قررت النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية في تونس حبس 12 شخصًا شاركوا في مسيرة داعمة لأعضاء موقوفين من «أسطول الصمود»، بصورة مؤقتة، إلى حين مثولهم أمام المحكمة الأربعاء المقبل.
وتضع هذه الخطوة ملف المشاركين في المسيرة أمام مسار قضائي جديد، بينما لم تعلن النيابة العمومية أو الجهات الأمنية حتى مساء الجمعة تفاصيل الاتهامات الموجهة إليهم على خلفية مشاركتهم في التظاهر.
حبس المتظاهرين يوسع دائرة القضية
فقد قال عضو هيئة الدفاع المحامي بسام الطريفي إن النيابة قررت إيداع المشاركين الاثني عشر الحبس المؤقت إلى حين محاكمتهم، فيما أُحيل قاصر شمله الملف بصورة منفصلة إلى قاضي الأحداث.
وفي المقابل، ظل الغموض يحيط بطبيعة الاتهامات الموجهة إلى الموقوفين، بعدما غابت التفاصيل الرسمية التي توضح الأساس القانوني لإحالتهم إلى المحاكمة أو الوقائع المحددة المنسوبة إليهم عقب المسيرة.
كما جاء توقيف المشاركين بعد مظاهرة شهدتها العاصمة تونس، وشارك فيها مئات الأشخاص للمطالبة بالإفراج عن أربعة من أعضاء الهيئة التسييرية لـ«أسطول الصمود» الموقوفين منذ مارس الماضي.
وفي تلك المسيرة، رفع المشاركون مطالب بالإفراج عن وائل نوار ونبيل الشنوفي وغسان البوغديري وغسان الهنشيري، الذين يخضعون لتحقيق منفصل يتعلق بشبهات مالية مرتبطة بالتبرعات والأنشطة الخاصة بالأسطول.
وبحسب «هيئة الصمود التونسية»، تجاوز عدد الموقوفين على خلفية المظاهرة 15 شخصًا، قبل الإفراج عن فتاتين كانتا بين المحتجزين، بينما استمر توقيف آخرين إلى حين استكمال الإجراءات القضائية.
ومن جهة أخرى، يختلف ملف المشاركين في المسيرة عن القضية الأصلية المتعلقة بقيادات الأسطول الأربعة، سواء من حيث طبيعة الوقائع محل التحقيق أو الجهات القضائية التي تتولى متابعة الإجراءات.
وبالتالي، أصبح المشهد أمام ملفين متزامنين؛ أحدهما يتعلق بأشخاص شاركوا في تظاهرة داعمة للموقوفين، بينما يدور الآخر حول اتهامات مالية ما تزال قيد التحقيق بحق قيادات في الأسطول.
وفي الوقت نفسه، لم يصدر حتى الآن حكم قضائي يدين أعضاء الهيئة التسييرية الأربعة، وهو ما يجعل الاتهامات المتداولة بحقهم جزءًا من تحقيقات لم تصل بعد إلى حكم نهائي.
قضية الأسطول أمام تحقيق مالي
أما القضية الأصلية، فتدور حول شبهات تتعلق بغسل أموال وتدفقات مالية مشبوهة مرتبطة بتبرعات جُمعت لتمويل أنشطة الأسطول، إلى جانب شبهات أخرى مرتبطة بملفات مالية ووثائقية.
وفي هذا السياق، يخضع وائل نوار ونبيل الشنوفي وغسان البوغديري وغسان الهنشيري للتوقيف الاحتياطي منذ مارس الماضي، بينما تتولى جهات التحقيق في القطب القضائي الاقتصادي والمالي متابعة الملف.
وفي 11 سبتمبر، قرر القضاء تمديد توقيف الأربعة لمدة أربعة أشهر إضافية، قبل أن تؤيد دائرة الاتهام لاحقًا استمرار الإجراءات، لتبقى القضية مفتوحة أمام التحقيق دون صدور حكم نهائي.
ومن جانبها، تنفي هيئة الدفاع والناشطون صحة الاتهامات المالية، ويقولون إن الأموال محل التحقيق جُمعت بصورة علنية لدعم أنشطة التضامن مع الفلسطينيين وتمويل محاولات كسر الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة.
