تتصاعد المعارك في شمال إثيوبيا مع اتساع المواجهات بين القوات الفدرالية ومقاتلي تيغراي، وسيطرة مسلحين على مطارات محلية، بالتزامن مع تعطل الإنترنت ومخاوف متزايدة من عودة الحرب والحصار إلى مناطق أنهكتها سنوات الصراع.

 

وتتزايد المخاوف من امتداد القتال إلى جبهات أوسع داخل إقليمي أمهرة وعفر، بعدما أعلنت جبهة تحرير شعب تيغراي خوض حرب شاملة ضد الحكومة الفدرالية، وسط قلق السكان على الاتصالات والإمدادات وسبل النجاة، في ظل تصاعد العمليات العسكرية.

 

 

معارك المطارات تمتد إلى الجوار

 

فقد شن مقاتلو الجبهة هجمات على أمهرة وعفر الأربعاء، وقالوا إن تحركاتهم جاءت ردا على هجمات نفذتها القوات الفدرالية، لتدخل المواجهات مرحلة تتجاوز حدود تيغراي وتعيد إشعال مناطق مجاورة شديدة الحساسية.

 

وفي هذا السياق، اندلعت اشتباكات ليل الخميس الجمعة حول مدينة أبالا في إقليم عفر، حيث حاولت القوات الفدرالية صد هجوم للمتمردين، في تطور يبرز أهمية هذه الجبهة ضمن خريطة العمليات العسكرية خلال الأيام القليلة الماضية.

 

وبالتوازي، شهدت منطقة وولو الشمالية في إقليم أمهرة معارك عنيفة الخميس، امتدت إلى محيط مدينة لاليبيلا، لتضع المواجهات مناطق ذات قيمة تاريخية ودينية أمام أخطار القتال وتداعياته على السكان والحياة اليومية.

 

كما يثير اقتراب المعارك من المواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي مخاوف على كنائس لاليبيلا المنحوتة في الصخر، وإن كانت المعلومات المتاحة لا تتضمن تأكيدا بوقوع أضرار مباشرة داخل تلك المواقع حتى وقت ورود التقارير.

 

ومن جهة أخرى، يمنح الاستيلاء على المطارات المحلية المواجهة بعدا إضافيا، نظرا لأهمية هذه المنشآت في الحركة والنقل، بينما يظل حجم السيطرة الميدانية ومدى استمرارها مرتبطين بتطور المعارك بين الطرفين.

 

وفي المقابل، يعكس القتال على أكثر من محور صعوبة احتواء التصعيد داخل نطاق جغرافي محدود، إذ تتداخل مناطق الاشتباك مع طرق الحركة والتجارة، بما يضاعف الضغوط على المجتمعات الواقعة قرب الجبهات.

 

وعلى هذا الأساس، يرى محللون أن التحرك جنوبا عبر أمهرة يشبه استراتيجية اتبعها مقاتلو تيغراي في الحرب السابقة باتجاه أديس أبابا، غير أن ذلك يبقى تقديرا للاتجاه العسكري وليس تأكيدا لوصولهم إليها.

 

أما الهجوم داخل عفر، فتتصل أهميته باحتمال استهداف طرق الإمداد القادمة من جيبوتي، وهو احتمال يثير قلقا اقتصاديا واسعا، دون أن تعني المعارك وحدها أن تلك الطرق قطعت بالفعل أو توقفت الحركة عليها.

 

 

انقطاع الإنترنت يعيد مخاوف الحصار

 

وبينما تتوسع المواجهات، تعطل الإنترنت في مناطق من الشمال يوم الجمعة، وسط مخاوف من تحول الانقطاع إلى عزلة ممتدة تمنع السكان من التواصل مع ذويهم والحصول على المعلومات الضرورية خلال القتال.

 

وفي هذا الإطار، أفادت منظمة نت بلوكس بأن بيانات الشبكة تشير إلى انقطاع إقليمي للإنترنت في شمال إثيوبيا، بالتزامن مع تقارير عن تعطل الاتصالات في تيغراي، دون تحديد كامل لنطاق الانقطاع ومدته.

