أعادت انتخابات 23 سبتمبر ترتيب موازين القوة داخل الأغلبية المغربية السابقة، بعدما تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج المؤقتة، بينما تراجع التجمع الوطني للأحرار إلى المرتبة الثانية، رغم أنهما خاضا الحملة في مواجهة سياسية حادة.
ووضعت النتيجة الحزبين أمام سؤال يصعب تجاوزه: هل يعودان إلى حكومة واحدة بعد اتهامات الاستمالة والضغط، أم تدفع الخصومة الانتخابية الحزب المتصدر إلى البحث عن شركاء آخرين، ولو كانت صيغة الأغلبية القديمة جاهزة حسابيًا؟
أرقام تمنح التحالف فرصة جديدة
وفي التفاصيل، أعلن وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت حصول الأصالة والمعاصرة على 97 مقعدًا، مقابل 66 للأحرار و65 للاستقلال و54 للعدالة والتنمية، فيما بلغت نسبة المشاركة في الاقتراع 38.08 بالمئة.
وبذلك، يجمع الثلاثي الذي شكل الحكومة المنتهية ولايتها 228 مقعدًا من أصل 395، متجاوزًا عتبة الأغلبية المطلقة البالغة 198 مقعدًا، وهي معادلة تمنحه طريقًا برلمانيًا واضحًا إذا اتفق قادته سياسيًا.
لكن الحزبين المتصدرين لا يملكان وحدهما سوى 163 مقعدًا، ولذلك يصبح حضور الاستقلال مهمًا في إعادة التحالف السابق، ما لم تُفضِ المشاورات إلى تفاهمات مختلفة مع أحزاب أخرى داخل مجلس النواب.
وفي المقابل، لا تعني الأرقام أن الائتلاف القديم سيتشكل تلقائيًا؛ فنتائج الصناديق تحدد حجم كل طرف، لكنها لا تعالج وحدها أثر الأسابيع التي تبادل فيها الحليفان اتهامات علنية ومواقف متعارضة.
ومن هذه الزاوية، يبدو حزب الاستقلال صاحب المركز الثالث طرفًا مؤثرًا في التفاوض؛ فمقاعده الـ65 ترفع مجموع الأحزاب الثلاثة فوق الأغلبية المطلوبة، وتمنحه وزنًا حاضرًا عند مناقشة التشكيل الحكومي.
غير أن نسبة المشاركة البالغة 38.08 بالمئة تضيف إلى مشهد التفاوض سؤالًا سياسيًا عن قدرة الحكومة المقبلة على تقديم برنامج مقنع، فيما ينشغل الشركاء المحتملون أولًا بتسوية خصوماتهم وترتيب حصصهم.
ولهذا، فإن الحساب الذي يبدو بسيطًا على الورق يقود إلى مفاوضات أصعب حول القيادة والحقائب وآليات التنسيق، خصوصًا بعدما تبدلت مواقع الحزبين الأكبر مقارنة بالحكومة التي تشكلت عقب انتخابات 2021.
وفي النهاية، تتيح النتائج للأحزاب الثلاثة إعادة جمع أغلبية معروفة، لكنها تترك قرار العودة إلى الطاولة معلقًا على استعداد كل طرف لتقديم تنازلات بعد معركة انتخابية لم تخلُ من الاتهامات.
اتهامات الحملة تعقد العودة للحكومة
وقبل الاقتراع، اتهم الأحرار شريكه الحكومي باستمالة برلمانيين ومنتخبين وقيادات محلية، وتحدث عن ضغوط وترغيب وترهيب، معتبرًا أن ما جرى تجاوز المنافسة المعتادة بين حزبين يفترض أنهما يعملان داخل ائتلاف واحد.
وفي ردّه، رفض الأصالة والمعاصرة تلك الاتهامات، وقال إن انتقال المنتخبين إلى صفوفه يقوم على حرية الاختيار، مذكّرًا باستقطاب الأحرار برلمانيين من أحزاب أخرى قبل انتخابات 2021، بينهم من غادروا صفوفه.
