اتسعت خريطة الجامعات الأهلية في مصر بوتيرة غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة، لتقفز من أربع جامعات في 2013 إلى 32 جامعة بحلول 2026، وفق بيانات وزارة التعليم العالي، في تحول كبير داخل منظومة التعليم الجامعي المصرية.
وبينما تقدم الحكومة هذا التوسع باعتباره وسيلة لاستيعاب أعداد الطلاب وتقديم برامج حديثة مرتبطة بسوق العمل، يفتح انتشار الجامعات القائمة على المصروفات بابًا مختلفًا للنقاش حول مستقبل مجانية التعليم، خصوصًا عندما تنشأ جامعات أهلية من رحم جامعات حكومية تمتلك بالفعل الأرض والخبرات والكوادر الأكاديمية.
وفي قلب هذا المشهد، ظهرت أزمة أخرى تتجاوز قيمة المصروفات إلى طريقة إدارة هذه المؤسسات نفسها، بعد تولي رؤساء جامعات حكومية في بعض الحالات تسيير أو إدارة جامعات أهلية مرتبطة بجامعاتهم، بما يطرح أسئلة مباشرة عن الفصل بين المؤسستين وحدود الاستقلال وتضارب المصالح المحتمل.
ويزداد الجدل مع اختلاف القواعد القانونية المنظمة للجانبين؛ فالجامعات الحكومية تعمل في إطار قانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972، بينما يحكم الجامعات الخاصة والأهلية القانون رقم 12 لسنة 2009 وتعديلاته، بما يجعل الجمع الإداري بين مؤسستين مختلفتين قانونيًا محل سؤال يستحق إجابة واضحة.
توسع مدفوع يغير خريطة التعليم
لم يعد انتشار الجامعات الأهلية تجربة محدودة، بعدما أصبح هذا النوع من الجامعات أحد أكبر مسارات التوسع في التعليم العالي، إذ تؤكد البيانات الرسمية وجود 32 جامعة أهلية معتمدة بحلول العام الجامعي 2026–2027.
ومن جانبها، تقول وزارة التعليم العالي إن إنشاء هذه الجامعات جاء لاستيعاب الزيادة المتواصلة في أعداد الطلاب وتقليل الاغتراب وتقديم برامج حديثة، كما تؤكد أن الجامعات الأهلية غير هادفة للربح وأن فائض المصروفات يعاد ضخه في تطوير منشآتها وبرامجها.
لكن في المقابل، يبقى السؤال الاجتماعي قائمًا: ماذا يعني أن يتحول جزء متزايد من التوسع الجامعي إلى مؤسسات تحصل مصروفات بينما يمثل التعليم الحكومي المجاني تاريخيًا المسار الأساسي لملايين الأسر المصرية؟
ولا يتعلق الاعتراض هنا بوجود برامج جديدة أو معامل متطورة، وإنما بالفارق بين زيادة القدرة الاستيعابية للجامعات الحكومية المجانية وبين إنشاء مسار تعليمي آخر يحتاج إلى قدرة مالية أكبر للوصول إلى بعض تخصصاته.
كذلك فإن الجامعات الأهلية المنبثقة من الجامعات الحكومية تثير سؤالًا إضافيًا حول طبيعة العلاقة بين الأصل الحكومي والمؤسسة الجديدة، خاصة أن الخطاب الرسمي نفسه يصف عددًا منها بأنها جامعات منبثقة من الجامعات الحكومية.
ومن ثم، يصبح النقاش أوسع من مجرد زيادة أعداد الجامعات؛ فهو يتعلق بطبيعة التحول الجاري داخل التعليم العالي، ومن يتحمل تكلفته، وما إذا كان التوسع المدفوع يسير بالتوازي مع توسع مماثل في فرص التعليم الحكومي المجاني.
رئيس واحد ومؤسستان مختلفتان
وتبرز المشكلة الأكثر حساسية عندما يصبح رئيس الجامعة الحكومية مسؤولًا في الوقت نفسه عن جامعة أهلية مرتبطة بها، لأن المسألة هنا لا تتعلق فقط بضغط العمل، وإنما بحدود السلطة والفصل بين المصالح والقرارات.
فالجامعة الحكومية كيان يخضع لقانون تنظيم الجامعات، بينما الجامعة الأهلية تخضع لإطار قانوني آخر يرتب لها هياكل إدارة ومجالس أمناء وآليات مختلفة لاتخاذ القرار، وهو اختلاف يجعل استقلال الإدارة مسألة جوهرية لا مجرد تفصيل تنظيمي.
