دخل المشهد الليبي منعطفًا جديدًا بعد وصول مصطفى المجدوب إلى طرابلس وإعلانه بدء ممارسة مهام ما تسميه مجموعته «حكومة موحدة»، في خطوة تضيف مركزًا جديدًا للسلطة فوق الانقسام القائم أصلًا بين الشرق والغرب.
ويضع التحرك الجديد البلاد أمام اختبار سياسي شديد الحساسية، بعدما أعلن المجدوب تجميد عمل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وطالب الحكومتين القائمتين بتسليم السلطة سلميًا، مع طرح جدول زمني للدستور والانتخابات.
سلطة ثالثة تدخل قلب طرابلس
وفي تفاصيل التحرك، جاء وصول المجدوب إلى العاصمة بعد نحو شهرين ونصف من اختياره خلال ملتقى سياسي في جنيف، ضم مجموعة من السياسيين والنشطاء وقدّم مبادرته باعتبارها طريقًا لتوحيد مؤسسات الدولة.
وبحسب ما أُعلن، دعا المجدوب عبد الحميد الدبيبة وأسامة حماد إلى تسليم السلطة بصورة سلمية، مستندًا إلى خطاب يقول إن استمرار التعدد الحكومي يعمق الانقسام ويؤخر إنهاء المرحلة الانتقالية.
وفي الوقت نفسه، أعلن المجدوب تجميد عمل المؤسستين التشريعيتين القائمتين، وهو طرح يتجاوز حدود تشكيل حكومة جديدة إلى محاولة إعادة صياغة البناء السياسي القائم وفرض قواعد مختلفة لإدارة المرحلة المقبلة.
كما طرح جدولًا زمنيًا يتضمن استفتاء على الدستور خلال تسعين يومًا، ثم انتخابات تنفيذية وتشريعية خلال ثمانية أشهر من انتهاء الاستفتاء، في محاولة لتقديم مسار سريع لإنهاء المرحلة الانتقالية.
ومن ناحية أخرى، أعلن حالة نفير عسكري عام قال إنها تستهدف حماية الحدود والوطن والمواطنين، وهو بند يضيف بعدًا أمنيًا إلى مبادرة سياسية بدأت أصلًا خارج المؤسسات والمسارات الرسمية المعترف بها.
وفي المقابل، لم يصدر رد معلن من المجلس الرئاسي أو من حكومتي الدبيبة وحماد على خطاب المجدوب، ما أبقى الخطوة حتى الآن في مساحة سياسية مفتوحة على الاختبار أكثر من كونها انتقالًا فعليًا للسلطة.
وبينما يرفع المجدوب شعار توحيد البلاد، يظل السؤال المركزي متعلقًا بقدرته على تحويل إعلان سياسي إلى نفوذ مؤسسي وأمني حقيقي، خصوصًا في بلد ترتبط فيه السلطة بموازين ميدانية معقدة ومتغيرة.
ولهذا، فإن وصوله إلى طرابلس يمنح المبادرة حضورًا رمزيًا أكبر مما كان عليه إعلان جنيف، لكنه لا يحسم وحده مسألة الشرعية أو السيطرة أو اعتراف المؤسسات القائمة بحكومته الجديدة.
دعم اجتماعي يقابله جدل الشرعية
وفي جانب مؤيد، أعلنت مجموعات من مصراتة تضم ثوارًا وأعيانًا وحكماء وشبابًا دعمها لتحرك المجدوب، ودعت إلى استغلاله لإنهاء الانقسام وتوحيد مؤسسات الدولة وترسيخ القانون وحماية المال العام.
كما أعلن تجمع يحمل اسم «أبناء طرابلس» تأييده للمسار الجديد، معتبرًا أنه يمكن أن يفتح مرحلة تستهدف إنهاء الصراع والفساد ومنح الليبيين مساحة أوسع لتقرير مستقبلهم السياسي بأنفسهم.
ومن داخل المجلس الأعلى للدولة، رأى سعد بن شرادة أن طرح المجدوب نفسه لتحمل مسؤولية قيادة الدولة يمثل موقفًا يحتاج إلى قدر من الشجاعة، مع ترك الحكم النهائي على المشروع لليبيين.
