أعاد حديث قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي عن محاولات «تأليب الدولة على بعضها» و«شق الصف» ملف العلاقات بين المؤسسات السيادية والأمنية إلى الواجهة، خصوصًا مع تشديده على سرعة التحرك لحماية الجبهة الداخلية.
وتضع لغة التحذير، التي جاءت خلال اجتماع موسع ضم الحكومة والمحافظين وقيادات عسكرية وشرطية، أسئلة حول ما إذا كان المقصود تهديدات خارجية فقط أم توترات داخل مؤسسات الدولة نفسها.
خطاب الجبهة الداخلية يثير الأسئلة
وفي خطابه يوم 29 سبتمبر، تحدث السيسي عن محاولات لإثارة مشكلات بين مؤسسة وأخرى، وقال إن الأدوات المستخدمة للإضرار بالدولة أصبحت أكثر تنوعًا وحداثة وتتطلب تدخلاً سريعًا واستعدادًا مسبقًا.
ومن جهة أخرى، لم يسم السيسي جهة بعينها قال إنها تقف خلف تلك المحاولات، كما لم يقدم تفاصيل عن وقائع محددة، ما فتح الباب أمام قراءات سياسية متباينة لمعنى التحذير.
وفي المقابل، ربطت قراءات خبراء ومراقبين بين هذه العبارات وبين منافسة قديمة على النفوذ بين أجهزة أمنية وسيادية، لكن هذه القراءة تظل تفسيرًا سياسيًا لا معلومة معلنة من مؤسسات الدولة.
وفوق ذلك، يأتي الخطاب في وقت يشهد فيه المشهد البرلماني حضورًا قويًا لأحزاب موالية للسلطة، أبرزها مستقبل وطن وحماة الوطن والجبهة الوطنية، التي تصدرت جانبًا واسعًا من التمثيل النيابي.
وبحسب نتائج تشكيل اللجان البرلمانية في يناير 2026، حصل مستقبل وطن على إدارة 12 لجنة، وحماة الوطن على ست، والجبهة الوطنية على أربع، بما يعكس ثقل هذه الأحزاب داخل المجلس.
ومن ناحية أخرى، سبق أن ظهرت خلافات علنية حول انتخابات 2025 بعد إلغاء نتائج بعض الدوائر وإعادتها، بينما نسبت تقارير صحفية معارضة جانبًا من التنافس الانتخابي إلى تدخلات أجهزة سيادية.
ومع ذلك، لا تتوافر أدلة علنية مستقلة تسمح بالجزم بأن كل حزب من الأحزاب الكبرى يتبع جهازًا أمنيًا محددًا، ولذلك تبقى تلك الرواية ضمن نطاق الاتهامات والتحليلات السياسية المتداولة.
وفي هذا السياق، يظل الثابت أن الأحزاب الثلاثة شاركت داخل تحالفات انتخابية متقاربة، بينما تبقى خرائط النفوذ الأمني خلفها موضع روايات صحفية متعارضة لا تؤيدها وثائق منشورة حاسمة.
تنافس النفوذ بين مؤسسات الدولة
وفي خلفية المشهد، يمتلك الجيش حضورًا اقتصاديًا واسعًا في قطاعات متعددة، بينما تعمل مئات الكيانات المملوكة للدولة في قطاعات تنافسية، ما يوسع مساحة التداخل بين السلطة العامة والنشاط الاقتصادي.
وبالتالي، فإن اتساع المصالح الاقتصادية للمؤسسات السيادية يضيف بعدًا آخر لأي منافسة محتملة، لأن النفوذ لم يعد سياسيًا وأمنيًا فقط، بل يمتد إلى الأراضي والمشروعات والخدمات والاستثمارات.
وفي المقابل، تعمل الحكومة ضمن سياسة لإعادة تنظيم ملكية الدولة وتقليص وجودها في قطاعات غير استراتيجية، بينما يواصل صندوق النقد المطالبة بمزيد من الحياد التنافسي وإفساح المجال للقطاع الخاص.
ومن هنا، يصبح الحديث عن «شق الصف» أكثر حساسية حين يصدر في اجتماع يضم كبار القيادات التنفيذية والعسكرية والشرطية، لأن الرسالة تتجاوز الجمهور إلى بنية الدولة نفسها.
