«هكذا ببساطة. دون تفسير». هكذا يصف كاتب المقال، الذي اختار عدم الكشف عن اسمه، خبر اعتقال أعضاء غرفة أخبار منصة «متصدقش» في مصر، قائلًا إنه يخشى، لمجرد ممارسته الصحافة في مصر، أن تتحول المهنة التي يؤديها بإخلاص إلى سبب للزج به في السجن. ويشير الكاتب إلى اعتقال زملائه محمد أشرف أبو عميرة، وعبدالله قدري، وإسلام بركات، وعمر هلال، ومحمد محمود، ومحمد عادل، أعضاء غرفة أخبار «متصدقش».


وذكر موقع «درج» أن فريق التحرير الكامل لمنصة «متصدقش»، المؤلف من ستة صحفيين، احتُجز بعد سلسلة من الاعتقالات بدأت باعتقال اثنين من أعضاء غرفة الأخبار، قبل أن ينضم إليهما صحفيان آخران، لتتحول القضية خلال ساعات إلى اعتقال الفريق بأكمله.

 


اعتقالات «متصدقش» تثير مخاوف على حرية الصحافة في مصر


يتذكر الكاتب أنه قبل ثلاث سنوات، احتُجز أحد أعضاء غرفة الأخبار لمدة 48 ساعة قبل أن تتدخل نقابة الصحفيين وتنجح في الإفراج عنه، ولذلك توقع أن تنتهي الأزمة سريعًا هذه المرة أيضًا. لكن الأخبار استمرت في التدفق، وارتفع عدد الصحفيين المعتقلين إلى أربعة، ثم انتهى الأمر باحتجاز فريق التحرير كاملًا.


وبينما كان الكاتب يتابع الأخبار، صادف قصة أخرى تتناول ديانة ممثلة مصرية نشرتها مؤسسة إعلامية كانت تُعرف ذات يوم بالصحافة الجادة، ثم شاهد مقطع فيديو لصحفية تشارك في تجربة إعلامية جديدة تشبه برامج تلفزيون الواقع، وتشتكي من زميل آخر داخل كافتيريا المؤسسة الإعلامية.


ولا يرى الكاتب أن الفيديو نفسه هو ما يثير صدمته، إذ أعلن مؤسس التجربة صراحة: «أنا هنا لأفسد الصحافة». لكن السؤال الذي يطرحه الكاتب هو: أي صحافة بقيت أصلًا حتى تُفسد؟


ويقول الكاتب إنه اضطر للمرة الأولى إلى استخدام اسم مستعار في 2015، بعد سنوات من العمل الصحفي، لأنه لم يكن يحتاج قبل ذلك إلى اسم زائف أو إلى النشر دون توقيع.


ويضيف أن الصحفيين يعيشون في ما يُسمى «الجمهورية الجديدة»، حيث لا تتجاوز حرية الصحافة، بحسب رأيه، كونها شعارات تُردد في المؤتمرات العامة ويعلنها الرئيس خلال لقاءاته مع رؤساء تحرير أجانب، بينما تظل في الواقع كلمات موجهة للاستهلاك الإعلامي.


ويصف الكاتب واقع الصحفيين بأنهم يقفون على حافة الخطر، ممزقين بين ممارسة الصحافة الحقيقية مع احتمال السجن أو المنفى لأسباب لا يعرفها سوى الله ومن يقرر اعتقالهم، وبين التحول إلى مجرد مؤدين تُلصق أسماؤهم ببيانات «مرسلة من جهاز سامسونج»، أو الانزلاق إلى صحافة تتغذى على الفضائح والترندات لجذب قراء لم يعودوا ينجذبون إلى نشرات إخبارية متطابقة ومكررة.


ويختصر الكاتب المعضلة في سؤال مرير: «هل أخسر حريتي، أم أخسر مهنتي؟»

 


«متصدقش» بين مكافحة المعلومات المضللة ومواجهة الاعتقال


يكشف الكاتب أن أول تحقيق نشره باستخدام اسم مستعار لم يتناول السياسة أو النظام الحاكم، وإنما تناول قرارًا خاطئًا لوزير الصحة بحجب معلومات حيوية عن أشخاص يتلقون خدمة صحية، وهو قرار أدى إلى إصابة عشرات الأشخاص بمضاعفات.


ورغم أن التحقيق لا يزال، بحسب وصف الكاتب، واحدًا من أفضل الأعمال الصحفية التي أنجزها، فإنه لا يستطيع وضعه ضمن ملف أعماله؛ لأنه عندما نشره لم يتمكن من وضع اسمه عليه خوفًا من الاعتقال أو من وصمه بالانتماء إلى جماعة إرهابية تسعى إلى زعزعة استقرار البلاد.


