أعلنت السلطات البريطانية حالة طوارئ في قرية وِيلفورد القريبة من قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني فيرفورد، التي تستضيف قوات وطائرات تابعة لسلاح الجو الأمريكي، بالتزامن مع إجلاء سكان عدد من المنازل وفرض طوق أمني حول المنطقة، عقب اعتقال عدة أشخاص للاشتباه في ارتكاب مخالفات مرتبطة بقانون المتفجرات.
وتعاملت الأجهزة الأمنية مع الواقعة باعتبارها "حادثًا كبيرًا"، فيما كُلفت شرطة مكافحة الإرهاب البريطانية بالمشاركة في التحقيقات الجارية، بينما انتقلت فرق متخصصة من الجيش البريطاني إلى المنطقة لفحص عدد من المركبات والتأكد من عدم وجود مواد أو أجسام خطرة يمكن أن تهدد السكان أو أفراد الأجهزة الأمنية.
وجاءت الإجراءات الأمنية المشددة في محيط القاعدة وسط حالة من الترقب، خاصة أن فيرفورد تعد واحدة من المنشآت العسكرية البريطانية المهمة التي تستخدمها القوات الجوية الأمريكية، كما ارتبط اسمها خلال الأشهر الماضية بوجود قاذفات أمريكية في إطار العمليات التي تنفذها واشنطن من قواعد بريطانية.
إخلاء منازل وفرض طوق أمني
وقالت شرطة غلوسترشاير إن عددًا من العقارات في منطقة وِيلفورد يجري إخلاؤها بعد إعلان حالة "حادث كبير"، موضحة أن هذه الإجراءات جاءت عقب اعتقال عدة رجال للاشتباه في ارتكاب مخالفات بموجب قانون المتفجرات.
وأضافت الشرطة أنها تعمل بالتنسيق مع الجهات المعنية، وأنها تطبق خطط الطوارئ الموضوعة مسبقًا والتي خضعت لتدريبات مكثفة، في محاولة للسيطرة على الموقف وتقليل أي مخاطر محتملة على السكان.
ونُقل الأشخاص الذين جرى إجلاؤهم من منازلهم إلى مركز ترفيهي قريب، في الوقت الذي استمرت فيه الأجهزة الأمنية في تأمين المنطقة المحيطة بموقع الحادث، ومنع الاقتراب من الأماكن التي تخضع للفحص.
وتولى فريق متخصص من الجيش البريطاني في التعامل مع الذخائر والمتفجرات مهمة فحص عدد من المركبات الموجودة في المنطقة، وهي خطوة تعكس طبيعة المخاوف الأمنية المرتبطة بالواقعة، من دون أن تعلن السلطات حتى الآن عن وجود متفجرات أو مواد خطرة بصورة مؤكدة.
اعتقال عدة مشتبه بهم
وأعلنت السلطات البريطانية اعتقال عدد من الرجال على خلفية الاشتباه في ارتكاب مخالفات بموجب قانون المتفجرات، بينما لم تكشف الشرطة عن هوياتهم أو تقدم تفاصيل كاملة بشأن طبيعة الأفعال التي يشتبه في ارتكابها.
وتتولى شرطة مكافحة الإرهاب التحقيق في الواقعة، في ظل تصنيفها باعتبارها حادثًا كبيرًا، بينما تعمل أجهزة الطوارئ والأمن والجيش بصورة مشتركة للتعامل مع تداعياتها.
وأكدت السلطات أن التحقيق لا يزال في مراحله الجارية، وهو ما دفع المسؤولين إلى تجنب الكشف عن تفاصيل إضافية يمكن أن تؤثر على سير التحقيقات أو العمليات الأمنية في المنطقة.
وقال متحدث باسم الحكومة البريطانية إن رئيس الوزراء آندي بيرنهام يتم إطلاعه على آخر المستجدات المرتبطة بالحادث، معربًا عن تقديره لفرق الطوارئ التي تحركت بسرعة من أجل توقيف عدد من المشتبه بهم واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المجتمع.
وأشار المتحدث إلى أن الإدلاء بمزيد من التعليقات في الوقت الحالي لن يكون مناسبًا، بسبب استمرار التحقيقات.
وزيرة الداخلية: الوضع تحت السيطرة
من جانبها، قالت وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود إن فرق الطوارئ المشاركة في التعامل مع الواقعة تعتقد أن الوضع أصبح "تحت السيطرة".
ويأتي هذا التصريح في وقت تواصل فيه الأجهزة الأمنية عمليات الفحص والتأمين، بينما لا تزال المنطقة المحيطة بموقع الحادث تخضع لإجراءات احترازية تشمل إجلاء السكان وإقامة نطاق أمني.
وتحاول السلطات، من خلال هذه الإجراءات، التأكد من عدم وجود أي تهديد متبقٍ يمكن أن يعرض المدنيين أو أفراد الشرطة والجيش للخطر، خصوصًا مع مشاركة فريق متخصص في التعامل مع الذخائر والمتفجرات.
