لا تزال الحرب السودانية تحاصر الأطفال حتى داخل مراكز النزوح، بعدما قتلت ضربة بطائرة مسيرة طفلًا وأصابت 12 آخرين داخل مركز «الميناء البري» بمدينة الأبيض، حيث لجأت أسر هربًا من جبهات القتال.

 

وتضع الضربة الجديدة مأساة المدنيين في شمال كردفان أمام فصل أكثر قسوة، بعدما تحول مكان يفترض أن يوفر الحماية للنازحين إلى موقع جديد يسقط فيه أطفال فروا أصلًا بحثًا عن الأمان.

 

 

مركز إيواء يتحول إلى هدف

 

وفي التفاصيل، قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة إن الهجوم وقع في وقت متأخر من الليل واستهدف مركز «الميناء البري» الذي يؤوي نازحين داخليًا بمدينة الأبيض في ولاية شمال كردفان.

 

وبحسب المنظمة، أسفرت الضربة عن مقتل طفل وإصابة 12 آخرين، بينهم خمسة فتيان وسبع فتيات، ليرتفع عدد الأطفال المتضررين مباشرة من الحادث إلى 13 طفلًا.

 

كما لم تنسب اليونيسف الهجوم في بيانها إلى طرف بعينه، مكتفية بتوثيق الخسائر بين الأطفال والدعوة إلى حماية المدنيين ومواقع الإيواء من آثار العمليات العسكرية المتصاعدة.

 

وفي تعليقها على الواقعة، قالت ممثلة اليونيسف في السودان أنجيلا كيرني إن الأطفال الموجودين بالمركز سبق أن أُجبروا على مغادرة منازلهم، وإن كثيرين منهم نزحوا مرات متعددة.

 

ومن جانبها، شددت كيرني على أن الأطفال يذهبون إلى هذه المراكز طلبًا للحماية، لكن الهجوم الأخير حطم شعورهم بالأمان، مطالبة بوقف استهداف الأماكن التي تلجأ إليها الأسر النازحة.

 

وفي واقع أشد قسوة، يصبح النازح أمام خيارات محدودة، إذ يفر من منطقة اشتباكات إلى مركز إيواء، ثم يجد نفسه مهددًا داخل المكان الذي اعتقد أنه سيحمي أسرته من الحرب.

 

وبذلك، تعيد واقعة الأبيض طرح سؤال الحماية الإنسانية في السودان، خاصة مع اتساع استخدام الطائرات المسيرة ووصول الضربات إلى مناطق سكنية ومرافق وخدمات ومواقع تجمع المدنيين.

 

كما تؤكد طبيعة الضحايا أن الأطفال ما زالوا الحلقة الأضعف، بعدما فقد بعضهم منازلهم ومدارسهم وأحياءهم، قبل أن تلحق بهم مخاطر القتال حتى داخل المواقع المخصصة لاستقبال النازحين.

 

 

المسيرات تضاعف الضحايا من الأطفال

 

وفي الفترة من يناير وحتى سبتمبر 2026، سجلت اليونيسف مقتل أو إصابة أكثر من 400 طفل في السودان، مؤكدة أن هجمات الطائرات المسيرة مثلت نسبة كبيرة من هذه الخسائر.

 

كما كانت المنظمة قد أعلنت في يوليو أن ما لا يقل عن 330 طفلًا قتلوا أو أصيبوا خلال الأشهر الستة الأولى من 2026، مع تسجيل أعلى الخسائر في دارفور وكردفان.

 

وفي شمال كردفان تحديدًا، قالت اليونيسف إن أكثر من 35 طفلًا قتلوا أو أصيبوا منذ مايو وحتى بداية يوليو، وكانت هجمات المسيرات مسؤولة عن نحو 60% من الحالات المسجلة.

 

وبعد أسابيع قليلة، ارتفعت الحصيلة، إذ أعلنت المنظمة في 28 يوليو مقتل 23 طفلًا وإصابة 25 آخرين في شمال كردفان خلال شهرين فقط من تصاعد المواجهات حول الأبيض.

 

ومن بين الضحايا أطفال تراوحت أعمارهم بين شهرين و17 عامًا، ما يعكس اتساع دائرة الخطر وعدم اقتصارها على مناطق الاشتباك المباشر أو على الفئات القادرة على الفرار سريعًا.

 

وفي الوقت نفسه، طالت الضربات المتكررة منازل ومدارس ومرافق صحية وشبكات مياه وأسواقًا، لتضيف إلى خطر الموت المباشر تهديدًا آخر يتمثل في انهيار الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها الأطفال.

 

كما يؤدي استهداف البنية المدنية إلى تعطيل طرق الإمداد وعرقلة وصول الغذاء والدواء والمياه، بما يضاعف معاناة الأسر التي فقدت بالفعل مصادر دخلها ومساكنها خلال سنوات الحرب.

 

ومن ناحية أخرى، لا تنتهي آثار الضربات بانتهاء الانفجار، إذ يواجه الأطفال الخوف المستمر والاضطرابات النفسية وفقدان التعليم والاستقرار، بينما تتكرر عمليات النزوح من منطقة إلى أخرى كلما اقترب القتال.

 

 

حرب تطارد النازحين بلا مأوى

 

وفي مدينة الأبيض ومحيطها، تصاعد القتال خلال الأشهر الأخيرة بالتزامن مع احتدام المعارك في كردفان، وهو ما وضع مئات الآلاف من المدنيين أمام مخاطر متزايدة من القصف والنزوح ونقص الخدمات.

 

وبينما فر كثيرون من مناطق الاشتباكات، تحولت مراكز التجمع والإيواء إلى ملاذات مزدحمة تفتقر في أحيان كثيرة إلى الإمكانات الكافية، لتصبح أي ضربة عسكرية داخلها قادرة على إيقاع خسائر واسعة.

 

وفي هذا السياق، طالبت اليونيسف جميع أطراف النزاع بالالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وحماية المدنيين والمنشآت المدنية، واتخاذ كل الإجراءات الممكنة لإبعاد الأطفال عن القتال وآثاره المباشرة وغير المباشرة.

 

كما دعت المنظمة إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة وسريعة ومن دون عوائق، خاصة إلى المناطق التي تعاني انقطاع الإمدادات أو تضرر الطرق والخدمات نتيجة العمليات العسكرية المستمرة.

 

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تحمل المدنيون الجزء الأكبر من الكلفة الإنسانية، مع سقوط أعداد كبيرة من القتلى والمصابين ونزوح ملايين السودانيين داخل البلاد وخارج حدودها.

 

وفي المقابل، تتحول كردفان بصورة متزايدة إلى إحدى أكثر ساحات الحرب خطورة، بعدما اتسعت الاشتباكات والهجمات بالطائرات المسيرة، وأصبح المدنيون محاصرين بين خطوط التماس والطرق المغلقة ومخاطر النزوح المتكرر.

 

ولهذا، تمثل مأساة مركز «الميناء البري» صورة مصغرة لأزمة أوسع، حيث لم يعد الهروب من الجبهات ضمانًا للنجاة، ولم تعد مراكز الإيواء قادرة وحدها على توفير الحماية للأطفال.

 

وفي النهاية، يبقى مقتل طفل وإصابة 12 آخرين تذكيرًا جديدًا بأن استمرار الحرب يدفع ثمنه من لا يملكون قرارها، فيما تطالب المنظمات الدولية بتحييد المدنيين قبل سقوط المزيد من الأطفال.