تتضاءل فرص جمع فلاديمير بوتين وفولوديمير زيلينسكي على طاولة واحدة، مع تمسك موسكو وكييف بمواقف متعارضة بشأن الأراضي، واتساع المواجهة لتشمل منشآت الطاقة ومخاوف أمنية تتجاوز حدود البلدين إلى أوروبا.

 

وتتصاعد المخاوف من استمرار الحرب مع اقتراب الشتاء، بينما تصطدم التحركات الدبلوماسية بغياب تفاهمات أولية تتيح وقف التصعيد، وتحويل الحديث عن اللقاء المباشر إلى مسار تفاوضي قادر على إنتاج تسوية قابلة للتنفيذ.

 

 

خلافات دونباس تغلق أبواب اللقاء

 

ففي صلب الأزمة، تقف منطقة دونباس باعتبارها إحدى العقد التي تعطل فرص التفاوض، إذ تتمسك موسكو بمطالب انسحاب القوات الأوكرانية من مناطق لا تزال تحت سيطرتها، مقابل مطالبة كييف بانسحاب القوات الروسية.

 

وفي هذا الإطار، يرى الباحث السياسي هلال العبيدي أن تعثر اللقاء لا يرتبط بمكان انعقاده وحده، وإنما بانعدام أرضية مشتركة تسمح للطرفين بتحويل المباحثات المحتملة إلى خطوات سياسية واضحة ومحددة.

 

ومن ثم، تبدو الضغوط الأميركية الساعية إلى التوصل لهدنة أو اتفاق محكومة بحدود هذه الهوة، فالدفع نحو اجتماع مباشر لا يكفي لتجاوز خلافات تتصل بالأرض وترتيبات السيطرة ومستقبل المناطق المتنازع عليها.

 

كذلك، تتعقد مسألة الوساطة الأوروبية بسبب نظرة موسكو إلى الدول الأوروبية باعتبارها طرفا في الأزمة، وهو ما يحد، في قراءة العبيدي، من قدرتها على أداء دور يقبله الطرف الروسي في المفاوضات.

 

أما خيار عقد اللقاء في موسكو، فيواجه رفض زيلينسكي، ويضيف خلافا إجرائيا إلى الخلاف السياسي الأعمق، بينما يظل تغيير المكان وحده عاجزا عن معالجة المطالب المتناقضة التي يحملها الطرفان إلى الطاولة.

 

ومع ذلك، يعتبر العبيدي أن الاتفاق على مكان آخر وتقديم تطمينات متبادلة قد يساعدان في تهيئة ظروف الحوار، شريطة إدراك أن هذه الترتيبات تمهد للمباحثات ولا تحسم الخلاف الأساسي حول دونباس.

 

ولهذا، تبرز الهدنة المؤقتة بوصفها خطوة محتملة تسبق القمة، إذ يمكن لخفض التصعيد أن يفتح مجالا لاختبار الالتزامات، بينما يصعب انتظار تسوية واسعة من لقاء تسبقه شروط متعارضة دون معالجة.

 

 

حرب الطاقة تضاعف أعباء الشتاء

 

بالتوازي، تتسع المواجهة حول منشآت الطاقة، مع تكثيف أوكرانيا ضرباتها على مصافي النفط ومحطات الطاقة داخل روسيا، واستمرار الهجمات الروسية على مرافق الكهرباء والغاز الأوكرانية، بما ينقل الاستنزاف إلى قطاعات حيوية.

 

وفي تقدير العبيدي، يمثل وصول الضربات الأوكرانية إلى عمق الأراضي الروسية محاولة لاستنزاف قدرات موسكو، عبر استهداف منشآت ترتبط بإمدادات الوقود، وتؤثر سلامتها في استمرار أنشطة اقتصادية وخدمية بعيدا عن الجبهات.

 

وفي المقابل، تفرض الضربات الروسية على مرافق الطاقة الأوكرانية ضغوطا إضافية على كييف، إذ يصبح الحفاظ على الكهرباء والغاز تحديا متزامنا مع متطلبات القتال وإصلاح الأضرار التي تخلفها الهجمات المتكررة.

