تتسع الفجوة بين التفاؤل الرسمي الجزائري بشأن استعادة الأموال المهرّبة إلى سويسرا، والتحفظ القضائي السويسري الذي يربط إعادة أي أصول بإثبات مصدرها غير المشروع، لتبقى الملايين المعلنة معلقة بين التصريحات والملفات.
وفي هذا التباين، يتقدم إعلان استعادة أكثر من 110 ملايين دولار على الوقائع المتاحة؛ فالمعلومات السويسرية تشير إلى أن الإجراءات لا تزال جارية، وأن نقل الأموال فعلياً لم يُحسم بعد، ما يثير أسئلة عن حقيقة الإنجاز المعلن.
إعلان كبير وواقع معلّق
ففي 21 سبتمبر الحالي، استقبل عزوز ناصري، رئيس مجلس الأمة الجزائري، سفيرة سويسرا لدى الجزائر ماريون ويشلت كروبسكي، وأعلن خلال اللقاء استعادة أكثر من 110 ملايين دولار مجمدة في سويسرا.
لكن الإعلان لم يصحبه، وفق المعطيات المنشورة، بيان يوضح موعد تحويل المبلغ أو آلية استلامه أو الحسابات التي خرجت منها الأموال، بينما احتفت به أوساط محلية باعتباره تنفيذاً لوعد قديم باسترجاع الثروات.
كما سبق لعبد المجيد تبون ووزير الخارجية أحمد عطاف أن أعلنا في أبريل استعادة المبلغ نفسه، وربطا العملية بالتعاون القضائي بين البلدين، من دون تقديم تفاصيل تكشف ما إذا كان التحويل قد اكتمل بالفعل.
وفي المقابل، أفادت الرواية السويسرية بأن مكتب العدل الفيدرالي لا يستطيع الإدلاء بمعلومات إضافية ما دامت الإجراءات مستمرة، وأن إعادة الأصول مرهونة بإثبات مصدرها غير المشروع أمام القضاء، لا بمجرد المطالبات السياسية.
وبذلك يظهر تناقض واضح بين صيغة الإعلان الجزائري التي تتحدث عن استعادة أموال، والصيغة السويسرية التي تتحدث عن أصول ستعاد عندما يثبت فساد مصدرها، وهو فرق جوهري لا تفسره التصريحات الرسمية.
كما أن الاتفاقية القضائية، التي أتاحت إرسال 33 إنابة إلى سويسرا، لا تعني تلقائياً قبول جميع الملفات أو نقل الأموال؛ فقد قيل إن عشرين ملفاً دُرست وقُبلت، وأربعة عولجت نهائياً.
غير أن غياب كشف رسمي مفصل عن نتائج هذه الملفات يجعل الأرقام المتداولة صعبة التحقق، ويترك الجمهور أمام حصيلة إجمالية لا توضح ما استُرد فعلياً، وما جُمّد، وما زال محل تحقيق.
ومن ثم، فإن الاحتفاء بمبلغ يتجاوز 110 ملايين دولار قبل توضيح وضعه القانوني والمالي يوسع مساحة الالتباس، ويمنح السلطات مكسباً إعلامياً مبكراً بينما تظل الخطوة الحاسمة، أي وصول الأموال، غير مؤكدة.
ملفات مصرفية تحت الاختبار
وفي قلب القضية، تبرز حسابات منسوبة إلى سعيد بوتفليقة، شقيق عبد العزيز بوتفليقة ومستشاره السابق، الذي يقضي حكماً بالسجن اثني عشر عاماً في قضية فساد، وينفي امتلاك أصول في الخارج.
إذ تفيد المعلومات المتداولة بأن القضاء السويسري أرسل إلى الجزائر في صيف 2023 وثائق مصرفية تخص حساباً في جنيف، تتضمن تحويلات من الخليج وآسيا تجاوز مجموعها ثلاثين مليون دولار.
لكن انتقال وثائق الحساب إلى السلطات الجزائرية لا يساوي مصادرة رصيده أو إعادته؛ فالمحاكم السويسرية تطلب إثباتاً قضائياً واضحاً يربط الأموال بجريمة محددة، قبل أن توافق على نقل ملكيتها.
