تدفع أسعار البيض الأسر إلى مواجهة قفزة حادة مع بداية العام الدراسي، بعدما ارتفعت الكرتونة من مستويات تراوحت بين 60 و70 جنيهًا إلى 130 و135 جنيهًا خلال أسبوعين فقط.

 

وتأتي الزيادة في وقت يتراجع فيه المعروض بعد خروج مربين من دورة الإنتاج وتأجيل منتجين لدورات جديدة، بينما تتصاعد احتياجات الأسر مع المدارس، بما يضغط مباشرة على ميزانيات أصبحت أصلًا مثقلة بارتفاعات متلاحقة.

 

 

خروج المربين يشعل نقص المعروض

 

وفي قلب الأزمة، يوضح عبد العزيز السيد، المختص بملف الثروة الداجنة في غرفة القاهرة التجارية، أن الأسعار المنخفضة سابقًا لم تكن تغطي تكلفة الإنتاج، فاضطر عدد من المربين إلى مغادرة السوق.

 

وبالتالي، تحولت موجة الرخص السابقة من فرصة مؤقتة للمستهلك إلى مقدمة لاختلال أكبر، لأن تراجع الأسعار إلى ما دون التكلفة استنزف المنتجين بدل أن يخلق سوقًا مستقرة تحمي المستهلك والمنتج معًا.

 

ويشير السيد إلى أن الكرتونة التي بيعت بين 60 و70 جنيهًا لم تكن تحقق توازنًا اقتصاديًا للمربين، وهو ما دفع بعضهم لتقليل الإنتاج أو الخروج، قبل أن يقفز السعر لاحقًا إلى أكثر من الضعف.

 

ومن ثم، يبدو أن السوق دفعت ثمن غياب آلية تمنع الانهيار الحاد للأسعار عندما يتراجع الطلب، لأن ترك المنتج يواجه الخسارة وحده انتهى لاحقًا إلى نقص المعروض وارتفاع السعر على المستهلك.

 

وفي الوقت نفسه، ساهمت شائعات مرتبطة بالسالمونيلا وتوصيات غذائية بالامتناع عن البيض في إضعاف الطلب خلال الشهور الماضية، ما زاد الضغوط على المنتجين ووسع الفجوة بين تكلفة التربية وسعر البيع.

 

وبعد ذلك، حاول بعض المنتجين تقليل خسائرهم عبر التصدير، لكن عبد العزيز السيد يستبعد أن تكون الصادرات العامل الأساسي في موجة الغلاء الحالية، ويربط الأزمة بصورة أكبر بانسحاب المربين وتقليص الإنتاج.

 

وعلى هذا الأساس، لا تبدو القفزة الحالية مجرد حركة موسمية عابرة، بل نتيجة لمسار بدأ عندما تُركت دورة الإنتاج تواجه تذبذبًا حادًا من دون أدوات تضمن استمرار المربين أو امتصاص فائض المعروض.

 

وفي المقابل، لا يحصل المستهلك على حماية من نتيجة هذا التذبذب، إذ انتقل خلال فترة قصيرة من عروض وصلت بالكرتونة إلى 70 جنيهًا إلى أسعار تقترب من 135 جنيهًا.

 

 

تكاليف الإنتاج تضغط على السوق

 

ومن ناحية أخرى، يوضح أحمد نبيل، المختص بملف بيض المائدة في اتحاد منتجي الدواجن، أن بعض المنتجين أجلوا دورات الإنتاج بعد هبوط الأسعار، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الإنتاج المرتبطة بسعر الصرف.

 

وبذلك، اجتمعت خسائر البيع السابقة مع تكلفة الأعلاف ومدخلات الإنتاج لتقليص قدرة المنتجين على الاستمرار، بينما لم تظهر آلية واضحة تمنع خروجهم المؤقت أو الدائم من السوق عند كل هبوط حاد.

 

كما أن ارتفاع أسعار الأعلاف خلال أغسطس أضاف عبئًا جديدًا على دورة الإنتاج، في وقت كان الطلب فيه ضعيفًا، فبقي المنتج محاصرًا بين تكلفة أعلى وسعر بيع لا يغطي النفقات.

 

وفي هذا السياق، يرى أحمد نبيل أن تأجيل الدورات كان ردًا مباشرًا على واقع اقتصادي لم يعد يشجع على ضخ إنتاج جديد، وهو ما انعكس لاحقًا في صورة نقص بالمعروض وارتفاع سريع للأسعار.

 

ولهذا، فإن أزمة البيض لا تنفصل عن سعر الصرف، لأن الأعلاف ومدخلات التربية تتأثر به، بينما يتحمل المربي الزيادة فورًا قبل أن يستطيع تمريرها إلى السوق أو تعويضها من المبيعات.

 

وفوق ذلك، توضح حركة السوق خللًا في التعامل مع الفترات التي تنهار فيها الأسعار، لأن المنتج حين يبيع بخسارة يتوقف عن الإنتاج، ثم يعود المستهلك ليدفع فرقًا كبيرًا عندما ينكمش المعروض.

