معن البياري

رئيس تحرير "العربي الجديد"، كاتب وصحافي من الأردن

 

لا يُنسى إعلان صنعاء للمصالحة بين حركتي فتح وحماس، في مارس 2008، برعاية الرئيس، المقتول لاحقًا، علي عبد الله صالح. غير أن الذاكرة، وهي ليست حديديّة لدى كاتب هذه المقالة، لا تُسعف باستدعاء ما جاء فيه، باستثناء أن الحركتين تعهّدتا بمواصلة مباحثاتٍ مباشرةٍ بينهما. وكانت دول عربية وغير عربية غداة اشتعال الانقسام العتيد، الجغرافي والسياسي، الذي أحدثته "حماس" و"فتح" في الحال الفلسطيني، في 2007، قد تبارت في استضافات جولات محادثات مصالحة بينهما، بدافع المشاركة في موسمٍ كان في ذلك الحين جذّابًا، فلا تستأثر الدوحة والقاهرة باستضافات المتخاصمين في جولاتٍ حوار مملةٍ بلا عدد، وفي البال أن ثمّة اتفاقيتان تحملان اسمي العاصمتين، بعد اتفاقية مكّة التي سارعت العربية السعودية فيها إلى محاولة وقف الاحتراب المسلح والأهلي في غزّة. ولا يُغفل هنا عن محادثاتٍ فتحاويةٍ حمساويةٍ أخرى انتهت إلى بياناتٍ وإعلاناتٍ وتفاهماتٍ في الجزائر ودمشق وإسطنبول وبيروت وبكين، وأعلنت ماليزيا استعدادها لاستضافة الحركتين، ليكون لها سهمٌ في إنجاز مصالحة لمّا تنجز بعد.

 

يؤتى هنا على هذا الأرشيف الموجز، وكل إيجازٍ مخلٍّ طبعًا، بمناسبة ما فاجأ به سامعيه ومشاهديه رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خليل الحية، في مقابلة تلفزيون العربي معه، أول من أمس، أن الحركة عرضت وساطتها بين "المتنازعين" في اليمن، وتأمل أن تلقى قبولًا، من باب وفائها لأمتها. ... وتُغبط الحركة المجاهدة على هذه السّعة في مشاغلها وهي على حالها الذي نعرف بعد استنزافها الشديد في حرب الإبادة، وبعد خساراتها السياسية المشهودة، وهي تعلن جاهزيّتها لأي ترتيباتٍ يفرضها المجلس الوصيّ على قطاع غزّة، وسمّاه صاحبه ترامب مجلس سلام. وعندما يعلن الحية، وهو قائد زاهد حماه الله، دعوته الرئيس محمود عبّاس للقاء بينهما، وهذا محمودٌ، فيُقرأ هذا واحدةً من انعطافاتٍ تتقهقر إليها حركة المقاومة الإسلامية، فليس خافيًا أن اللقاء مع عبّاس (وحسين الشيخ وماجد فرج) كان بمثابة الممنوع لديها، سيّما في الشهور الأولى للإبادة. ويتفهم واحدُنا ذلك الغضب من الرجل الذي فاق بؤس أدائه في الأثناء كل تصوّر، وقد تفوّه على الحركة وجمهورها بما لا يليق وهي في المذبحة.

 

ينتسب قول القائد الفلسطيني عن وساطةٍ في اليمن إلى ما يمكن اعتباره خيالًا سياسيًا، وهذا لونٌ من الخيال مطلوبٌ في محكّاتٍ على شيء من الحساسية والخصوصية، ويلزم لمن يبادر إليه أن يتصف بالشجاعة والجرأة معًا، ولكن الأهم في الموضوع أن ذوي الشأن المعني وأطرافه، في نزاعٍ أو تأزّم، هم من يبادرون إليه. ولذلك يجوز، بل يلزم ربما، أن تُطالب قيادات جماعة أنصار الله (الحوثيين) وأهل الحكومة اليمنية الشرعية في الرياض بشيءٍ من الخيال السياسي، يقفز بالاستعصاء الثقيل في الاحتراب اليمني إلى مجرىً توافقي وسلمي. وهنا ليس لدى "حماس"، بطبيعة الحال القائم، صلاحياتٌ تسلّحها باستكشاف شيءٍ من هذا الخيال المتحدّث عنه، ليس فقط لأنها ليست طرفًا يمنيًا، وإنما أيضا لأن الاستعصاء اليمني الحادث منذ أزيد من عقد لا تقدر الحركة على ابتكار منافذ منه إلى حلولٍ ممكنة، وإن خُيّل لقادةٍ فيها أن في وسعها أن تؤدّي دورًا ما، ينهض على نيّاتٍ طيبة، لا على قياس الممكن والمستطاع، وعلى موازنةٍ بين القائم والمأمول.

 

عندما كنّا نكتب، قبل سنوات، إن على محمود عبّاس أن يفعلها ويذهب إلى غزّة، لملاقاة الجميع هناك، وليطرح أفقًا مبتكرًا ينبني على شراكة سياسية وكفاحية حقيقية من أجل إحياء مشروع وطني غائب، وعندما كنّا نكتب إن على "حماس" أن تغادر ازدواجية المقاومة والسلطة في القطاع، وهي التي كانت منازعتُها على مواقع في الحكم من شرارات الانقسام المعلوم، وليس أنها مقاومة والطرف المقابل مساومة، ... عندما كنّا نكتب هذا وذاك، كنّا نشتهي خيالًا سياسًا مفارقًا للمألوف من الأداء السياسي، والكلامي المُضجر، ومغايرًا لرهاناتٍ على أداء مقاوم، بطوليٍّ لا شك، لا روافع سياسية واجتماعية عامة له، ولا حسبة لفاعليّته ونواتجه. كنّا وما زلنا نشتهي خيالًا سياسيًا يفاجئنا به أهل القرار في "حماس" و"فتح" في موضوعة فلسطين، غير أن الحية فاجأنا بأنه ينشدُه في اليمن.