيط الغموض التام بحجم التشكيل العسكري المزمع إرساله، وما إذا كان يضم فرقة أو لواء أو كتيبة، ونوعية القوات بين مشاة وطيران ودفاع جوي، وطبيعة الأسلحة الخفيفة أو الثقيلة المستخدمة.

 

وكذلك، تتكتم السلطة على طبيعة المهمة وما إذا كانت دفاعية أم هجومية، ونطاق الانتشار الجغرافي بين الداخل السعودي أو الحدود أو الأراضي اليمنية، وسط غياب أي سقف زمني يحدد بداية العملية ونهايتها.

 

وإزاء هذا التكتم، يثور الجدل حول مدى التزام السلطة بالعودة إلى البرلمان لتجديد الموافقة حال امتدت المهمة لفترة تتجاوز 6 أشهر، أم أن القرار سيتحول إلى تفويض مطلق يورط الجيش في استنزاف مستمر.

 

ومن ناحية أخرى، تفتقر هذه الخطوة لأي اتفاق رسمي مكتوب ومعلن ينظم إرسال القوات ويحدد مهامها، حيث تستند الترتيبات الحالية إلى تفاهمات شفوية غير موثقة بين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده محمد بن سلمان.

 

كما يمتد الغموض إلى هوية القيادة العسكرية التي ستتولى إمرة القوات المصرية بين قائد مصري أو سعودي أو قيادة مشتركة، مما يهدد استقلالية القرار الميداني ويضيع المسؤولية القانونية والمحاسبة عند وقوع خسائر بشرية.

 

وتتضاعف خطورة غياب القيادة المستقلة في ظل تقارير متداولة عن تواجد قوات إسرائيلية في الإمارات لمواجهة هجمات إيرانية بالتزامن مع وجود مفرزة جوية مصرية هناك، ما يطرح مخاوف حول طبيعة التشكيلات العسكرية المشتركة بالمنطقة.

 

وفي ظل انعدام الضمانات، تبقى سلامة الجنود المصريين في المهام القتالية مجهولة المصير، دون التزام رسمي بمصارحة الشعب بأعداد القتلى والمصابين أو توفير تأمين حقيقي على أرواح المجندين الذين يدفعون ثمن هذه المغامرات.

 

وأخيرا، يضع هذا التفويض الغامض لمواجهة الحوثيين الجيش المصري أمام خطر تكرار الخسائر البشرية والمالية الفادحة التي لحقت به في ستينيات القرن الماضي، ليتحمل المصريون وحدهم تبعات التورط في حرب إقليمية لا تخدم أمنهم.