ومنذ إطلاق «متصدقش» عام 2018 على يد الصحفي الراحل محمد أبو الغيط، الذي كان واحدًا من الصحفيين المصريين الذين اضطروا إلى المنفى، عملت المنصة على تصحيح التقارير الكاذبة والبيانات المضللة، ونشرت تحقيقات معمقة كشفت وقائع فساد أينما وجدت، وفقًا لما يورده المقال.


ويشير الكاتب إلى أن المنصة لم تميز بين النظام وجماعة الإخوان المسلمين، إذ دققت في تصريحات الجانبين وكشفت ما اعتبرته فسادًا على كلا الطرفين، باعتبار أن تلك هي وظيفة الصحافة المستقلة.


لكن ذلك، بحسب المقال، لم يمنع مئات الحسابات المؤيدة للحكومة من استغلال خبر اعتقال غرفة أخبار «متصدقش» لوصف المنصة بأنها جهة إعلامية مضللة تابعة لجماعة الإخوان المسلمين.


ويرى الكاتب مفارقة في أن الدولة تحذر باستمرار من مخاطر الشائعات والمعلومات المضللة، وتؤكد الحاجة إلى رفع وعي الجمهور، بينما اعتُقل كامل فريق منصة جعلت مواجهة المعلومات المضللة جوهر عملها.
 

ويشير المقال إلى أن رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي دعا في يوليو 2026 إلى إتاحة مساحة أكبر لـ«حوار إعلامي موضوعي» يستوعب «وجهات النظر المختلفة»، ووجّه إلى عقد اجتماع سنوي لمراجعة أوضاع الإعلام المصري ومناقشة تحدياته وفرصه.


كما يشير إلى أن الرئاسة تحدثت في 2025 عن «صون حرية التعبير» و«استيعاب جميع وجهات النظر الوطنية»، ووجّهت بإتاحة البيانات والمعلومات لوسائل الإعلام، وأكدت مجددًا مبدأ «وجهات النظر المختلفة».


ويطرح الكاتب السؤال الذي يراه جوهريًا بالنسبة إلى الصحفيين: ماذا تعني هذه الكلمات فعلًا عندما تصل إلى غرف الأخبار؟ وما حدود «وجهة النظر الأخرى»؟ ومن يقرر متى يتحول السؤال إلى خطر؟ وما المساحة المتاحة أمام الصحفي عندما يدرك أن مهمته لا تقتصر على إعادة إنتاج ما تقوله المؤسسات؟


وينص الدستور المصري في المادة 65 على أن «حرية الفكر والرأي مكفولة»، وأن لكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر.


لكن الكاتب يرى أن الصحفيين لا يعيشون داخل النصوص الدستورية وحدها، بل يعملون داخل غرف الأخبار والمؤسسات وفي سوق تحكمه القوانين والنقابات والأجهزة الأمنية والمصادر والمحررون والخوارزميات وجمهور يريد المعلومات فورًا، وأحيانًا قبل أن ينتهي الصحفيون من التحقق منها.

 


الصحافة المصرية بين «مواجهة الفوضى» والخوف من طرح الأسئلة


قبل ساعات من اعتقال غرفة أخبار «متصدقش»، ألقى رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي كلمة خلال اجتماع حضره رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة والمحافظون وكبار مسؤولي القوات المسلحة والشرطة ومسؤولون آخرون في الدولة. وتحدث السيسي عن التحديات التي تواجه الدولة والحاجة إلى تأمين «الجبهة الداخلية» في مواجهة ما وصفه بأساليب متعددة للإضرار بالدولة والضغط عليها.


وسلطت التغطيات اللاحقة للاجتماع الضوء على تحذيرات رئاسية من الفوضى على وسائل التواصل الاجتماعي، ومحاولات التشكيك في إنجازات البلاد، ونشر الإحباط. كما اختارت وزارة الأوقاف حماية الوطن وتعزيز الوعي العام موضوعًا لخطبة الجمعة التالية، بينما تستعد الحكومة لعقد مؤتمر كبير في النصف الثاني من أكتوبر لعرض إنجازاتها والرد على أسئلة الجمهور.


وبعد ساعات، وجد فريق تحرير «متصدقش» بأكمله نفسه قيد الاحتجاز.


ويؤكد الكاتب أنه لا يمتلك دليلًا على وجود صلة مباشرة بين الحدثين، ولا يريد اختلاق علاقة لا يستطيع إثباتها، لكنه يرى أن التوقيت وحده يطرح سؤالًا لا يمكن تجاهله: ماذا يحدث عندما تؤدي الدعوات إلى مواجهة «الفوضى» و«التشكيك» عبر الإنترنت إلى خلق بيئة يجد فيها الصحفيون، الذين تتمثل مهمتهم أساسًا في التحقق من المعلومات، أنفسهم خارج المشهد؟


لم تُبنَ «متصدقش» لنشر الإحباط أو تداول الشائعات أو اختلاق الأخبار، بل تتمثل مهمتها الأساسية، وفقًا لما تقوله المنصة عن نفسها، في إنتاج المحتوى الصحفي والتحقق من المعلومات ونشرها وفقًا للمعايير المهنية. ومع ذلك، أصبحت غرفة أخبارها هي نفسها خبرًا.