 

ومع ذلك، لا تكفي البيانات المتاحة للجزم بسبب التعطل أو الجهة المسؤولة عنه، لكن تزامنه مع المعارك يمنحه أثرا مضاعفا، خصوصا لدى سكان ما زالت تجربة الحرب السابقة حاضرة في ذاكرتهم.

 

فمن ناحية إنسانية، تعني خسارة الاتصال صعوبة الاطمئنان على الأقارب، وتبادل التحذيرات بشأن الطرق، وطلب المساعدة عند الضرورة، بينما تزيد ندرة المعلومات احتمالات انتشار الشائعات والارتباك داخل المناطق القريبة من المواجهات.

 

كذلك يستعيد الأهالي مخاوف انقطاع الإمدادات الذي صاحب الحرب الماضية، حين تعرض إقليم تيغراي لحصار فرضته الحكومة الفدرالية، لتصبح أي مؤشرات جديدة على العزلة مرتبطة لديهم باحتمالات الجوع والنزوح وفقدان الخدمات.

 

وفي ضوء ذلك، يثقل إرث الحرب السابقة المشهد الحالي، مع تقديرات تشير إلى وفاة قرابة ستمئة ألف شخص خلالها، وهو رقم يعبر عن فداحة الكارثة ويضاعف المخاوف من تكرارها مع تجدد المعارك.

 

وعلاوة على ذلك، تحمل جبهة عفر مخاطر تتجاوز مناطق الاشتباك، لأن الغالبية العظمى من شحنات التجارة الدولية الإثيوبية تمر عبر جيبوتي، بما فيها الوقود، الأمر الذي يجعل سلامة هذا المسار شديدة الأهمية.

 

 

إتفاق سياسي بين المعارضة.. وتنسيق ميداني غائب

 

وعلى المستوى السياسي، يتزامن التصعيد مع إعلان سبع جماعات معارضة من مناطق مختلفة تحالفا يستهدف الإطاحة بالسلطة الحاكمة في أديس أبابا، بما يضيف ضغطا سياسيا إلى التحديات العسكرية التي تواجه الحكومة.

 

غير أن إعلان التحالف لا يثبت وحده امتلاك أطرافه قيادة موحدة أو قدرة متكاملة على تنسيق العمليات، إذ تظل فعاليته مرهونة بتحويل الاتفاق السياسي إلى تعاون ميداني مستمر بين مكوناته المختلفة.

 

وفي الخلفية، تقف تحولات السلطة التي أعقبت وصول آبي أحمد إلى الحكم عام 2018، بعدما هيمنت جبهة تحرير شعب تيغراي على الائتلاف الحاكم لعقود، قبل تراجع نفوذها واتساع خلافاتها مع الحكومة الفدرالية.

 

ومن ثم، فإن المواجهة الراهنة تتصل بصراع أعمق حول السلطة وموازين النفوذ والعلاقة بين المركز والأقاليم، ولا يمكن اختزالها في السيطرة على مطار أو مدينة، مهما بلغت الأهمية العسكرية لتلك المواقع.

 

وبقدر ما تتعدد الجبهات، تتعقد حسابات السلطة في إدارة القوات وتأمين المرافق والطرق، بينما يسعى خصومها إلى توسيع الضغط عليها، مستفيدين من تزامن التحركات العسكرية مع إعلان اصطفاف معارض أكثر اتساعا.

 

وفي الوقت نفسه، يبقى المدنيون الطرف الأكثر تعرضا للخسائر المباشرة، مع احتمالات تعطل التجارة والخدمات وصعوبة التنقل، خصوصا إذا تداخل اتساع الاشتباكات مع استمرار انقطاع الاتصالات وتراجع القدرة على الوصول إلى الاحتياجات الأساسية.

 

وأخيرا، تضع التطورات إثيوبيا أمام اختبار يتجاوز نتائج المعارك الآنية، إذ يرتبط تجنب كارثة جديدة بوقف اتساع القتال وحماية المدنيين واستمرار الإمدادات، قبل أن تتحول مخاوف السكان من تكرار الحرب إلى واقع يصعب احتواء تداعياته.