أخلى مقاتلو جبهة تحرير تيغراي مدينة ميكيلي، عاصمة الإقليم شمالي إثيوبيا، السبت 3 أكتوبر، مع تقدم القوات الاتحادية نحو المدينة، في تحول ميداني سريع يبدل مواقع السيطرة خلال أيام قليلة.

 

وتتسارع التطورات بعدما سبقت عملية الإخلاء سيطرة قوات موالية للحكومة على مطار ألولا أبا نيغا قرب ميكيلي، وانسحاب مقاتلي الجبهة من عفر، وسط اتساع المواجهات التي تهدد بإعادة الإقليم إلى حرب مفتوحة.

 

ميكيلي تخلو مع تقدم القوات

 

وفي أحدث تطور ميداني، أفادت التقارير بأن مقاتلين وقادة من جبهة تحرير تيغراي بدأوا مغادرة ميكيلي، بينما أصبحت مكاتب حكومية ومراكز شرطة داخل العاصمة الإقليمية خالية من أفراد الأمن.

 

وبالتزامن مع ذلك، تتقدم قوات موالية للسلطات الاتحادية باتجاه المدينة، بعد سلسلة تحركات عسكرية قلبت المشهد سريعًا وأجبرت قوات تيغراي على التراجع من مواقع احتفظت بها خلال الأيام السابقة.

 

وقبل ذلك بساعات، أعلنت «قوة السلام في تيغراي» سيطرتها الكاملة على مطار ألولا أبا نيغا، الواقع على مسافة تقارب عشرة كيلومترات من ميكيلي، عقب هجوم مضاد واسع.

 

ومن شأن السيطرة على المطار أن تمنح القوات المتقدمة موقعًا استراتيجيًا قريبًا من المدينة، خصوصًا مع تحوله إلى نقطة رئيسية في حركة الوصول إلى عاصمة الإقليم ومحيطها خلال المواجهات المتسارعة.

 

وفي الوقت نفسه، جاء الانسحاب من ميكيلي بعد تراجع مقاتلي الجبهة من إقليم عفر المجاور الجمعة، تحت ضغط هجوم مضاد شنته القوات الفيدرالية والقوى المتحالفة معها على عدة محاور.

 

كما سبقت تلك التطورات سيطرة القوات التابعة لأديس أبابا على بلدة ألاماتا جنوبي تيغراي، وهي أول بلدة رئيسية داخل الإقليم تعلن القوات الحكومية استعادتها منذ تجدد القتال.

 

ومنذ السيطرة على ألاماتا، بدأت خريطة المواجهة تميل بصورة متسارعة، إذ تقع البلدة على بعد نحو 190 كيلومترًا جنوب ميكيلي، وتحولت إلى بوابة للتقدم باتجاه عمق الإقليم.

 

وعلى وقع هذه التحركات، أصبحت ميكيلي أمام مشهد مختلف تمامًا عن الأيام الأولى للقتال، بعدما انتقلت المواجهة من مناطق الأطراف إلى محيط العاصمة التي تمثل المركز السياسي والإداري الأهم لتيغراي.

 

اتفاق السلام يواجه انهيارًا جديدًا

 

وفي خلفية التصعيد، أعادت المواجهات الحالية شبح الحرب التي اندلعت بين القوات الاتحادية وجبهة تحرير تيغراي في نوفمبر 2020، قبل توقيع اتفاق سلام في بريتوريا خلال نوفمبر 2022.

 

وبعد سنوات من الهدوء النسبي، عاد القتال بقوة خلال الأيام الماضية، مع سيطرة قوات تيغراي على بلدات ومواقع استراتيجية قبل أن تبدأ القوات الاتحادية هجومًا مضادًا غيّر التوازنات سريعًا.

 

وفي المقابل، لم تعد الأزمة محصورة داخل حدود تيغراي، إذ ترافقت مع توترات إقليمية حادة واتهامات إثيوبية لدول مجاورة بدعم الجبهة، وهي اتهامات نفتها الأطراف التي شملتها.