ولم تبق المواجهة عند حدود البيانات؛ إذ نُقل عن فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية للأصالة والمعاصرة، أنها لا تميل شخصيًا إلى تجديد التحالف مع الأحرار إذا تصدر حزبها الانتخابات.
ومع ذلك، شددت المنصوري على أن القرار النهائي يعود إلى أجهزة الحزب، بما يترك باب التفاوض مفتوحًا، رغم أن موقفها يعكس مقدار التوتر الذي بلغته العلاقة خلال الأسابيع السابقة للاقتراع.
أما عزيز أخنوش، فتجنب خلال الحملة وضع خطوط حمراء مسبقة أمام التحالفات، وربط الحديث عن شكل الأغلبية بنتائج الصناديق؛ وهو موقف يمنح الأحرار مساحة للمشاركة رغم فقدانهم الصدارة.
وبين الموقفين، تتحدد فجوة الثقة التي يتعين على الطرفين التعامل معها: اتهامات تمس أساليب استقطاب المنتخبين من جهة، وحاجة محتملة إلى إدارة مشتركة للحكومة من جهة أخرى.
وفوق ذلك، فإن العودة السريعة إلى الشراكة ستضع الحزبين أمام أسئلة عن الخطاب الذي وجهاه للناخبين، بعدما قدّم كل طرف سلوك الآخر خلال الحملة باعتباره موضع اعتراض سياسي علني.
لذلك، لن يكفي إعلان اتفاق حول المقاعد لتجاوز ما جرى؛ فالاختبار الحقيقي سيكون في صياغة تفاهم يحدد طريقة إدارة الخلافات، ويمنع انتقال حرب البيانات إلى داخل الحكومة المقبلة.
الصدارة الجديدة تغير شروط الشراكة
وفي انتخابات 2021، تصدر الأحرار النتائج وشكل عزيز أخنوش الحكومة بالتحالف مع الأصالة والمعاصرة والاستقلال، لكن اقتراع 2026 قلب الترتيب ومنح الأصالة والمعاصرة المركز الأول بفارق 31 مقعدًا عن حليفه السابق.
وبموجب الفصل 47 من الدستور المغربي، يعيّن الملك من الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب من يتولى تشكيل الحكومة، وعلى أساس نتائجها؛ ما يمنح الحزب الأول موقعًا مختلفًا في المفاوضات.
ومن ثم، لا تمثل العودة المحتملة إلى الائتلاف السابق مجرد تجديد لاتفاق قديم؛ إذ سيفاوض الأصالة والمعاصرة هذه المرة بصفته صاحب الصدارة، فيما يبحث الأحرار شروط المشاركة من المرتبة الثانية.
وفي هذا السياق، ستبرز أسئلة توزيع الحقائب والمسؤوليات وصياغة البرنامج، فضلًا عن طريقة التنسيق بين الأحزاب الثلاثة، وهي ملفات تزداد حساسية عندما تتغير قيادة التحالف بعد ولاية كاملة.
كذلك، يحدد الفصل 88 مسار تنصيب الحكومة أمام مجلس النواب، ما يجعل التوصل إلى تفاهم برلماني خطوة ضرورية قبل الانتقال من الحسابات الانتخابية إلى حكومة قادرة على عرض برنامجها.
لكن الأصالة والمعاصرة سيواجه اختبارًا مزدوجًا: جمع عدد كافٍ من المقاعد، وإقناع شريك هاجمه خلال الحملة بالعمل معه مجددًا، بينما يقرر الأحرار ما يقبلونه داخل التشكيلة الجديدة.
وفي الوقت نفسه، يملك الاستقلال فرصة للتأثير في الصيغة النهائية، لأن مقاعده تجعل التحالف الثلاثي مريحًا عدديًا، بينما يظل اختيار أي تركيبة بديلة مرهونًا بمشاورات لم تحسمها النتائج المؤقتة.
وهكذا، انتهت معركة الصناديق بتقدم الأصالة والمعاصرة، وبدأت معركة أصعب حول الحكومة: هل تُطوى اتهامات الحملة باتفاق واضح، أم تتحول خصومة الحليفين إلى عقبة أمام الأغلبية الجاهزة حسابيًا؟

