يعيد تحقيق إسرائيلي حديث يحيى السنوار إلى قلب ملف الإخفاق الذي سبق هجوم 7 أكتوبر 2023، بعد عرضه رسائل وتحذيرات نُقلت عنه قبل أسابيع، وتحدثت عن «مفاجأة كبيرة» و«زلزال» إذا لم تتقدم الاتصالات مع إسرائيل.

 

ويضع التحقيق تلك الرسائل إلى جانب مؤشرات أقدم كانت لدى أجهزة الأمن الإسرائيلية عن نوايا حماس وخططها، ما يجعل السؤال الأساسي متعلقًا بكيفية تفسير المعلومات المتاحة، لا بمجرد وجودها أو غيابها قبل الهجوم.

 

 

رسائل السنوار وصلت قبل الهجوم

 

وفي منتصف سبتمبر 2023، نقل وسيط فلسطيني رسالة من السنوار إلى الجانب الإسرائيلي، قال فيها إنه يستعد لـ«مفاجأة كبيرة» وحذر من «زلزال» إذا استمر الجمود في الاتصالات المتعلقة بالأسرى والتفاهمات القائمة آنذاك.

 

وبحسب تقارير استندت إلى تحقيق هآرتس، وصلت الرسالة إلى جهاز الشاباك في 15 سبتمبر، وأُبلغ بها مسؤولون أمنيون، لكن التحذير لم يتحول إلى تقدير بأن هجومًا واسعًا بات قريبًا أو قابلًا للتنفيذ.

 

كما أفاد التحقيق بأن محمد بن زايد تلقى مضمون الرسالة من الوسيط الفلسطيني، ثم حذر بنيامين نتنياهو من احتمال تحرك كبير، وهي رواية ينفيها مكتب نتنياهو ويقول إن سجلاته لا تثبت حصول الاتصال.

 

وفي المقابل، لا يتوقف ملف التحذيرات عند هذه الرواية المختلف عليها، لأن تحقيقات الجيش الإسرائيلي نفسها خلصت لاحقًا إلى وجود فجوة عميقة بين فهم الاستخبارات لحماس وبين استراتيجية الحركة وقدراتها الفعلية قبل الهجوم.

 

ومنذ سنوات، كانت الأجهزة الإسرائيلية تجمع معلومات عن تصور حماس لهجوم واسع على قواعد عسكرية وبلدات محاذية لغزة، لكن هذه الخطط عوملت مرارًا باعتبارها طموحات بعيدة لا سيناريو عملياتيًا قابلًا للتنفيذ.

 

وبالتالي، جاءت رسائل السنوار الأخيرة داخل بيئة ذهنية ترى أن حماس تريد تحسين شروط الحياة في غزة، والحصول على الأموال والتسهيلات وإطلاق الأسرى، أكثر من رغبتها في الدخول بمواجهة استراتيجية شاملة.

 

 

خطة الهجوم كانت معروفة

 

وفي 2018، ظهرت لدى الاستخبارات الإسرائيلية معلومات عن خطة لهجوم واسع تشارك فيه وحدات متعددة، تستهدف مواقع عسكرية وبلدات وتعمل على أسر إسرائيليين، وهي أفكار تشابهت لاحقًا مع عناصر الهجوم المنفذ.

 

وبحسب تحقيقات عسكرية إسرائيلية، تطورت هذه التصورات عبر السنوات، ثم ظهرت نسخة أكثر تفصيلًا عُرفت داخل الجيش باسم «سور أريحا»، وتضمنت اقتحام الحدود والوصول إلى قواعد وتجمعات سكنية في الجنوب.

 

كما حصلت الاستخبارات في مايو 2022 على نسخة أحدث من الخطة تعود إلى أغسطس 2021، إلا أن التقدير السائد داخل القيادات تعامل معها باعتبارها غير واقعية وأكبر من قدرة حماس التنفيذية.

 

وفي سبتمبر 2023، رصدت عناصر من الوحدة 8200 تدريبات لحماس تتوافق مع تفاصيل الخطة، وظهرت تحذيرات داخلية بأن ما كان يُعامل كتصور مستقبلي أصبح خطة متدربة يمكن تنفيذها عند صدور القرار.