 

وفي المقابل، لا تعني زيادة السعر الحالية أن المربين استعادوا استقرارهم، لأن الإنتاج يحتاج إلى دورة زمنية وتكاليف مستمرة، بينما القفزات المفاجئة لا تضمن ثبات العائد أو بقاء المنتجين داخل المنظومة.

 

ومن ثم، تتحول أزمة التكلفة إلى دائرة متكررة تبدأ بخسارة المنتج، ثم تقليص الإنتاج، ثم نقص المعروض، ثم ارتفاع السعر، قبل أن يعاود السوق الهبوط إذا تراجعت القدرة الشرائية.

 

وعلى المدى القريب، يبقى المستهلك الحلقة الأكثر تعرضًا للضغط، لأنه لا يملك تأجيل شراء احتياجات المدارس أو تغيير أسعار السوق، بينما تقفز سلعة أساسية إلى ضعف سعرها تقريبًا خلال أيام.

 

 

المدارس تضاعف ضغط الطلب

 

ومع بداية العام الدراسي، ارتفع الطلب الموسمي على البيض بوصفه مكونًا حاضرًا في وجبات الأسر والطلاب، وهو ما منح نقص المعروض أثرًا أكبر ودفع الأسعار للصعود بوتيرة أسرع خلال أسبوعين.

 

وفي شهادة من السوق، يقول أحمد السيد، تاجر تجزئة في الجيزة، إن البيض كان متوافرًا بكميات كبيرة قبل أيام، ووصلت العروض إلى 70 جنيهًا للكرتونة مع ضعف شديد في الإقبال.

 

ووفق وصفه، تغير المشهد سريعًا مع بدء المدارس، فأصبح المستهلك مضطرًا للشراء رغم ارتفاع السعر، وهو ما حول زيادة الطلب الموسمية إلى عامل مضاعف لأزمة نقص المعروض القائمة بالفعل.

 

وفي المقابل، كان التضخم السنوي قد تراجع في أغسطس إلى 12.7% مقابل 13% في الشهر السابق، بينما سجلت مجموعة الطعام والشراب انخفاضًا شهريًا بنسبة 1.2% خلال الفترة نفسها.

 

ومع ذلك، توضح قفزة البيض أن المتوسطات العامة لا تمنع تعرض سلعة أساسية لارتفاع صادم خلال فترة قصيرة، خصوصًا عندما تجتمع قلة المعروض مع زيادة الطلب وارتفاع تكلفة الإنتاج.

 

وفي أغسطس أيضًا، تراجعت أسعار اللحوم والدواجن بنسبة 1.5% والخضروات بنسبة 7% مقارنة بيوليو، لكن هذا الهدوء النسبي لم يستمر في سوق البيض مع دخول سبتمبر.

 

وبالتالي، لا تعكس أرقام التضخم وحدها حجم الصدمة التي تواجه أسرة تشتري الكرتونة اليوم بأكثر من ضعف السعر الذي كانت تدفعه قبل أسبوعين، خاصة مع مصروفات الدراسة المتزامنة.

 

وعلاوة على ذلك، فإن ارتباط الزيادة ببداية المدارس يجعل العبء أكثر قسوة، لأن الإنفاق على مستلزمات الدراسة والمواصلات والاحتياجات اليومية يتزامن مع ارتفاع سلعة غذائية تعتمد عليها أسر كثيرة.

 

وفي هذا الإطار، يضع عبد العزيز السيد جذور الأزمة في خسائر المربين وخروج بعضهم من السوق، بينما يربط أحمد نبيل النقص بتأجيل دورات الإنتاج وارتفاع التكاليف المرتبطة بسعر الصرف.

 

ومن هنا، تبدو الإجراءات التي تلاحق السعر بعد ارتفاعه أقل قدرة على معالجة جذور المشكلة من منع انهيار المنتج أولًا، لأن السوق يكرر النمط نفسه كلما خرج مربون ثم عاد الطلب فجأة.

 

وفي النهاية، يحتاج سوق البيض إلى استقرار فعلي في تكلفة الإنتاج وتوافر الأعلاف وقدرة المربين على الاستمرار، بدل ترك دورات الإنتاج تتأرجح بين خسائر تدفعهم للخروج وقفزات يتحملها المستهلك.

 

وبينما تستقر الكرتونة حاليًا قرب 130 و135 جنيهًا، يبقى خطر استمرار الضغط قائمًا إذا ظل نقص المعروض، لأن أي زيادة إضافية في الطلب أو التكلفة قد تدفع الأسعار إلى مستويات أعلى.

 

وفي المحصلة، توضح القفزة من 60 و70 جنيهًا إلى 130 و135 جنيهًا أن تأرجح السوق بين الانهيار والغلاء لا يصنع استقرارًا، بل ينقل الخسارة بالتناوب بين المنتج والمستهلك.