يفتح تأجيل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد لعام كامل بابًا واسعًا لمخاوف المحبوسين احتياطيًا، بعدما كان الأول من أكتوبر 2026 موعدًا منتظرًا لبدء قواعد تخفض مدد الحبس وتوسع بدائله القانونية.

 

وفي الساعات الأخيرة قبل موعد التنفيذ، وافقت اللجنة التشريعية بمجلس نواب الانقلاب على تعديل ينقل بدء العمل بالقانون رقم 174 لسنة 2025 إلى الأول من أكتوبر 2027، مبررة الخطوة بعدم اكتمال المتطلبات التنظيمية والتكنولوجية والبشرية.

 

وفي المقابل، يأتي التأجيل بينما كان محبوسون احتياطيًا ومحامون يترقبون بدء الضوابط الجديدة، وسط مطالب بالإفراج عمن تجاوزوا مددًا طويلة والاستفادة من البدائل القانونية بدل استمرار الاحتجاز لفترات ممتدة.

 

كما لا توجد حصيلة رسمية حديثة موحدة منشورة لعدد جميع المحبوسين احتياطيًا الذين سيتأثرون بالتأجيل، إلا أن تقارير حقوقية وقانونية تتحدث عن أعداد كبيرة وقضايا عديدة تنتظر حسم أثر التشريع الجديد.

 

 

عام ضائع قبل التنفيذ

 

وفي أول تداعيات القرار، يبرز سؤال الجاهزية الحكومية بقوة، بعدما صدر القانون في نوفمبر 2025 وحدد منذ البداية فترة انتقالية تقارب عامًا كاملًا قبل دخوله حيز التطبيق في أكتوبر 2026.

 

وفي هذا السياق، وصف المحامي خالد علي التحرك في اللحظات الأخيرة بأنه دليل على خلل إداري، متسائلًا عن أسباب عدم استكمال البنية المطلوبة رغم معرفة الجهات التنفيذية بموعد التطبيق منذ قرابة عام.

 

كما شدد على أن الحقوق والحريات لا ينبغي أن تخضع لترتيبات اللحظة الأخيرة، معتبرًا أن تأجيل تشريع يتعلق مباشرة بحرية الأشخاص يضع مسؤولية الاستعداد المتأخر على الجهات المكلفة بالتنفيذ.

 

ومن ناحية أخرى، تقول المذكرة المؤيدة للتأجيل إن تطبيق القانون يحتاج إلى استكمال نظم الإعلان الإلكتروني والتقاضي عن بُعد وقواعد البيانات والربط الرقمي، إلى جانب تدريب وتأهيل الكوادر في مختلف المحافظات.

 

لكن هذا التبرير يثير بدوره سؤالًا عن سبب وصول تلك المتطلبات إلى عشية التنفيذ من دون اكتمال، خصوصًا أن الموعد السابق لم يكن مفاجئًا بل نُص عليه صراحة منذ إصدار القانون.

 

وفي المقابل، يؤكد مسؤولو اللجنة التشريعية أن إرجاء التطبيق الكامل لا يعني بالضرورة حرمان المتهمين من كل حكم أصلح لهم، إذ قد تطبق بعض الأحكام ذات الطبيعة الموضوعية قبل موعد النفاذ الجديد.

 

ومع ذلك، تظل كيفية تطبيق هذه القاعدة على كل حالة محل تقدير قانوني وقضائي، وهو ما يبقي مصير عدد من ضمانات الحبس الاحتياطي مرتبطًا بالتفسير والممارسة بدل دخول المنظومة كاملة حيز التنفيذ.

 

 

مدد أقصر تنتظر عامًا

 

وفي جوهر الملف، كان القانون الجديد يخفض الحد الأقصى للحبس الاحتياطي مقارنة بالقواعد السارية، لتصبح المدة أربعة أشهر في الجنح، واثني عشر شهرًا في الجنايات، وثمانية عشر شهرًا للجرائم المعاقب عليها بالمؤبد أو الإعدام.

 

وفي المقابل، تسمح القواعد السارية حاليًا بحدود تصل إلى ستة أشهر في الجنح وثمانية عشر شهرًا في الجنايات وسنتين عندما تكون العقوبة المقررة هي المؤبد أو الإعدام.

 

كما كان القانون الجديد يلزم بعرض أوراق المتهم المحبوس في جناية على النائب العام كل تسعين يومًا لاتخاذ ما يلزم لإنهاء التحقيق، باعتبار المراجعة الدورية إحدى الضمانات المستحدثة.

