يضع تقرير الأمم المتحدة عن الحق في مياه الشرب والصرف الصحي إدارة الموارد المائية في مصر أمام اختبار حقوقي مباشر، بعدما ربط بين تفاوت التوزيع، وتوسع المدن الجديدة، وتدهور دلتا النيل تحت ضغط الملوحة والتلوث.
ويعيد عرض بيدرو أروخو أغودو أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف يوم 14 سبتمبر 2026 ملف المياه إلى قلب النقاش العام، بعد زيارة ميدانية في فبراير شملت خمس محافظات ولقاءات رسمية ومجتمعية وأكاديمية.
مدن جديدة وحصة مائية أكبر
وفي صلب التقرير، تظهر فجوة حادة بين ما تخصصه المعايير التخطيطية للقرى وما تسمح به للمدن الجديدة والمناطق السياحية، إذ تتدرج الحصص التصميمية من 100 إلى 400 لتر للفرد يوميًا وفق نوع المنطقة.
وبحسب التقرير، تستحوذ المدن الجديدة على 23% من مياه الشرب رغم احتضانها نحو 8% من السكان، بينما تقول الحكومة إن النسبة الفعلية 11.5% وإن الرقم الأعلى يعتمد على بيانات قديمة لا تعكس التوسعات الأخيرة.
وفوق ذلك، يورد المقرر أن نصيب الفرد في نيو جيزة يبلغ نحو ضعفين ونصف نصيب ميت رهينة، حيث تظل قرابة 20% من الأسر بلا اتصال بالشبكة، في صورة يعتبرها دالة على اختلال الأولويات.
ومن زاوية أكاديمية، توضح الباحثة في السياسات العامة نورة وهبي، صاحبة أطروحة دكتوراه عن حوكمة المياه الحضرية بالقاهرة، أن الأحياء المهمشة تعتمد على جهود مجتمعية للإصلاح، بينما تستند المجتمعات المغلقة إلى حوكمة خاصة وشبكات امتياز.
وفي هذا السياق، تمنح دراسة وهبي وزنًا إضافيًا للسؤال الذي يطرحه التقرير: هل تتحول ندرة المياه إلى ندرة موزعة اجتماعيًا، حين تتوافر المساحات الخضراء والنوافير والمسابح في مناطق، بينما تتعثر أسر أخرى عند باب الشبكة العامة؟
وفي المقابل، تؤكد الحكومة أن تغطية مياه الشرب بلغت قرابة 99% وأن خدمات الصرف الصحي وصلت إلى نحو 70%، وتقول إن الاستثمار في المجتمعات الجديدة لا ينتقص من إمدادات المدن والقرى القائمة.
لكن التقرير يفرق بين وجود الشبكة والتمتع الفعلي بخدمة مأمونة ومستمرة وميسورة، مستندًا إلى بيانات تفيد بأن 7.3 ملايين شخص كانوا بلا مياه داخل منازلهم عام 2018، معظمهم في الريف.
ومن جهة أخرى، يحدد المقرر حدًا أدنى قدره 50 لترًا يوميًا للفرد، ويحسب أن توفيره لكل السكان يحتاج إلى أكثر قليلًا من 2% من المياه العذبة المتجددة، داعيًا إلى أولوية الاستخدام المنزلي.
وفي ردها، تقول الحكومة إن هذا الحساب لا يمثل الاستهلاك الفعلي، وإن مياه الشرب والاستخدامات المنزلية والصناعية تستهلك بين 17 و18 مليار متر مكعب سنويًا، بما يعادل تقريبًا 20% إلى 22% من المياه المتاحة.
الصحراء تضغط على دلتا النيل
وفي القسم البيئي، ينتقل التقرير من عدالة التوزيع إلى سلامة دلتا النيل، حيث يقول إن تداخل مياه البحر في الخزان الجوفي بلغ حتى 100 كيلومتر داخل اليابسة بفعل ارتفاع البحر وضخ المياه وتحويل التدفقات.
وبحسب التحليلات التي استند إليها، أظهرت 64% من عينات التربة و87.5% من عينات مياه الري مستويات ملوحة مرتفعة، ولا سيما الصوديوم، بما يرتبط بتراجع خصوبة الأرض وإنتاجية المحاصيل في مناطق الدلتا.
وفوق ذلك، يربط التقرير تفاقم الملوحة بتحويل جزء من المياه العذبة ومياه المصارف بعيدًا عن الدلتا إلى مشروعات الري الصحراوي، معتبرًا أن تقليص التدفقات الواقية يفتح المجال أكثر لتقدم الملوحة من البحر.
وعند حساب المشروعات الكبرى، يقدر التقرير أن توشكى والدلتا الجديدة وتنمية شمال سيناء تتجاوز معًا 1.3 مليون هكتار، وتتطلب قرابة 13 مليار متر مكعب سنويًا، مع خسائر مرتفعة بسبب التبخر وغسل الأملاح.
ومن الناحية العلمية، يرى عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، أن استصلاح الصحراء شديد الكلفة بسبب حفر الآبار وتجهيزها، وأن بعض المياه الجوفية قد تتجه إلى الملوحة بعد سنوات من الاستغلال.