 

وفوق ذلك، سبق لحماس أن عقدت في سبتمبر 2021 مؤتمرًا بعنوان «وعد الآخرة – فلسطين ما بعد التحرير»، ناقش تصورات لإدارة الأرض والمؤسسات والاقتصاد بعد زوال إسرائيل، برعاية سياسية من السنوار.

 

ومن جهة أخرى، كان السنوار يواصل علنًا ربط التصعيد بملفات الأسرى والمسجد الأقصى، وهو ما جعل أجهزة إسرائيلية تقرأ خطابه غالبًا كوسيلة ضغط مرتبطة بقضايا محددة، لا كإعلان عن مسار هجومي أشمل.

 

وفي ديسمبر 2022، لوح السنوار بأن الوقت المتاح للمفاوضات بشأن الأسرى ليس مفتوحًا، وأن حماس قد تلجأ إلى وسائل أخرى إذا لم تتقدم الصفقة، في رسالة حملت تهديدًا مباشرًا بالتصعيد.

 

كما جاءت تحذيرات أخرى من قيادات بارزة في الحركة بشأن الأسرى والقدس، لكنها اندمجت في نمط مألوف لدى الجانب الإسرائيلي، فبقيت التهديدات مصنفة باعتبارها أوراق تفاوض أكثر من كونها إشارات عملياتية.

 

 

الخداع والتحذير في مسار واحد

 

وفي قراءة هذا التناقض، يقدم التحقيق احتمالًا أن حماس لم تعتبر التفاوض والهجوم خيارين متعارضين، بل مسارين يمكن استخدامهما بالتوازي لتحقيق مكاسب مرحلية مع الاحتفاظ بهدف عسكري أوسع في الخلفية.

 

وبمعنى آخر، كان بإمكان السنوار قبول تأجيل المواجهة إذا تحققت مطالب تتعلق بالأسرى والقيود المفروضة على غزة والأقصى، من دون أن يعني ذلك التخلي عن بناء القوة أو عن خطط الهجوم المستقبلية.

 

وفي الوقت نفسه، ساعد ضبط النفس الذي أظهرته حماس خلال جولات تصعيد سابقة على تعزيز الاعتقاد الإسرائيلي بأنها أصبحت أكثر حرصًا على الاستقرار، بينما رأت التحقيقات لاحقًا أن هذا الافتراض ساهم في سوء التقدير.

 

ومن ثم، لم يكن تكرار التهديدات كافيًا لتغيير التقدير الإسرائيلي، لأن كل إشارة جديدة كانت تدخل إلى إطار تحليلي جاهز يفسرها باعتبارها ضغطًا محدودًا لتحقيق أهداف سياسية أو مرتبطة بالأسرى.

 

وبحسب تحقيقات الجيش المنشورة بعد الحرب، ظهرت قرابة عشر محطات كان يمكن أن تدفع الاستخبارات إلى مراجعة تصورها، بدءًا من خطط الاجتياح والتدريبات، وصولًا إلى المؤشرات التي ظهرت ليلة 6 أكتوبر.

 

كما خلصت هذه التحقيقات إلى أن أجهزة الاستخبارات أخفقت في فهم استراتيجية حماس ونواياها وقدراتها، وفشلت خلال الأيام الأخيرة في إصدار تحذير من احتمال شن هجوم واسع أو حتى عملية محدودة.

 

وفي هذا السياق، تصبح رسالة «الزلزال» المنسوبة إلى السنوار أكثر أهمية باعتبارها جزءًا من تراكم معلومات، لا باعتبارها وحدها دليلًا كان كافيًا حتمًا لتحديد موعد الهجوم أو حجمه.

 

وفي المقابل، يظل الخلاف قائمًا بشأن ما إذا كان محمد بن زايد قد نقل تحذيرًا مباشرًا إلى نتنياهو، لكن هذا النزاع لا يلغي وجود مسارات أخرى موثقة وصلت عبرها إشارات وتحذيرات للأجهزة الإسرائيلية.

 

وفي النهاية، ترسم الوقائع صورة لإخفاق لم يبدأ ليلة 6 أكتوبر، بل تراكم عبر سنوات من المعلومات والخطط والتدريبات والرسائل، بينما ظل السنوار حاضرًا في مركز تلك الإشارات بين التفاوض والتهديد والاستعداد للهجوم.