تدفع موجات الغلاء المتلاحقة شرائح من المصريين إلى تغيير شكل مشترياتها الغذائية، حتى باتت قطع الجبن الصغيرة و«كسر اللانشون» وبقايا المصانع والمطاعم بدائل أرخص لعائلات لم تعد دخولها تتحمل الأسعار الكاملة للسلع.
وتضع المشاهد المتداولة لباعة يعرضون قطعًا صغيرة من الجبن واللانشون بأسعار مخفضة سؤالًا اجتماعيًا ثقيلًا حول المسافة التي قطعتها أزمة المعيشة، بعدما انتقلت الضغوط من تقليل الكميات إلى البحث عن الأرخص مهما تراجعت الجودة.
وفي سبتمبر 2026، بلغ متوسط كيلو الجبن الأبيض نحو 142.29 جنيه، بينما وصل كيلو الجبن الرومي إلى 285 جنيهًا، وفق بيانات الأسعار الحكومية المنشورة، وهي مستويات تجعل «الكسر» خيارًا أقل تكلفة لبعض المشترين. مصراوي.كوم
كما سجل متوسط كيلو اللحوم الطازجة نحو 432.11 جنيه، والدواجن الطازجة 97.54 جنيه، فيما تجاوز لتر زيت عباد الشمس 103 جنيهات، وهي أرقام توضح حجم الضغط الذي تواجهه ميزانية الأسرة عند شراء الاحتياجات المعتادة. مصراوي.كوم
وبينما تتغير الأسعار بين منطقة وأخرى، فإن اتساع البحث عن المنتجات المخفضة وبواقي المصانع ليس ظاهرة جديدة، إذ وثقت تقارير سابقة أسواقًا شعبية تعرض بواقي الطعام والحلويات واللحوم المصنعة بأسعار أدنى من المتاجر التقليدية. بوابة اخبار اليوم
لكن عودة هذه الصور إلى الواجهة في 2026 تأتي وسط مستوى سعري مرتفع تراكم عبر سنوات، ما يجعل انخفاض معدل التضخم وحده غير كافٍ لإعادة السلع إلى مستوياتها القديمة أو استعادة ما فقدته الدخول من قوة شرائية.
الغلاء يعيد تشكيل موائد الأسر
ويقول الدكتور عبدالنبي عبدالمطلب، الخبير الاقتصادي، إن تحركات سعر الدولار أصبحت من العوامل المؤثرة مباشرة في تكلفة السلع ومدخلات الإنتاج، وهو ما ينتقل بدوره إلى أسعار البيع التي يتحملها المستهلك النهائي. الرئيس نيوز
كما أشار عبدالمطلب إلى ارتفاع أسعار السكر بنحو 18% خلال الفترة الأخيرة، إلى جانب زيادة أسعار الزيوت، بما يعكس استمرار الضغوط على سلع أساسية يصعب على غالبية الأسر الاستغناء عنها أو تقليص استهلاكها طويلًا. الرئيس نيوز
وفي سبتمبر وحده، قفز سعر طن السكر إلى نطاق بين 25 و26 ألف جنيه، بعدما كان يتراوح بين 21 و22 ألفًا خلال أغسطس، بزيادة تقارب 18% عقب السماح بتصدير كميات من السلعة. الشروق نيوز
كذلك ارتفع زيت عباد الشمس في الأسواق إلى أكثر من 100 جنيه للتر في عدة أيام من سبتمبر، بينما سجل السكر المعبأ نحو 35 جنيهًا للكيلو، لتتراكم الزيادات داخل فاتورة الطعام اليومية. المصري اليوم
ومع ارتفاع الأسعار، تفقد الأسرة مساحة الاختيار تدريجيًا؛ فالمشكلة لا تقف عند استبدال علامة تجارية بأخرى، وإنما تصل لدى بعض محدودي الدخل إلى تقليص البروتين أو الاتجاه إلى الأطراف والبواقي الأقل سعرًا.
لذلك يصبح «كسر الجبن» أو قطع اللانشون غير المنتظمة سلعة لها سوق، ليس لأنها تمثل تفضيلًا استهلاكيًا جديدًا، بل لأنها تسمح للمشتري بالحصول على كمية محدودة بسعر يمكن إدخاله في ميزانية مضغوطة.
