رسم الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم صورة جامعة للحياة الآمنة المطمئنة التي أعدها لعباده في الجنة، فجاء وصف النعيم في سورة طه جامعًا لأصول الكفاية التي يحتاج إليها الإنسان، حين قال تعالى مخاطبًا آدم عليه السلام: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى ۝ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: 118-119]. ففي كلمات قليلة اجتمعت حاجات الطعام والكساء والشراب والمأوى، ونُفيت أسباب الألم التي تصيب الإنسان في باطنه وظاهره.

 

وتحمل الآيتان إلى جانب وصف نعيم الجنة درسًا إيمانيًا وتربويًا بالغ العمق، إذ تذكران الإنسان بأن كثيرًا من شقائه يبدأ عندما تتجاوز مطالبه حدود الكفاية إلى صراع لا ينتهي وراء الجاه والسلطان والتملك. ومن هنا وقف المفسرون والبلاغيون أمام ترتيب ألفاظ الآيتين، فرأوا فيه صورة من صور الإعجاز، تجمع بين نفي جوع الباطن وعري الظاهر، وبين حرارة الظمأ في الداخل وحرارة الضحى في الخارج، حتى يكتمل معنى الأمن والنعيم ظاهرًا وباطنًا.

 

 

أربعة أركان لكفاية الإنسان

 

بيّن الله سبحانه وتعالى في هاتين الآيتين أن آدم عليه السلام كان في الجنة محاطًا بأسباب الحياة الهانئة، فلا يجوع ولا يعرى، ولا يظمأ ولا يتعرض لحر الشمس، وهي معانٍ تجمع أصول ما يحتاج إليه الإنسان من طعام وكسوة وشراب ومسكن.

 

قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى ۝ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: 118-119].

 

فالمعنى أن الله ضمن لآدم في الجنة كفايته كاملة، فيجد الطعام الذي يأكله، واللباس الذي يستر بدنه، والماء الذي يروي عطشه، والمكان الذي يؤويه ويحميه من الحر والعناء.

 

وقد رأى أهل التفسير أن هذه الحاجات تمثل قوام حياة الإنسان، فإذا تحققت له الكفاية منها فقد حصل على أساس الاستقرار والطمأنينة، أما التوسع المستمر في المطامع فقد يتحول إلى باب من أبواب الصراع والتعب.

 

وفي هذا المعنى نُقل عن علي رضي الله عنه قوله: «مصارع الرجال تحت بروق المطامع»، في إشارة إلى ما قد تفعله المطامع بالإنسان إذا خرجت به من طلب الكفاية إلى التنافس الذي لا يقف عند حد.

 

 

لماذا جاء النعيم بصيغة النفي؟

 

لفت المفسرون إلى أن القرآن لم يقل في هذا الموضع إن لآدم الطعام والشراب والثياب والمأوى بصيغة الإثبات المباشر، وإنما عبّر عن النعيم بنفي أضداده، فقال: ﴿أَلَّا تَجُوعَ﴾ و﴿لَا تَعْرَى﴾ و﴿لَا تَظْمَأُ﴾ و﴿لَا تَضْحَى﴾.

 

وقال البيضاوي في تفسير هذه الآيات إن هذا بيان وتذكير بما لآدم في الجنة من أسباب الكفاية وأقطاب الكفاف، وهي الشبع والري والكسوة والسكن، فجاء التعبير بذكر نقائض هذه النعم حتى يتضح ما يترتب على الخروج من الجنة من تعب وشقاء.

 

وهنا تتجلى قوة الخطاب القرآني؛ لأن الإنسان قد يدرك قيمة النعمة بصورة أشد حين يُذكَّر بضدها. فالجائع يعرف قيمة الطعام، والعاري يعرف قيمة اللباس، والظمآن يعرف نعمة الماء، ومن تقلب تحت حر الشمس يعرف قيمة المأوى والظل.

 

كما ارتبط هذا الوصف بتحذير آدم عليه السلام من الشيطان الذي يريد إخراجه من موطن النعيم إلى حياة الكدح والشقاء، ولذلك قال الله تعالى قبلها: ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: 117].

 

فالشقاء الذي حُذر منه آدم يتضح بعد ذلك مباشرة بذكر ما كان مأمونًا منه في الجنة؛ فلا جوع، ولا عري، ولا ظمأ، ولا تعرض لحر الشمس.

 

 

الجوع والعري.. باطن وظاهر

 

من أبدع ما توقف عنده علماء البلاغة في الآيتين أن القرآن جمع بين الجوع والعري، مع أن المتوقع في الاستعمال العادي أن يُجمع الجوع مع الظمأ، وأن يُجمع العري مع التعرض للشمس والحر.

 

لكن التأمل يكشف مناسبة أعمق من مجرد الجمع بين الطعام والشراب.

 

فالجوع ألم يقع في باطن الإنسان، والعري ألم وذل يظهر على ظاهره، ولذلك جمع القرآن بينهما ليكتمل نفي الألم عن الباطن والظاهر معًا.

 

وقد قيل في بيان ذلك إن الجوع «عري الباطن»، بينما العري «جوع الظاهر»، فجمع الله بينهما في بناء لغوي بالغ الدقة، لينفي عن الإنسان حاجته وألمه في الداخل والخارج.