وعندما يكون الشخص نفسه حاضرًا على رأس المؤسستين، تظهر أسئلة يصعب تجاهلها: من يمثل مصالح الجامعة الحكومية عند التعامل مع الجامعة الأهلية؟ ومن يفاوض الطرف الآخر إذا كانت هناك موارد أو منشآت أو أعضاء هيئة تدريس أو اتفاقات مشتركة؟
كما تظهر مسألة الوقت والتفرغ؛ فرئاسة جامعة واحدة تضم عشرات الكليات والآلاف من الطلاب وأعضاء هيئة التدريس مهمة إدارية ضخمة، فكيف يمكن ضمان المتابعة الكاملة إذا أضيفت إليها إدارة مؤسسة جامعية ثانية بميزانية وبرامج وطلاب وهيكل مستقل؟
ولا يعني مجرد الجمع بين المنصبين ثبوت مخالفة أو تضارب مصالح في حالة بعينها، لكنه يصنع بيئة تتطلب قواعد صريحة للإفصاح والفصل بين الصلاحيات، بدل ترك الأمر للتقدير الشخصي أو الترتيبات المؤقتة.
وفوق ذلك، فإن الاعتماد الواسع على النواب والمساعدين لتغطية غياب القيادة بين جامعتين قد يحول منصب رئيس الجامعة من قيادة يومية مسؤولة أمام المجتمع الجامعي إلى موقع إداري موزع بين اجتماعات وملفات متنافسة.
ومن هنا، يصبح السؤال بسيطًا: إذا كانت الجامعة الأهلية مؤسسة مستقلة بهيكلها المالي والإداري، فلماذا لا يكون لها رئيس مستقل ومتفرغ يتحمل وحده مسؤولية قراراتها ونتائجها؟
لجنة جديدة أمام اختبار الشفافية
وفي محاولة لإعادة تنظيم الملف، أصدر وزير التعليم العالي في أواخر سبتمبر 2026 القرار رقم 2217 لسنة 2026 بتشكيل لجنة لاختيار رؤساء الجامعات الأهلية، في خطوة جاءت بالتزامن مع بدء الانتقال نحو تعيين قيادات مستقلة لعدد منها.
وتضم اللجنة أشرف عبد الباسط رئيس جامعة المنصورة السابق مقررًا، وعمرو عدلي رئيس الجامعة المصرية اليابانية السابق أمينًا، إلى جانب رشدي زهران وجمال السعيد ومنصور حسن، وجميعهم سبق أن تولوا مواقع جامعية قيادية.
وبعد أيام فقط، أعلنت أمانة مجلس الجامعات الأهلية فتح باب الترشح لرئاسة 14 جامعة أهلية ضمن المرحلة الأولى، بينها جامعة القاهرة الأهلية، بما يؤكد أن ملف القيادة المستقلة انتقل من مجرد نقاش إلى إجراءات فعلية لإعادة تشكيل هياكل الإدارة.
غير أن تشكيل اللجنة وحده لا يحسم أزمة الحوكمة، لأن الاختبار الحقيقي يبدأ من معايير المفاضلة بين المرشحين، وعلنية الإجراءات، وحدود تدخل الجهات التنفيذية، ومدى تمتع رؤساء الجامعات بعد اختيارهم باستقلال حقيقي في إدارة مؤسساتهم.
كما يبقى ملف الرواتب والمكافآت والمزايا المالية بحاجة إلى وضوح كامل، خصوصًا في حالات الجمع السابقة بين المواقع، حتى يكون معلومًا ما إذا كانت هناك استحقاقات مالية مزدوجة وكيف كانت تحدد ومن كان يراقبها.
وفي النهاية، لا يمكن اختزال أزمة الجامعات الأهلية في اختيار أسماء جديدة لرئاستها، لأن القضية تمتد إلى سؤال أكبر عن مستقبل التعليم العالي نفسه: هل يظل الحق في الجامعة مرتبطًا بالقدرة العلمية أم تتسع مساحة القدرة المالية في تحديد مسار الطالب؟
وبينما تحتفي السلطة بتضاعف أعداد المؤسسات الجامعية منذ 2013، تبقى الأرقام وحدها عاجزة عن الإجابة عن أسئلة العدالة والاستقلال والحوكمة؛ فزيادة عدد الجامعات لا تكفي إذا ظلت الإدارة غامضة، والرقابة ضعيفة، وحدود الفصل بين المال العام والتعليم المدفوع غير واضحة.