كما يذهب شراقي إلى أن زراعة محاصيل منخفضة القيمة اقتصاديًا في أراضٍ صحراوية مرتفعة التكلفة قد تضعف الجدوى، داعيًا إلى توجيه هذه البيئات نحو محاصيل أعلى قيمة تستطيع تحمل أعباء المياه والطاقة والبنية الأساسية.
وفي المقابل، تقول الحكومة إن التوسع الصحراوي جزء من استراتيجية الأمن الغذائي وتخفيف الضغط السكاني على الوادي والدلتا، وإن المشروعات تعتمد أساسًا على مياه الصرف الزراعي المعالجة وموارد غير تقليدية، لا على مياه الشرب.
غير أن التقرير يركز على أثر سحب مياه النيل وتحويل مياه المصارف ذاتها من الدلتا، لا على مياه الشرب وحدها، ويعتبر أن التراكم بين المشروعات قد يسرع تملح الخزان الجوفي ويضغط على الزراعة القديمة.
وبالتوازي، يذكّر المقرر بأن الدلتا ليست مجرد مساحة زراعية قابلة للاستبدال، بل نظام بيئي شديد الحساسية لتوازن المياه والرواسب والملوحة، ويطالب بتعزيز التدفقات التي تحد من تغلغل البحر وحماية الأراضي الأعلى إنتاجية.
وفي الخلاصة البيئية، يصف التقرير القرارات الحالية بأنها حاسمة للأجيال المقبلة، ويربط استمرار التلوث والتملح وتراجع خصوبة الأراضي بمخاطر متزايدة على مياه الشرب والغذاء، بينما تتمسك الحكومة بأن مشروعاتها ضرورة تنموية وأمنية غذائية.
بيانات محجوبة وقانون يضيّق النقاش
وفي ملف الشفافية، يسجل التقرير أن الجهات الحكومية أبلغت المقرر بتحليل نحو 13 مليون عينة مياه سنويًا للتأكد من مطابقتها للمعايير، لكنها قالت إن النتائج لا تنشر لأسباب تتعلق بالأمن القومي وتعقيد البيانات على الجمهور.
وبحسب المقرر، فإن حجب نتائج جودة المياه يضعف المساءلة والمشاركة العامة ويزيد انعدام الثقة، ويرى أن البيانات الصحية والفنية يمكن تبسيطها ونشرها بدل الاحتفاظ بها داخل المؤسسات، خصوصًا حين تتصل مباشرة بصحة السكان.
وفوق ذلك، تنص المادة 73 من قانون تنظيم مرفق مياه الشرب والصرف الصحي رقم 172 لسنة 2025 على غرامة بين 50 ألفًا و500 ألف جنيه لترويج معلومات غير صحيحة عن جودة المياه بقصد تكدير السلم الاجتماعي.
ومع أن النص لا يجرّم الشكوى بذاتها، يرى المقرر أن اتساع هذه العقوبة قد يثبط النقاش العام وتقديم الشكاوى والرقابة المستقلة والبحث العلمي، وهي آثار يعتبرها مناقضة لشفافية لازمة في ملف يمس الصحة العامة.
ومن زاوية قانونية، كتب الباحث القانوني محمد بصل أن القانون ترك قواعد جوهرية في تسعير الخدمة للجهاز والسلطة التنفيذية، ورأى أن حماية المستهلك تحتاج معايير تشريعية أوضح وحدودًا تمنع القفزات المفاجئة في التعريفة.
وفي المسار نفسه، يبدي التقرير قلقًا من توسع دور الشركات الخاصة في الاستثمار والإدارة، خشية أن ينعكس ذلك على القدرة على تحمل التكلفة والإنصاف، مطالبًا بمشاركة المستخدمين والسلطات المحلية في صنع القرارات التنظيمية.
وفي المقابل، ترفض الحكومة وصف ترتيبات الشراكة بأنها خصخصة، وتقول إن دور الشركات يقتصر على التصميم والإنشاء والتشغيل والصيانة، بينما تظل التعريفة والفوترة بيد الجهات العامة وتغطي الموازنة الفارق بين التكلفة والسعر المعتمد.
ومع هذا الخلاف، يبقى مطلب نشر بيانات الجودة نقطة مركزية في توصيات المقرر، الذي دعا إلى إتاحة النتائج بصورة مفصلة وقابلة للتحقق، وربطها بالمناطق ومستويات الخدمة حتى يستطيع السكان والباحثون تقييم المخاطر فعليًا.
وفي توصياته النهائية، دعا المقرر إلى إعطاء المجتمعات الفقيرة وغير المخدومة أولوية في توصيل المياه والصرف، ونشر بيانات الوصول والجودة، ومراجعة القواعد التي قد تقيد النقاش العام، وتعزيز حماية الدلتا من الملوحة والتلوث.
وبذلك يضع التقرير أمام الدولة معادلة لا تختصرها زيادة الإنتاج أو مد الشبكات وحدهما: من يحصل على الماء، وبأي جودة وكلفة، وما الذي تدفعه الدلتا مقابل التوسع الصحراوي، ومن يملك حق الاطلاع على البيانات والمساءلة.