كما أن إثبات الثراء أو وجود تحويلات كبيرة لا يكفي وحده لحسم مصير الأرصدة؛ إذ يتعين على القضاء تحديد مصدر الأموال، وربطها بوقائع اختلاس أو غسل أموال أو فساد مثبتة بالأدلة.
وفي هذا المسار، لا تزال أسماء المتهمين وطبيعة الإنابات والقرارات التي صدرت بشأن كل حساب غير معلنة بصورة شاملة، ما يمنع تقييم مدى تقدم التحقيقات أو معرفة أسباب التأخير.
وبالتوازي، تظهر قضية عبد السلام بوشوارب، وزير الصناعة السابق، بوصفها اختباراً آخر؛ إذ جُمّد 1.7 مليون يورو في حسابه بسويسرا بناءً على طلب جزائري، وسط شبهات مرتبطة بعقد لبناء سد.
وتربط الشبهات ذلك العقد بشركة تركية وبمدفوعات رشى قُدرت بنحو 11.5 مليون يورو، بينما رفضت الجهة السويسرية المختصة في يوليو 2023 طعن محامي بوشوارب على قرار تجميد الأموال.
ومع ذلك، لا يوجد توضيح محسوم بشأن إدراج المبلغ المجمد ضمن الـ110 ملايين دولار المعلنة، لتبقى الحصيلة خليطاً محتملاً من أموال مجمدة وملفات مقبولة وحقوق لم تنتقل بعد إلى الخزانة الجزائرية.
وعود الاسترداد وأسئلة الشفافية
ومنذ سقوط حكم عبد العزيز بوتفليقة في أبريل 2019، جعلت السلطات استعادة الأموال والأصول الخارجية عنواناً بارزاً لحملتها ضد الفساد، وسط محاكمات طالت مسؤولين ورجال أعمال بارزين.
كما أعلن تبون في أكتوبر 2025 استعادة أصول وأموال بقيمة 30 مليار دولار، وأُعيدت ممتلكات، بينها شركات ومصانع، إلى إدارة مؤسسات عمومية، من دون أن تتوافر هنا تفاصيل تفصل مكونات الإجمالي.
لكن ضخامة هذا الرقم تفرض نشر بيانات تشرح مصادر الأموال، والدول التي أعيدت منها، والقيمة التي دخلت فعلياً إلى الخزانة، فضلاً عن التمييز بين الممتلكات المستردة والأصول الموضوعة تحت التجميد.
وفي غياب هذه البيانات، تتحول أرقام الاسترداد إلى عناوين سياسية يصعب قياس أثرها، بينما يبقى السؤال الأساسي قائماً: كم وصل بالفعل، وكم لا يزال مجرد مطالبة أو ملف قضائي مفتوح؟
كذلك لا تكفي إعادة إدماج مصانع أو شركات في الاقتصاد لإغلاق ملف الأموال المنهوبة؛ فالمطلوب معرفة من استفاد من تلك الأصول سابقاً، وكيف قُدرت قيمتها، ومن يتولى إدارتها حالياً.
وتشير تجربة الفندق الفاخر في برشلونة، الذي كان مملوكاً لرجل الأعمال علي حداد، إلى أن استعادة العقارات ممكنة عبر مسارات دولية، لكنها لا تقدم وحدها صورة كاملة عن حجم الأموال المهربة.
أما سويسرا، فتضع معياراً قضائياً صارماً يقوم على إثبات الجريمة ومصدر المال، وهو معيار يجعل التعاون الدبلوماسي ضرورياً، لكنه لا يعفي السلطات الجزائرية من تقديم ملفات متماسكة وأدلة قابلة للفحص.
لذلك، لن يُحسم الجدل بالتصريحات المتفائلة، بل بإعلان موثق يحدد الأموال التي حُولت فعلياً، وتواريخ وصولها، والقضايا التي استند إليها التحويل، مع كشف مصير الملفات التي ما زالت معلقة.
وإلى أن تظهر هذه التفاصيل، ستظل رواية الاستعادة الجزائرية أوسع من الأدلة المنشورة، فيما يضع الموقف السويسري علامة استفهام على اعتبار الملايين إنجازاً منجزاً؛ فالتجميد بداية مسار طويل، لا خاتمته.