 

ومع اقتراب الشتاء، تتزايد أهمية هذه المنشآت في الحياة اليومية، لأن أي اضطراب في الإمدادات قد ينعكس على التدفئة والخدمات، ويضاعف الأعباء التي يتحملها السكان خلال استمرار العمليات العسكرية دون تسوية.

 

وبذلك، تتجاوز آثار استهداف الطاقة حسابات الخسائر المادية المباشرة، لتشمل الضغط على قدرة المؤسسات على توفير الاحتياجات الأساسية، واستنزاف الموارد المخصصة للصيانة والحماية، وإبقاء المرافق تحت تهديد التعطل مرة أخرى.

 

فضلا عن ذلك، يضيف تبادل الضربات صعوبة إلى محاولات التهدئة، لأن استمرار الهجمات على قطاعات شديدة الحساسية يوسع دوافع الرد، ويجعل بناء الثقة أكثر تعقيدا حتى قبل مناقشة ملفات التسوية النهائية.

 

وفي ضوء ذلك، يمكن فهم أولوية الهدنة التي يطرحها العبيدي باعتبارها محاولة لتقليص الاستنزاف، وفتح مساحة للتفاوض على إجراءات محددة، بدلا من تعليق الآمال كلها على لقاء لم تتوافر شروطه بعد.

 

وعلى هذا الأساس، يرتبط المسار الدبلوماسي بمستوى التصعيد الميداني، فكل موجة هجمات جديدة تزيد الأعباء وتختبر قدرة الوسطاء على تثبيت تفاهمات أولية، بينما يظل المدنيون عرضة لتداعيات اضطراب الخدمات الأساسية.

 

 

مخاوف أمنية تثقل كاهل أوروبا

 

من جهة أخرى، تتسع المخاوف الأوروبية مع الحديث عن تهديدات محتملة تتجاوز ساحة القتال، وقد توقف العبيدي عند تقرير يتناول تحذيرا استخباراتيا من احتمال استخدام روسيا مسيرات ضد دول بجنوب أوروبا.

 

وفي عرضه لهذا التحذير، أشار إلى مسيرات قد يبلغ مداها نحو ستمئة كيلومتر، معتبرا أن خطورتها المحتملة لا تتوقف عند قوة الانفجار، بل تشمل الحرائق وتعطيل المرافق والتأثيرات النفسية والسياسية.

 

وبحسب قراءته، قد تهدف تحركات كهذه إلى إظهار أن إيطاليا وإسبانيا وفرنسا ليست بعيدة عن تداعيات الحرب، إضافة إلى اختبار قدرة الدفاعات الأوروبية على اكتشاف المسيرات الصغيرة والتعامل معها بفاعلية.

 

لكنه، في الوقت نفسه، لا يرجح أن يكون المقصود فتح جبهة عسكرية ثانية مع حلف شمال الأطلسي، وإنما ممارسة ضغط أمني على الحكومات الأوروبية، مع بقاء الحديث هنا في نطاق الاحتمالات.

 

وفي مواجهة هذه المخاوف، يرى العبيدي أن الحرب دفعت أوروبا إلى زيادة الإنتاج العسكري وتعزيز الاستعداد الدفاعي، لتصبح المصانع في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا جزءا من مسار الاستجابة للتحديات الأمنية.

 

ورغم هذا التوجه، يؤكد استمرار اعتماد القارة على حلف الناتو والمظلة النووية الأميركية، بما يشير إلى أن زيادة التصنيع والإنفاق لا تعني تجاوز ترتيبات الحماية القائمة أو الاستغناء عنها في المدى المنظور.

 

وفي السياق نفسه، تعهد أعضاء الناتو برفع الإنفاق الدفاعي والأمني تدريجيا إلى خمسة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، وهو التزام يضع الموارد المالية وأولويات الموازنات أمام ضغوط إضافية.

 

وأخيرا، تتزامن كلفة التسلح، في تقدير العبيدي، مع ضغوط الوقود والغذاء على الأوروبيين، بينما يبقى لقاء بوتين وزيلينسكي رهينا بتغير المواقف بشأن الأرض، قبل الاتفاق على موعد ومكان يتيحان بدء المباحثات والبحث عن تسوية للحرب.