 

وفوق ذلك، وسع التشريع بدائل الحبس الاحتياطي إلى سبعة تدابير، بينها تقييد الحركة جغرافيًا، وحظر الاتصال بأشخاص محددين، والتتبع التقني، إلى جانب بدائل أخرى تسمح بتقليل اللجوء إلى السجن.

 

وفي هذا الإطار، يرى الخبير القانوني نجاد البرعي أن تقليص المدد يمثل تغيرًا ملموسًا مقارنة بالقانون القائم، إذ ينقل سقف الجنح من ستة إلى أربعة أشهر والجنايات من ثمانية عشر إلى اثني عشر شهرًا.

 

كما يعني ذلك أن تأجيل التطبيق الكامل يترك مساحة من عدم اليقين أمام المحبوسين الذين كانوا ينتظرون قواعد أكثر تقييدًا لاستمرار الحبس، إلى حين تحديد الأحكام التي يمكن اعتبارها أصلح للمتهم وتطبيقها فورًا.

 

وفي الوقت نفسه، رصدت جهة حقوقية حالة توتر داخل جلسات محكمة جنايات بدر خلال الأيام السابقة، وربطتها بترقب متهمين لتطبيق القانون الجديد وما قد يترتب عليه بشأن الحدود القصوى لحبسهم.

 

ومن ثم، لا تبدو المسألة بالنسبة إلى هؤلاء مجرد تغيير في تاريخ قانون، بل تتصل مباشرة بأيام وشهور يقضيها أشخاص خلف القضبان من دون صدور أحكام نهائية في قضاياهم.

 

 

الحبس الاحتياطي ليس عقوبة

 

وفي الجانب الحقوقي، تؤكد قاعدة أساسية تكررها المؤسسات الحقوقية أن الحبس الاحتياطي إجراء استثنائي لحماية التحقيق أو المحاكمة، وليس عقوبة توقع على المتهم قبل ثبوت إدانته بحكم قضائي نهائي.

 

وفي هذا السياق، يحذر حقوقيون من تحول الاستثناء إلى واقع ممتد، خصوصًا عندما تستمر قرارات التجديد لفترات طويلة بينما تظل الحرية هي الأصل والمتهم متمتعًا بقرينة البراءة حتى صدور حكم نهائي.

 

كما سبق لمنظمات حقوقية دولية أن اعتبرت أن تقليص مدد الحبس في القانون الجديد خطوة لا تعالج وحدها جميع المشكلات، مشيرة إلى ضرورة المراجعة القضائية الفعلية ومنع ممارسات إطالة الاحتجاز عبر قضايا متعاقبة.

 

وفي المقابل، يزيد التأجيل الحالي المخاوف من استمرار العمل بالإطار الأقدم لمدة إضافية، رغم أن القانون الجديد كان يحمل مددًا أقصر ومجموعة أوسع من البدائل والضمانات المتعلقة بمراجعة قرارات الحبس.

 

ومع ذلك، يشدد الاتجاه الرسمي داخل اللجنة التشريعية على أن التأجيل جاء لضمان جاهزية التطبيق وحماية الحقوق، وأن النصوص الموضوعية الأصلح للمتهم يمكن إعمالها حتى قبل سريان القانون بأكمله.

 

لكن قانونيًا، يظل هذا المسار بحاجة إلى تطبيق واضح ومستقر أمام المحاكم والنيابات، حتى لا تتحول مسألة استفادة المحبوس من النص الأصلح إلى اجتهاد متفاوت بين قضية وأخرى.

 

وفي الأثناء، دعا محبوسون احتياطيًا خلال الأيام الماضية إلى الإفراج عمن تجاوزوا المدد القانونية واستبدال الحبس بتدابير أخرى، محذرين من ضياع سنوات من أعمارهم أثناء انتظار الحسم القضائي.

 

كما تعيد هذه المطالب السؤال إلى نقطة البداية: هل تكون سنة التأجيل فترة لتجهيز المحاكم فقط، أم يصاحبها مسار واضح لمراجعة أوضاع المحبوسين وتطبيق الأحكام الأكثر حماية للحرية فورًا؟

 

وأخيرًا، فإن الانتقال من أكتوبر 2026 إلى أكتوبر 2027 لا يمثل تعديلًا زمنيًا بسيطًا بالنسبة لمن يقضي أيامه محبوسًا احتياطيًا، بل يجعل طريقة تطبيق الضمانات المستحدثة خلال السنة المقبلة القضية الأكثر إلحاحًا.