 

وهذه الدلالة توسع معنى النعمة؛ فالإنسان لا يحتاج إلى الطعام وحده، ولا إلى اللباس وحده، وإنما يحتاج إلى الشعور بالكفاية والسلامة في أعماقه كما يحتاج إلى الستر والحماية في ظاهره.

 

وبذلك لا يكون وصف الجنة مجرد تعداد لنعم مادية منفصلة، بل تصويرًا متكاملًا لحالة الإنسان حين تنتفي عنه أسباب الحاجة والذل والألم.

 

 

الظمأ والضحى.. حرارة الداخل والخارج

 

ويأتي الوجه الثاني من المقابلة القرآنية في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾، فالظمأ يسبب حرارة وألمًا في باطن الإنسان، بينما التعرض للضحى وحر الشمس يصيب ظاهره.

 

وقال ابن القيم في تأمله لهذه الآية: «تأمل كيف قابل الجوع بالعري، والظمأ بالضحى»، ثم بيّن أن من يقف مع ظاهر الألفاظ قد يتوقع مقابلة الجوع بالظمأ، والعري بالضحى، لكن من ينظر إلى عمق المعنى يرى الكلام في أعلى درجات الفصاحة.

 

فالجوع ألم في الباطن، والعري ألم في الظاهر، ولهذا جمعا معًا. وكذلك الظمأ يورث حرارة الباطن، والضحى يورث حرارة الظاهر، فاجتمعا في مقابلة واحدة.

 

ومن هنا قال أهل البلاغة إن الجوع خلو الباطن من الغذاء، والتعري خلو الظاهر من الثياب، والظمأ احتراق الباطن بالحرارة، والضحى تعرض الظاهر لحرارة الشمس.

 

وبهذا الترتيب البديع أحاطت الآيتان بألوان الحاجة والألم إحاطة كاملة؛ خلو في الداخل يقابله خلو في الخارج، وحرارة في الداخل تقابلها حرارة في الخارج.

 

إنها صورة قرآنية لا تكتفي بأن تقول للإنسان إن في الجنة طعامًا وشرابًا ولباسًا ومسكنًا، وإنما تنقله إلى معنى أعمق: لن تعاني هناك ألمًا في باطنك ولا في ظاهرك، ولن يطاردك خوف الحاجة، ولن تنشغل بالسعي وراء الضروريات.

 

 

من نعيم الجنة إلى رضا الدنيا

 

تحمل الآيات كذلك موعظة للإنسان في حياته الدنيا، فمع أن نعيم الجنة كامل لا يشبه نعيم الدنيا، فإن القرآن يوقظ في القلب قيمة الكفاية والرضا، ويعلم الإنسان ألا يجعل حياته كلها مطاردة لا تنتهي وراء المزيد.

 

فالطعام والشراب والكساء والمأوى من أعظم نعم الله على عباده، وإذا أنعم الله بها على الإنسان كان جديرًا به أن يعرف قدرها، وأن يحمد ربه عليها، وألا يحتقر ما بين يديه بسبب النظر الدائم إلى ما في أيدي الآخرين.

 

ولا يعني ذلك ترك السعي أو العمل أو طلب الرزق، وإنما يعني ألا يتحول السعي إلى عبودية للمطامع، ولا يتحول طلب الزيادة إلى مصدر دائم للقلق والحسد والتنازع.

 

فالإنسان قد يملك الكثير ثم يعيش فقير القلب بسبب عدم الرضا، وقد يعيش آخر في كفاية فيشعر بغنى النفس والطمأنينة، ومن هنا يصبح الرضا بابًا من أبواب السكينة التي يهبها الله لعباده.

 

وتتجلى في قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى ۝ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ حقيقة عظيمة، وهي أن نعيم الجنة ليس مجرد كثرة في الأشياء، وإنما هو قبل ذلك زوال كامل لأسباب الشقاء والحاجة.

 

فلا جوع يوجع الباطن، ولا عري يؤلم الظاهر، ولا ظمأ يحرق الداخل، ولا شمس تؤذي الجسد، بل أمن كامل وكفاية تامة وراحة لا يعقبها تعب.

 

ومن تدبر هذا البيان القرآني عرف شيئًا من عظمة ما أعده الله لعباده، وأدرك في الوقت نفسه أن الرضا والكفاية من أعظم أسباب طمأنينة القلب، وأن الله سبحانه حين وصف الجنة وصفها بمكان لا يطارد الإنسان فيه خوف الحاجة ولا ألم النقص، وإنما يعيش في نعيم كامل لا ينقطع ولا يزول.

 

......................................

المصادر والمراجع:

1. الطبري، محمد بن جرير. تفسير الطبري "جامع البيان في تأويل القرآن".

2. المغراوي، محمد بن عبدالرحمن. التدبر والبيان في تفسير القرآن بصحيح السنن.

3. ابن عاشور، محمد الطاهر. تفسير التحرير والتنوير "تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد"، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984م.

4. الشنقيطي، محمد الأمين. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1415هـ، 1995م.

5. السعدي، عبدالرحمن بن ناصر. تفسير السعدي "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان".

6. ابن قيم الجوزية. مفتاح دار السعادة، تحقيق: عبد الرحمن بن حسن بن قائد، مجمع الفقه الإسلامي، جدة، السعودية، ط1، 1997م.

7. سيد قطب. في ظلال القرآن.

8. الصلابي، علي محمد. إبراهيم خليل الله، دار ابن كثير.