أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تراجع معدل الإنجاب إلى 2.33 طفل لكل سيدة عام 2025، مقابل 2.85 عام 2021، فسارعت الحكومة إلى تقديم انخفاض نسبته 18.2% بوصفه ثمرة لسياساتها السكانية.

 

وتجاهلت هذه الرواية سؤالًا يفرض نفسه داخل البيوت: كم أسرة قلصت أحلامها بالإنجاب لأنها لم تعد تستطيع تحمل إيجار المسكن وتكاليف الطعام والتعليم والعلاج، بينما تتحدث الحكومة عن اقترابها من هدف 2.1 طفل؟

 

 

تراجع الخصوبة ليس إنجازًا منفردًا

 

وفي هذا السياق، يضع الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع، انخفاض الإنجاب ضمن التحول الديموغرافي الذي تمر به مجتمعات عديدة، بما يهدم محاولة تصوير الرقم المصري كاستثناء صنعته البرامج الحكومية وحدها.

 

فالتغير في حجم الأسرة يحدث مع تبدل أنماط الزواج والتعليم والعمل وتكاليف الحياة، ولا يكفي إعلان تراجع المؤشر لإثبات أن حملات التوعية هي العامل الحاسم أو قياس نصيب كل عامل من هذا التحول.

 

كما أظهر المسح انخفاض إنجاب المراهقات دون العشرين إلى 34.6 مولودًا لكل ألف سيدة، مقابل 50 عام 2021، وهو تحسن يستحق التوقف عنده بعيدًا عن اختزال أحوال الفتيات في خانة واحدة.

 

لكن الرقم لا يجيب وحده عن مصير الفتيات اللاتي يغادرن التعليم، أو ظروف زواجهن، أو مدى قدرتهن على الحصول على خدمات صحية آمنة، وهي أسئلة يتجاوزها مشهد الاحتفال الرسمي.

 

وبالمثل، لا يفسر وصول معدل الإنجاب إلى 2.33 طفل ما إذا كانت الأسر اختارت العدد الذي تريده فعلًا، أم اضطرت إلى تعديل رغباتها أمام عجز الأجور عن ملاحقة الأسعار.

 

ومن جهة أخرى، يسجل المسح تفاوتًا حادًا بين المناطق؛ إذ يبلغ المعدل 3.2 مولود في ريف الوجه القبلي، مقابل 1.68 في حضر الوجه البحري، بما يفضح محدودية الحديث عن تجربة مصرية واحدة.

 

لهذا تبدو الدعاية لرقم وطني موحد أداة مريحة لإخفاء الفوارق في الخدمات والدخل وفرص التعليم، بينما يحتاج تفسير الإنجاب إلى فهم شروط الحياة في كل منطقة، لا تعميم شعار واحد عليها.

 

وعلى نطاق أوسع، يحذر صندوق الأمم المتحدة للسكان من تحويل معدلات الخصوبة إلى غاية مستقلة، لأن المعيار الأجدى هو قدرة الأفراد على تقرير عدد أطفالهم وتوقيت إنجابهم بحرية وأمان اقتصادي.

 

 

الغلاء يشارك الحكومة صناعة الأرقام

 

وفي قلب هذه المعادلة، ترى الدكتورة سهر الدماطي، الخبيرة الاقتصادية والمصرفية، أن الضغوط المباشرة على ميزانية الأسرة أصبحت من أقوى دوافع تنظيم الإنجاب، بعيدًا عن احتكار الحملات الحكومية تفسير تراجع المواليد.

 

فالأبوان لا يحسبان عدد الأطفال بمعزل عن فاتورة الطعام وإيجار الشقة ومصروفات المدرسة؛ وكل زيادة في هذه البنود تضيق المساحة المتاحة لطفل جديد، مهما بدا قرار الإنجاب خاصًا داخل الأسرة.

 

وبينما يحتفي المسؤولون بانخفاض المتوسط، يظل السؤال الغائب هو مقدار ما يدفعه الناس من جودة حياتهم للحفاظ على أسرة صغيرة، في بلد تتقدم فيه كلفة الخدمات على نمو الدخول.