وفي المقابل، تبلغ قيمة الدعم السلعي المقرر للفرد على البطاقة التموينية 50 جنيهًا شهريًا حتى الفرد الرابع، وتنخفض إلى 25 جنيهًا للفرد الخامس ومن يليه، وفق نظام الصرف المطبق خلال سبتمبر. مصراوي.كوم
وبحساب الأسعار الرسمية للمقررات، فإن الخمسين جنيهًا تساوي تقريبًا زجاجة زيت تمويني بسعر 30 جنيهًا ويتبقى منها عشرون جنيهًا، وهو مبلغ محدود أمام أسعار اللحوم والجبن والزيوت خارج منظومة الدعم. مصراوي.كوم
التضخم يتراجع والأسعار تبقى مرتفعة
ويرى الدكتور مدحت نافع، أستاذ الاقتصاد والمالية بجامعة القاهرة، أن الانخفاض المحدود في معدل التضخم لا يعني بالضرورة تحسنًا حقيقيًا في مستويات الأسعار، لأن بعض بنود السكن والطاقة والخدمات ما زالت تدفع التكاليف صعودًا. الحدث
كما أوضح نافع أن ارتفاع الكهرباء والغاز والوقود ينتقل إلى تكاليف الإنتاج، ثم تعيد الشركات تمرير جزء من تلك الزيادات إلى أسعار السلع والخدمات، بما يجعل أثرها ممتدًا على القوة الشرائية للأسر. الحدث
ورغم تراجع التضخم السنوي للحضر إلى 14.5% في أغسطس مقابل 14.9% خلال يوليو، فإن هذا الرقم يقيس سرعة ارتفاع الأسعار مقارنة بالعام السابق، ولا يعني عودتها إلى المستويات التي سبقت موجات الغلاء. البنك المركزي المصري
وفي الوقت نفسه، سجل التضخم الأساسي 14.9% خلال أغسطس، بينما ارتفعت أسعار الكهرباء للاستخدام المنزلي بنسبة 9.2% خلال الشهر وفق تحليل بيانات التضخم، وهي تكلفة لا تتوقف آثارها عند فاتورة المنزل وحدها. بوابة الأهرام بيزنس
كذلك ارتفعت الألبان والجبن والبيض بنسبة 1.3% خلال أغسطس مقارنة بالشهر السابق، بينما ارتفعت الزيوت والدهون والسكر والأغذية السكرية، رغم انخفاض بعض مجموعات اللحوم والخضروات في الشهر نفسه. اليوم السابع
ومن ثم فإن الحديث عن هدوء التضخم لا يمحو أثر سنوات من الزيادات المتراكمة، فالأسرة التي اضطرت سابقًا إلى حذف أصناف من مشترياتها لا تستعيدها لمجرد تباطؤ سرعة الزيادة خلال شهر واحد.
وبينما تستطيع الأسر الأعلى دخلًا امتصاص جانب من الزيادات، تصبح الخيارات لدى محدودي الدخل أكثر قسوة، بدءًا من شراء كميات أصغر، مرورًا بالاستغناء عن أصناف، وصولًا إلى أسواق «الكسر» والبواقي.
الديون والإنتاج وفاتورة المعيشة
ويقول الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي ورئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية، إن مصر تحتاج إلى برنامج وطني يركز على زيادة الإنتاج بدل الاعتماد على القروض، معتبرًا أن هيكل السياسة الاقتصادية يحدد قدرة المجتمع على تحمل الضغوط. فيتو
كما أشار عبده إلى أن برامج التمويل الدولية ارتبطت بإجراءات تضمنت تحرير سعر الصرف وخفض الدعم ورفع أسعار بعض السلع والخدمات، وهي قرارات ينتقل جانب كبير من آثارها في النهاية إلى تكلفة معيشة المواطنين. فيتو
ومع تكرار تحركات سعر الصرف، ترتفع تكلفة المواد الخام المستوردة والنقل والتعبئة، وهو ما ظهر مجددًا خلال سبتمبر بعدما رفعت شركات زيوت الطعام أسعارها بنحو 1500 جنيه للطن بالتزامن مع صعود الدولار فوق 52 جنيهًا. الشروق نيوز
كذلك تتحمل الأسر الزيادة في تكاليف الطاقة والنقل والسكن بالتوازي مع الغذاء، ولذلك لا يمكن قراءة «كسر اللانشون والجبنة» باعتباره مجرد عرض تجاري لطيف أو وسيلة مبتكرة لتوفير بضعة جنيهات.
بل يمثل انتشار هذه البدائل مؤشرًا اجتماعيًا على الطريقة التي تعيد بها الأسر ترتيب أولوياتها عندما تصبح المنتجات الكاملة أثقل من قدرتها الشرائية، فيتراجع معيار الجودة تدريجيًا أمام سؤال أكثر إلحاحًا: كم سيدفع المشتري؟
وفي الأسواق الشعبية، تزيد خطورة المسألة عندما تنتقل من منتجات سليمة غير منتظمة الشكل إلى أغذية مجهولة المصدر أو منتهية الصلاحية، إذ وثقت جولات ميدانية بيع لانشون وهامبرجر وبواقي حلويات بأسعار منخفضة وسط مخاوف صحية. بوابة اخبار اليوم
ولهذا لا تبدو المشكلة محصورة في رقابة بائع صغير، لأن توسع الطلب على الغذاء الأرخص يرتبط أصلًا بقدرة الأسر على شراء الطعام الآمن، وهي قدرة تتآكل عندما تتسع الفجوة بين الدخل وتكلفة الاحتياجات الأساسية.
وفي النهاية، لا تختصر صورة «كسر اللانشون والجبنة» أزمة الاقتصاد المصري كلها، لكنها تختصر جانبًا شديد الوضوح منها: مواطن يحاول إعادة تقسيم جنيهاته أمام رفوف ارتفعت أسعارها أسرع مما تحسنت قدرته على الإنفاق.
وبذلك تصبح القطع الصغيرة وبواقي المصانع والمطاعم جزءًا من اقتصاد يومي قائم على تقليص الكميات وخفض الجودة والبحث المستمر عن البديل الأرخص، بينما تظل معالجة جذور الأزمة مرتبطة بالدخل والإنتاج والأسعار وسياسات الحماية الاجتماعية.