 

كما تصاعد الخلاف مع إريتريا إلى مستوى غير مسبوق، بعدما طردت إثيوبيا عشرة دبلوماسيين إريتريين وأغلقت سفارتها هناك، قبل أن ترد أسمرة بقطع العلاقات الدبلوماسية.

 

وبالتوازي مع هذا التصعيد، أفادت تقارير عن اضطراب خدمات الاتصالات والبنوك داخل ميكيلي، إلى جانب ارتفاع أسعار الوقود ونقص السيولة، ما ضاعف الضغوط الواقعة على السكان مع اقتراب المعارك.

 

ومن ناحية أخرى، يعيش آلاف النازحين الذين استقروا في مخيمات منذ حرب 2020 حالة خوف من النزوح للمرة الثانية، مع سماع نيران المدفعية وتحليق الطائرات المسيّرة بالقرب من مناطقهم.

 

وفوق ذلك، تحدثت تقارير عن أكثر من 150 ألف نازح نتيجة الجولة الأخيرة من القتال، بينما استقبلت مستشفيات في كوريم وألاماتا وسوهول مئات الجرحى خلال فترة قصيرة.

 

ولهذا، لا تبدو السيطرة العسكرية على مدينة أو مطار نهاية للأزمة، لأن عودة الحرب تعيد معها أزمة إنسانية ثقيلة عاشها الإقليم سابقًا ودفعت مئات الآلاف إلى النزوح وفقدان مصادر معيشتهم.

 

معركة ميكيلي تحدد اتجاه الصراع

 

وفي المرحلة المقبلة، تصبح ميكيلي العقدة الأساسية التي ستحدد اتجاه المعارك، إذ يمنح إخلاؤها من قوات الجبهة القوات المتقدمة فرصة للسيطرة على أهم مدينة في الإقليم إذا اكتمل تقدمها.

 

ومع ذلك، لا يعني خروج مقاتلي الجبهة من المدينة انتهاء قدرتهم العسكرية، خصوصًا أن طبيعة الصراع السابقة أظهرت إمكانية انتقال المواجهات بين المدن والمناطق الجبلية وتبدل خطوط السيطرة بصورة سريعة.

 

وفي المقابل، تمثل خسارة العاصمة ضربة سياسية ومعنوية كبيرة لجبهة تحرير تيغراي إذا تحولت عملية الإخلاء إلى سيطرة اتحادية مستقرة، لأنها تحرم الجبهة من مركز إداري وسياسي بالغ الأهمية.

 

كما أن انتقال القتال إلى محيط ميكيلي يزيد المخاطر على المدنيين والمنشآت الحيوية، خاصة مع تعطل بعض الخدمات الأساسية ووجود أزمة وقود وسيولة سبقت بالفعل وصول القوات إلى تخوم العاصمة.

 

ومن جهة أخرى، يزيد انهيار الترتيبات التي أعقبت اتفاق بريتوريا من صعوبة العودة السريعة إلى طاولة التفاوض، لأن الجولة الجديدة جاءت بعد سنوات كان يفترض أن تقود إلى تثبيت التسوية السياسية.

 

وفي الوقت ذاته، حثت الأمم المتحدة الأطراف على الحوار مع تدهور الوضع، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار القتال إلى مزيد من النزوح والانهيار الإنساني داخل منطقة لم تتعاف بالكامل.

 

وبذلك، تدخل إثيوبيا مرحلة حاسمة بعد الانسحاب من ميكيلي، حيث تتحدد الأيام التالية بقدرة القوات الاتحادية على تثبيت تقدمها، وبالطريقة التي ستتعامل بها جبهة تيغراي مع خسارة مواقعها الأخيرة.

 

وفي النهاية، يعيد إخلاء ميكيلي رسم خريطة الحرب بسرعة، لكنه لا يضمن إغلاق جبهة تيغراي، بل قد يدفع الصراع إلى شكل جديد أكثر تعقيدًا إذا انتقلت القوات المنسحبة إلى حرب طويلة خارج المدن.