 

وفوق ذلك، ترتبط بداية تكوين الأسرة نفسها بالقدرة على الزواج والسكن؛ وكلما تعذر العثور على مسكن ملائم وتأمين دخل مستقر، تأخر الزواج والإنجاب، من دون تدخل مباشر من برنامج سكاني.

 

وقدمت دراسة اقتصادية منشورة عام 2026 عن سوق الإيجارات المصرية دليلًا على هذه الصلة؛ إذ ربطت إتاحة السكن في تجربة تاريخية بتبكير الزواج وزيادة احتمالات الإنجاب لدى الفئات التي شملتها.

 

غير أن تلك الدراسة لا تقيس أسباب التراجع بين 2021 و2025، لكنها تضع السكن ضمن العوامل التي يستحيل شطبها حين تنسب الحكومة تغير قرارات الأسر إلى برامج تنظيم الأسرة وحدها.

 

كذلك أظهر مسح دولي لصندوق الأمم المتحدة للسكان أن 39% من المشاركين في 14 دولة قالوا إن القيود المالية أثرت أو ستؤثر في قدرتهم على بلوغ حجم الأسرة الذي يريدونه.

 

ومن ثم، يصبح الاحتفال بانخفاض الإنجاب من دون السؤال عن حرية الاختيار احتفالًا بضيق الخيارات نفسها؛ فالأسرة التي تؤجل طفلًا خشية تكاليفه لا تحصل بالضرورة على حياة أفضل.

 

 

مؤشرات الرعاية تفضح الصورة الوردية

 

وفي الملف الصحي، يشدد الدكتور عمرو حسن، أستاذ أمراض النساء والتوليد، على ضرورة تحسين جودة خدمات الولادة وتوفير الفرق الطبية ووسائل تخفيف الألم، وسط استمرار الارتفاع الكبير في العمليات القيصرية.

 

فقد ارتفعت نسبة الولادات القيصرية إلى 79.3% عام 2025، بعد أن بلغت 72.2% عام 2021؛ وهي قفزة يصعب دفنها تحت أرقام الرعاية المنتظمة والولادات داخل المنشآت الصحية.

 

ورغم حصول 92.4% من السيدات على رعاية حمل منتظمة، وولادة 98% تحت إشراف مقدم خدمة مؤهل، فإن كثرة الوصول إلى الخدمة لا تثبت وحدها جودة القرار الطبي أو سلامة التجربة.

 

والأشد دلالة أن معدل وفيات الأطفال دون الخامسة ظل عند 29 حالة لكل ألف مولود حي بين المسحين، بينما تسلط الحكومة الضوء على تراجع الخصوبة كأنه حكم شامل بتحسن أحوال الأسر.

 

وفي تنظيم الأسرة، ارتفعت نسبة استخدام الوسائل إلى 82% مقابل 80.2% عام 2021، لكن الحاجة غير الملباة صعدت أيضًا من 13.8% إلى 16.2%، بما يضع فجوة الخدمة أمام احتفالات الإنجاز.

 

وإذا كانت الحكومة تقيس النجاح بالوصول إلى عتبة 2.1 طفل، فإن ارتفاع الحاجة غير الملباة يحاسبها على معيار آخر: هل تملك كل سيدة الوسيلة التي تريدها والمعلومة التي تحتاج إليها؟

 

وهنا يظهر التناقض بين زيادة استخدام الوسائل واتساع احتياجات لم تجد استجابة؛ إذ لا يمكن الاكتفاء بملاحقة هدف الإنجاب العددي فيما تظل سيدات بحاجة إلى وسيلة مناسبة وخدمة مستمرة.

 

أما انخفاض عدد المناطق المصنفة رسميًا بأنها الأعلى ضغطًا سكانيًا، فلا يغني عن نشر صورة واضحة للخدمات المتاحة فيها، ومستوى معيشة الأسر، ومدى تحسن فرص الأطفال الذين ولدوا بالفعل.

 

لذلك يظل السؤال الأصعب خارج منصة المؤتمر: هل تراجع الإنجاب لأن الحياة صارت أيسر والاختيار صار أوسع، أم لأن الأسرة المصرية باتت تخشى ثمن طفل جديد فوق أعبائها القائمة؟