يدخل العراق مرحلة أمنية شديدة الحساسية بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي في 30 سبتمبر 2026، بينما ينتقل ملف سلاح الفصائل من حجة مقاومة الوجود الأجنبي إلى اختبار مباشر لقدرة الدولة على احتكار قرار القوة.

 

وتضع مغادرة التحالف حكومة علي الزيدي أمام معادلة معقدة بين ضغط أمريكي متصاعد لحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، ورفض فصائل مقربة من طهران التخلي عن قدراتها في ظل استمرار المواجهة الإقليمية.

 

رحيل التحالف يفتح ملف السلاح

 

وفي أعقاب الانسحاب، سقط أحد أهم المبررات التي استندت إليها الفصائل للاحتفاظ بسلاحها، بعدما ربطت لسنوات وجودها العسكري بالقوات الأجنبية ووصفت استهدافها بأنه جزء من مواجهة الاحتلال والنفوذ الأمريكي.

 

كما أعاد انتهاء المهمة الدولية فتح سؤال قديم حول الجهة التي تمتلك حق اتخاذ قرار الحرب والسلم، خصوصا أن بعض الفصائل تجمع بين الحضور السياسي والقدرات العسكرية والموارد وشبكات النفوذ داخل الدولة.

 

ومن جانبها، تعهدت حكومة الزيدي بحصر السلاح بيد الدولة، معتبرة أن المرحلة الجديدة تتطلب انتقالا كاملا للمسؤولية الأمنية إلى المؤسسات العراقية بعد اثني عشر عاما من عمل التحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

 

وفي المقابل، لا تتعامل الفصائل الأكثر قربا من إيران مع المسألة باعتبارها إجراء إداريا بسيطا، بل تربط سلاحها بضمانات أمنية وسياسية أوسع تتعلق بالسيادة ومنع الاستهداف الأمريكي أو الإسرائيلي مستقبلا.

 

وبينما أعلنت بعض التشكيلات استعدادها لتنظيم أو تسليم جانب من سلاحها، بقيت مجموعات أكثر نفوذا متمسكة بموقف متشدد، ما جعل الحكومة تتراجع عن الحديث عن موعد واحد يحسم الملف دفعة واحدة.

 

ولهذا، لم يعد النقاش مقتصرا على نزع السلاح، بل انتقل إلى مصطلحات مثل حصره أو تنظيمه، وهي تعبيرات تعكس خلافا عميقا حول مستقبل البنية العسكرية للفصائل وسلسلة القيادة الفعلية.

 

ومن جهة أخرى، يبرز موقف كتائب سيد الشهداء باعتباره نموذجا لهذا الرفض، بعدما ربطت أي تقدم في ملف السلاح بشروط تتعلق بانسحاب القوات الأجنبية وضمان السيادة وتعزيز قدرات الدفاع العراقية.

 

كما ترى هذه الفصائل أن الدولة لا تزال عاجزة عن توفير حماية كاملة لها من ضربات خارجية، ولذلك تعتبر أن التخلي عن السلاح قبل توفير ضمانات عملية سيتركها عرضة للاستهداف دون قدرة ردع.

 

طهران تربط السلاح بصراعها الإقليمي

 

وفي قلب هذا التعقيد، تقف إيران التي تنظر إلى الجماعات المتحالفة معها في العراق بوصفها جزءا من شبكة نفوذ إقليمية اكتسبت أهمية أكبر مع اتساع المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

 

كما نقل مسؤولون عراقيون أن طهران لا تشجع تسليم السلاح خلال استمرار الحرب، لأن هذه الفصائل تمثل بالنسبة إليها إحدى القدرات التي يمكن استخدامها للضغط أو الرد على المصالح الأمريكية في المنطقة.

 

ومن جانبه، يرى المحلل السياسي سجاد جياد أن الوصول إلى تفاهم أمريكي إيراني سيجعل معالجة الملف أسهل، لأن الحاجة إلى إبقاء الفصائل في حالة استعداد ستتراجع إذا انتهت المواجهة الأوسع.