وفي الجهة المقابلة، أثار اختيار المجدوب في جنيف منذ يوليو تساؤلات مبكرة حول الأساس القانوني والسياسي للمبادرة، خصوصًا أنها انطلقت خارج المسار الأممي وخارج توافق معلن بين المؤسسات الليبية الرئيسية.
وبحسب تقارير ليبية آنذاك، جاء إعلان جنيف دون تمهيد سياسي واسع أو توافق شامل، رغم تأكيد منظميه أن المبادرة تستند إلى إرادة ليبية خالصة وتسعى لتجاوز استمرار حكومتين متنافستين.
وفي هذا الإطار، يظل الدعم الصادر عن قوى اجتماعية وسياسية عنصرًا مهمًا في قياس انتشار المبادرة، لكنه لا يساوي تلقائيًا تفويضًا وطنيًا ولا ينهي الخلاف على آليات تشكيل السلطة.
ومن ثم، تواجه «الحكومة الموحدة» معضلة مزدوجة تتمثل في إثبات قدرتها على العمل داخل طرابلس من جهة، وكسب اعتراف أوسع من المؤسسات والقوى المسلحة والمناطق المختلفة من جهة أخرى.
وبذلك، يتحول اختبار المجدوب الحقيقي من إعلان البرامج إلى بناء توافق فعلي، لأن التجربة الليبية الحالية تقوم على مؤسسات منقسمة ومسارات متنافسة، فيما تؤكد الأمم المتحدة أولوية توحيد مؤسسات الدولة.
مسار جديد يصطدم بالطريق الأممي
وفي موازاة مبادرة المجدوب، تواصل بعثة الأمم المتحدة الدفع بخريطة طريق مختلفة تقوم على توحيد المؤسسات، ومعالجة الإطار القانوني للانتخابات، والوصول إلى سلطة تنفيذية موحدة عبر مسار تفاوضي أوسع.
كما رحبت البعثة باتفاق أُبرم في الثلاثين من أغسطس لمعالجة ملفات تتعلق بالمفوضية العليا للانتخابات والإطار القانوني، مع التزام الأطراف بالعمل نحو انتخابات وطنية خلال مدة لا تتجاوز أربعة وعشرين شهرًا.
وفي منتصف سبتمبر، حظي ذلك الاتفاق بتأييد مجلس النواب وفق بيان للبعثة، ما منح المسار الأممي دعمًا مؤسسيًا إضافيًا، بينما تظل مبادرة المجدوب منفصلة عنه حتى الآن.
ومن جهة ثانية، تجعل هذه التطورات المشهد أكثر ازدحامًا، لأن ليبيا لا تواجه فقط حكومتين متنافستين، بل باتت أمام مبادرة ثالثة تحمل جدولًا أسرع وتطالب المؤسستين القائمتين بالتنحي.
وفي المقابل، يراهن أنصار المجدوب على حالة الإحباط الشعبي من طول المرحلة الانتقالية وتعثر الانتخابات، وهي مشاعر سجلتها تقارير أممية سابقة باعتبارها أحد مصادر الضغط على المؤسسات السياسية القائمة.
وبين المسارين، يبقى الاختلاف جوهريًا في طريقة الوصول إلى الشرعية، فالأمم المتحدة تدفع نحو تفاهمات مؤسسية متدرجة، بينما يقدم المجدوب نفسه باعتباره بوابة سريعة لإنهاء الانقسام وإعادة ترتيب السلطة.
وعلى المستوى العملي، ستتحدد قيمة المبادرة بمدى قدرتها على جذب مؤسسات وقوى فاعلة، لا بمجرد استقبالها من مجموعات مؤيدة، لأن أي انتقال للسلطة يحتاج إلى أدوات قانونية وأمنية وإدارية واسعة.
وفي النهاية، يضيف دخول المجدوب إلى طرابلس عنصرًا جديدًا إلى أزمة لم تكن تعاني نقص المبادرات، بل غياب التوافق القادر على تحويل أي مبادرة إلى مؤسسات شرعية مستقرة وانتخابات مقبولة من الجميع.
ولهذا، تدخل ليبيا مرحلة أكثر تعقيدًا بين حكومتين قائمتين ومشروع ثالث ومسار أممي مستمر، بينما تبقى الكلمة الحاسمة مرتبطة بقدرة الليبيين على الاتفاق على شرعية واحدة ومؤسسات موحدة وقواعد انتخابية قابلة للتنفيذ.