وعلى مستوى التحليل، ربطت قراءات معارضة منشورة بين خطاب السيسي وبين تنافس داخلي على النفوذ، معتبرة أن الانتخابات والاقتصاد وتوزيع المواقع أصبحت ساحات محتملة لهذا التنافس.
وبالمثل، لا تقدم هذه القراءات أدلة علنية حاسمة على تحول التنافس إلى صراع مفتوح، وهو فارق ضروري بين وجود مصالح مؤسسية متقاطعة وبين القول إن بنية الحكم تواجه انقسامًا فعليًا.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل العامل الاقتصادي، إذ بلغ الدين الخارجي نحو 164.78 مليار دولار بنهاية مارس 2026، بما يزيد الضغوط على الموازنة وقدرة الدولة على تمويل أولويات متعددة.
ومع تراجع مساحة الموارد، تصبح المنافسة على النفوذ والميزانيات والعقود أكثر أهمية داخل أي نظام شديد المركزية، إلا أن تحويل هذا الاحتمال إلى حقيقة مؤكدة يحتاج معلومات غير متاحة علنًا.
ومن جهة أخرى، يضيف صندوق النقد أن إصلاح الشركات المملوكة للدولة وتعزيز الحياد التنافسي ما زالا ضروريين، وهو ما يضع علاقة المؤسسات العامة بالنشاط الاقتصادي تحت ضغوط إصلاحية متزايدة.
البرلمان والاعتقالات يضاعفان القلق
وفي اليوم نفسه تقريبًا، دُعي مجلس النواب إلى جلسة غير عادية في 30 سبتمبر قبل افتتاح دور الانعقاد الجديد، ثم اتضح أن الجلسة خُصصت لمناقشة تأجيل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية.
وبذلك، تراجعت التكهنات الأولى التي ربطت الدعوة البرلمانية بقرار سياسي استثنائي، لأن جدول الأعمال المعلن حدد سبب الانعقاد، رغم أن توقيت الدعوة غذى الشائعات قبل صدور التفاصيل.
وفي سياق متزامن، ألقت السلطات القبض على ستة صحفيين من فريق منصة «متصدقش» بين 28 و29 سبتمبر، وفق المبادرة المصرية للحقوق الشخصية والمنصة نفسها، وسط مطالبات بالإفراج عنهم.
ومن جهة أخرى، قالت المبادرة إن أماكن احتجاز الصحفيين لم تكن معلومة وقت بيانها وإنهم لم يتمكنوا من التواصل مع أسرهم أو محاميهم، بينما لم تعلن السلطات فورًا رواية تفصيلية مقابلة.
وبالتوازي، أضافت تلك الاعتقالات إلى المناخ السياسي مزيدًا من التوتر، خصوصًا مع استخدام السيسي في اليوم نفسه خطابًا يربط الغضب ومحاولات التأليب بمخاطر تستهدف استقرار الدولة.
ومع ذلك، لا توجد قرينة علنية تثبت أن القبض على الصحفيين مرتبط مباشرة بتحذيرات السيسي أو بصراع بين الأجهزة، ولذلك يجب الفصل بين تزامن الوقائع وبين إثبات علاقة سببية بينها.
ومن ناحية أخرى، يضاعف الوضع الاقتصادي من حساسية المشهد، لأن الضغوط المعيشية وارتفاع خدمة الدين وتراجع القوة الشرائية تجعل أي خلاف داخل مؤسسات السلطة أكثر كلفة سياسيًا واجتماعيًا.
وفي المحصلة، يمكن القول إن خطاب «شق الصف» يعبر بوضوح عن قلق رسمي من تماسك الجبهة الداخلية، لكنه لا يقدم بمفرده دليلًا قاطعًا على وجود صراع مؤسسي يهدد الدولة.
وأخيرًا، يبقى السؤال مفتوحًا حول حدود التنافس داخل بنية الحكم، ومدى قدرة المؤسسات على إدارة مصالحها المتشابكة دون تحويل الخلافات إلى أزمة، خاصة مع ضغوط اقتصادية وسياسية متزامنة.