وهنا تكمن المفارقة التي يراها الكاتب أكثر إيلامًا من الاعتقالات ذاتها: تقول الدولة إن المشكلة تتمثل في انتشار المعلومات المضللة، بينما شهدت منصة جعلت مواجهة المعلومات المضللة أساس وجودها اعتقال فريقها بالكامل، دون إعلان واضح، حتى وقت كتابة المقال، يفسر أسباب الاعتقالات أو أساسها القانوني.


ويرى الكاتب أن الدولة، إذا أرادت مواجهة الشائعات، تحتاج بطبيعة الحال إلى صحافة تتحقق وتسأل وتدقق. وإذا أرادت إقناع الناس بإنجازاتها، فإنها تحتاج أيضًا إلى صحفيين يستطيعون فحص تلك الإنجازات ومقارنتها بالأرقام وسؤال المسؤولين عن الأموال التي أُنفقت والنتائج التي تحققت.


ويشير إلى أن هذه الأسئلة تحديدًا يفترض أن يوفر مؤتمر أكتوبر مساحة لمناقشتها، قبل أن يعود إلى السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف يمكن مطالبة الصحفيين بمواجهة «التشكيك» من جهة، بينما يعيشون في خوف من أن تؤدي ممارسة مهمة التحقق التي تقع في صميم عملهم إلى تعرضهم للخطر من جهة أخرى؟


ولا يرى الكاتب أن القضية باتت تتعلق بـ«متصدقش» وحدها، بل أصبحت سؤالًا أوسع: أي نوع من الصحافة نريد؟


ولم يكن السيسي المسؤول الوحيد الذي تحدث عن الإعلام وأزمته قبل اعتقال فريق «متصدقش». ففي نهاية أغسطس، قال وزير الإعلام، الذي طلب من الصحفيين مخاطبته بعبارة «معاليك يا زميل»، إن ضمان تدفق المعلومات الرسمية إلى وسائل الإعلام سيترك مساحة أقل أمام مروجي الشائعات، وإن توفير الرواية الرسمية للأحداث والقرارات والإنجازات سيساعد على تضييق الفجوة التي يخلقها نقص المعلومات.


ويقر هذا التصريح، بحسب قراءة الكاتب، بأن الأزمة التي يواجهها الإعلام المصري ليست أزمة محتوى فحسب، وإنما أزمة تتعلق أيضًا بالوصول إلى المعلومات ومساحة الحوار. لكن السؤال يظل قائمًا: ماذا يعني دعوة الصحفيين إلى مناقشة أوضاع مهنتهم والتحدث بحرية عن مشكلاتها، بينما يصبح مجرد طرح الأسئلة محفوفًا بالخوف؟


وربما لا توجد إجابة أوضح من الإجابة التي تقدمها غرفة أخبار «متصدقش» نفسها الآن: منصة تتمثل مهمتها الأساسية في التحقق من المعلومات ومواجهة المعلومات المضللة تتحول فجأة إلى قصة تحتاج إلى صحفيين يسألون: ماذا حدث؟ أين الصحفيون؟ ولماذا اعتُقلوا؟


وهنا تتحول مسألة «الوصول إلى المعلومات» من مجرد بند على جدول أعمال مؤتمر أو اجتماع إلى جوهر العمل الصحفي. فلا يستطيع الصحفي التحقيق في معلومات لا يستطيع الوصول إليها، ولا يستطيع مواجهة الشائعات عندما تصل المعلومات الرسمية متأخرة، ولا يستطيع ممارسة «وجهات النظر المختلفة» عندما يصبح الخوف من طرح السؤال أكبر من المساحة المتاحة لتلقي الإجابة.


وبعد ساعات من انتشار أخبار الاعتقالات، ناقش الكاتب الأمر مع أحد زملائه، الذي قال إنه يأمل الإفراج عن زملائهم، حتى لو كان الثمن تجميد عمل «متصدقش» إلى حين انتهاء مؤتمر الحكومة حول إنجازاتها، أو حتى إغلاق المنصة نهائيًا. فلا جدوى، بحسب الزميل، من أن يقضي الصحفيون سنوات من حياتهم خلف القضبان، وأن يتحولوا هم إلى القصة بدلًا من كتابتها.


وعندما قرر الكاتب كتابة هذا المقال، ترك له الخوف خيارين: هل يكتب عن زملائه وعن الصحافة ويخاطر بحريته؟ أم يصمت ويترك مهنته نفسها تواجه الخطر؟


وفي النهاية، قرر أن يكتب دون اسمه، لأن المهنة التي يحاول الدفاع عنها من الخطر أصبحت هي نفسها مصدر الخطر.

 

https://daraj.media/en/when-facts-become-a-crime-mtsada2sh-and-egypts-war-on-serious-journalism/