وفي المقابل، تستمر الجهات القضائية في التعامل مع الملف باعتباره تحقيقًا يتعلق بشبهات غسل أموال وتدفقات مالية ووثائق مرتبطة بالتبرعات، بينما يبقى الفصل في صحة تلك الشبهات من اختصاص القضاء.
وبين الروايتين، تظل القضية في مرحلة التحقيق، وهو ما يعني أن الاتهامات المتداولة لا تمثل أحكامًا نهائية، كما أن نفي الدفاع لها لا يحسم بدوره الموقف القانوني للموقوفين.
وفوق ذلك، أدى استمرار التوقيف منذ مارس إلى تنظيم تحركات تضامنية للمطالبة بالإفراج عن أعضاء الأسطول، كان أحدثها المسيرة التي انتهت بتوقيف مجموعة جديدة من المشاركين وإحالة 12 منهم للمحاكمة.
ومن ثم، باتت تداعيات القضية تتجاوز التحقيق المالي الأصلي إلى ملف يتعلق بالتظاهر والتضامن مع الموقوفين، بعدما امتدت الإجراءات القضائية إلى مشاركين طالبوا بالإفراج عنهم خلال المسيرة الأخيرة.
وفي الوقت ذاته، تبقى طبيعة الاتهامات الخاصة بالمشاركين في المسيرة غير معلنة تفصيليًا، وهو ما يجعل جلسة الأربعاء المقبل محطة مهمة لمعرفة الأساس القانوني الذي تستند إليه إجراءات محاكمتهم.
التضامن مع غزة يواصل الحضور
وفي خلفية القضية، يرتبط «أسطول الصمود العالمي» بمحاولات بحرية انطلقت خلال عام 2025 باتجاه قطاع غزة، معلنة أن هدفها كسر الحصار الإسرائيلي والتعبير عن التضامن مع الفلسطينيين.
وخلال تلك التحركات، اعترضت القوات الإسرائيلية عددًا من سفن الأسطول، وأوقفت ناشطين كانوا على متنها، قبل أن يجري ترحيلهم لاحقًا إلى بلدانهم بعد احتجازهم لفترات متفاوتة.
ومنذ ذلك الوقت، حافظ نشاط الأسطول على حضوره في الأوساط المتضامنة مع غزة، بينما دخلت بعض أنشطته في تونس إلى دائرة التحقيقات القضائية بسبب شبهات مرتبطة بمصادر التمويل والتبرعات.
وفي المقابل، يتمسك القائمون على أنشطة الأسطول بأن التبرعات كانت علنية وموجهة إلى تمويل أنشطة التضامن، مؤكدين رفضهم للاتهامات المتعلقة بغسل الأموال أو التعامل مع تدفقات مالية مشبوهة.
وبالتوازي، أدى استمرار توقيف أعضاء الهيئة التسييرية الأربعة إلى اتساع دائرة التحركات الداعمة لهم، وصولًا إلى المسيرة الأخيرة التي شارك فيها مئات الأشخاص وطالبوا بإطلاق سراحهم.
وعقب المسيرة، دخل 12 من المشاركين مرحلة جديدة من الإجراءات بعد صدور قرار بحبسهم مؤقتًا، في حين أُحيل قاصر ورد اسمه ضمن الملف إلى قاضي الأحداث.
وبذلك، أصبحت القضية تجمع بين تحقيق مالي مستمر منذ مارس وملف جديد يتعلق بالمشاركين في تظاهرة داعمة، مع بقاء الاتهامات في القضية الأصلية دون حكم قضائي نهائي.
وفي المقابل، تنتظر هيئة الدفاع جلسة الأربعاء لمعرفة مسار قضية المشاركين الاثني عشر، خصوصًا في ظل عدم إعلان تفاصيل الاتهامات الموجهة إليهم بصورة رسمية حتى مساء الجمعة.
ومع استمرار التحقيقات، يظل الفصل بين الملفين ضروريًا؛ فالمشاركون في المسيرة يواجهون إجراءات مرتبطة بالتظاهر، بينما يخضع أعضاء الهيئة التسييرية لتحقيقات مالية ووثائقية مختلفة من حيث الطبيعة والمسار.
وأخيرًا، يبقى مصير المشاركين الاثني عشر معلقًا بما ستقرره المحكمة، بالتزامن مع استمرار توقيف أعضاء الأسطول الأربعة والتحقيق في الاتهامات المالية التي ينفيها دفاعهم ولم يصدر بشأنها حكم نهائي.