قاعدة فيرفورد وأهميتها العسكرية
تكتسب قاعدة فيرفورد أهمية خاصة بسبب استخدامها من جانب القوات الجوية الأمريكية، إذ تستضيف بصورة دورية طائرات عسكرية أمريكية، بينها قاذفات بعيدة المدى، وتعد من المنشآت المرتبطة بالتعاون العسكري بين لندن وواشنطن.
وخلال الفترة الأخيرة، أصبحت القاعدة أكثر ارتباطًا بالعمليات العسكرية الأمريكية في ظل التطورات المتصلة بالحرب مع إيران، إذ بدأت الولايات المتحدة في استخدام قواعد بريطانية لتنفيذ ما وصفته بأنه عمليات دفاعية محددة.
وفي مارس من العام الحالي، وبعد منح رئيس الوزراء البريطاني آنذاك السير كير ستارمر الإذن بشن تحرك أمريكي وصف بأنه "دفاعي" ضد مواقع صواريخ إيرانية انطلاقًا من قواعد بريطانية، هبطت أربع قاذفات أمريكية في قاعدة فيرفورد التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني.
ومنذ ذلك الوقت، ارتبطت القاعدة بوجود عسكري أمريكي مكثف نسبيًا، الأمر الذي جعل أي حادث أمني في محيطها يحظى باهتمام واسع، خاصة عندما يتعلق بمواد متفجرة أو تحركات تستدعي تدخل وحدات عسكرية متخصصة.
القوات الأمريكية ترفع مستوى اليقظة
وفي أعقاب الحادث، أكد متحدث باسم القوات الجوية الأمريكية أن أفرادها المتمركزين في قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني فيرفورد "يتحلون باليقظة المستمرة".
وأوضح المتحدث أن القوات الأمريكية لا تستطيع الكشف عن إجراءات الحماية المحددة التي تتبعها داخل القاعدة، مشيرًا إلى أن ذلك يرتبط باعتبارات الأمن العملياتي.
وأضاف أن "جناح الدعم القتالي 501" والأجنحة الأمريكية الأخرى المتمركزة في المملكة المتحدة تواصل اتخاذ الإجراءات المناسبة لضمان سلامة وأمن أفراد الخدمة الأمريكيين والمدنيين والمتعاقدين وعائلاتهم.
حادث يثير مخاوف أمنية أوسع
ويرى مراسل بي بي سي للشؤون الأمنية فرانك غاردنر أن الصورة الكاملة لما حدث في قاعدة فيرفورد لن تتضح قبل صدور معلومات رسمية أكثر تفصيلًا من الشرطة، لكنه أشار إلى أن توقيت الواقعة وسياقها الأمني الأوسع يثيران تساؤلات بشأن طبيعة التهديدات التي تواجه منشآت عسكرية وحساسة في أوروبا.
وتأتي الواقعة في ظل حديث متزايد في دول أوروبية عن حوادث توصف ضمن إطار "الحرب الهجينة"، وهي أنشطة تشمل مجموعة واسعة من الأساليب غير التقليدية، من بينها الهجمات السيبرانية وأعمال التخريب والحرائق المتعمدة واستخدام الطائرات المسيّرة بالقرب من منشآت حساسة.
وفي السنوات الأخيرة، شهدت عدة دول أوروبية تحقيقات في وقائع أمنية استهدفت أو اقتربت من منشآت استراتيجية، وسط اتهامات توجهها بعض الحكومات الغربية إلى جهات مرتبطة بروسيا بالوقوف وراء عدد من هذه الأنشطة.
ومن بين الوقائع التي أُشير إليها اكتشاف طائرات مسيرة مفخخة في مطار لايبزيغ-هاله بألمانيا، وهو مطار يستخدم أيضًا مركزًا لوجستيًا لنقل الإمدادات، بما في ذلك شحنات مرتبطة بدعم أوكرانيا.
بريطانيا ضمن دائرة التوتر الأوروبي
وتنظر موسكو إلى الدعم العسكري الذي تقدمه بريطانيا ودول أخرى لأوكرانيا باعتباره جزءًا من مواجهة أوسع مع روسيا، في حين تنفي الدول الغربية التي تقدم الدعم لأوكرانيا أنها تخوض حربًا مباشرة ضد موسكو.
وترى روسيا أن دول حلف شمال الأطلسي، وفي مقدمتها بعض الدول الأوروبية مثل بريطانيا، تشارك بصورة غير مباشرة في الحرب من خلال تقديم الأسلحة والذخائر بعيدة المدى إلى كييف، وهو ما يزيد من حدة التوتر بين موسكو والعواصم الغربية.
وفي المقابل، تقول الحكومات الغربية إن دعم أوكرانيا يأتي في إطار مساعدتها على الدفاع عن أراضيها في مواجهة الحرب الروسية.