 

وفي المقابل، لا تريد طهران أن ينزلق العراق إلى مواجهة داخلية، لأن انفجار صدام بين الحكومة والفصائل سيهدد نفوذها السياسي ويضرب الاستقرار الذي تحتاج إليه للحفاظ على موقعها داخل البلاد.

 

وبالتالي، يتحول العراق إلى ساحة توازن دقيقة بين قوتين متخاصمتين، فيما تحاول بغداد تجنب أن يصبح ملف السلاح شرارة لصراع داخلي جديد فوق إرث طويل من الحروب والانقسامات.

 

ومن ناحية أخرى، تشترط فصائل الحصول على ضمانات بعدم استهدافها قبل الدخول في خطوات فعلية، بينما لا تبدو واشنطن مستعدة لتقديم حصانة مفتوحة إذا استمرت جماعات مسلحة في العمل خارج القرار الرسمي.

 

ولهذا، يصبح بناء الثقة جزءا أساسيا من أي تسوية، لأن الحكومة تحتاج إلى إقناع الفصائل بأن دمج السلاح لن يعني تركها بلا حماية، وفي الوقت نفسه إقناع الخارج بأن الدولة صاحبة القرار.

 

بغداد تراهن على تسوية بطيئة

 

وفي بغداد، لا يظهر حتى الآن مسار سريع قادر على جمع السلاح من الفصائل الرافضة، خصوصا أن بعضها يمتلك حضورا سياسيا ومقاتلين وتسليحا وموارد تجعل فرض القرار بالقوة مغامرة مرتفعة الكلفة.

 

كما تراجعت الحكومة عن ربط 30 سبتمبر بموعد نهائي لتسليم سلاح الفصائل، مؤكدة أن التاريخ يتعلق بانتهاء مهمة التحالف، بينما بقيت معالجة السلاح خاضعة للتفاوض والحسابات الأمنية والسياسية.

 

ومن جهة أخرى، تحدثت تقارير عن استعداد حكومي للمواجهة إذا أغلقت الفصائل كل أبواب التفاهم، لكن الخطاب الرسمي عاد ليؤكد عدم وجود نية للدخول في صدام عسكري داخلي.

 

وبالتوازي، يعمل سياسيون وقادة على تقريب المواقف ومحاولة صياغة تسوية تمنع الانفجار، لأن أي مواجهة بين القوات العراقية والفصائل قد تفتح أزمة أمنية واسعة يصعب احتواؤها بعد بدئها.

 

وفي هذا السياق، يصر متحدثون باسم بعض الفصائل على استخدام تعبير تنظيم السلاح بدلا من نزعه، معتبرين أن بقاء القوة المسلحة مرتبط عندهم بمفهوم السيادة والردع وليس بمجرد النفوذ الداخلي.

 

كما يوضح هذا الخلاف أن المشكلة تتجاوز ملكية البنادق والصواريخ إلى السؤال الأكثر حساسية: من يملك أمر استخدامها، ومن يحدد العدو، ومن يستطيع إدخال العراق في مواجهة إقليمية دون قرار الدولة.

 

ومن هنا، تواجه حكومة الزيدي اختبارا يتصل بشكل الدولة نفسها، لأن نجاحها لن يقاس بانتهاء مهمة التحالف فقط، بل بقدرتها على توحيد القرار الأمني دون دفع البلاد إلى اقتتال داخلي.

 

وفي المقابل، سيظل مسار الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل عاملا حاسما، لأن استمرارها يمنح الفصائل مبررا إضافيا للتمسك بسلاحها ويجعل طهران أقل استعدادا لخسارة أدوات نفوذها.

 

وبذلك، يدخل العراق مرحلة لا تكفي فيها بيانات السيادة وحدها لحسم المشهد، إذ انتهت مهمة التحالف لكن معركة احتكار الدولة للسلاح ما زالت مفتوحة بين الضغوط الخارجية والرفض الداخلي والحسابات الإيرانية.