يتواصل إغلاق المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل أمام المصلين المسلمين، بالتزامن مع الأعياد اليهودية، في وقت دخل فيه منع رفع الأذان داخل الحرم يومه التسعين، وسط تصاعد الإجراءات الإسرائيلية التي تطال المسجد ومحيطه والعاملين فيه.
وتغلق سلطات الاحتلال الإسرائيلي الحرم الإبراهيمي لليوم الثاني على التوالي، بذريعة حلول يوم الغفران اليهودي، فيما مُنع موظفو الأوقاف وسدنة المسجد من دخوله، بالتزامن مع فتح الموقع أمام المستوطنين لإقامة الطقوس والاحتفالات الدينية.
ويقع المسجد الإبراهيمي في البلدة القديمة بمدينة الخليل، وهي المنطقة التي تخضع لسيطرة إسرائيلية، وتشهد خلال الأعياد اليهودية إجراءات أمنية مشددة وقيودًا على حركة السكان الفلسطينيين، بما في ذلك فرض حظر للتجول وإغلاق الطرق والمداخل المؤدية إلى المسجد والأسواق المحيطة به.
إغلاق الحرم بالتزامن مع الأعياد
وقال مدير المسجد الإبراهيمي الشيخ معتز أبو سنينة، إن سلطات الاحتلال قررت إغلاق الحرم اعتبارًا أول أمس الأحد وحتى نهاية يوم الاثنين، بمناسبة يوم الغفران اليهودي، ومنعت الموظفين والسدنة من الوصول إليه.
ويأتي الإغلاق الحالي بعد أيام قليلة من إغلاق مماثل، إذ أغلقت قوات الاحتلال الحرم في 16 سبتمبر وحتى مساء اليوم التالي، بالتزامن أيضًا مع الأعياد اليهودية، وفرضت إجراءات عسكرية مشددة في محيط البلدة القديمة.
وشملت تلك الإجراءات إغلاق حواجز وبوابات إلكترونية وطرق مؤدية إلى أسواق البلدة القديمة، الأمر الذي انعكس على حركة السكان والطلبة والموظفين، وأعاق الوصول إلى المؤسسات التعليمية الواقعة في المنطقة.
وأدت القيود آنذاك إلى توقف العملية التعليمية بالكامل في المدرسة الإبراهيمية الأساسية للبنين، بينما واجهت الدراسة في مدرسة الفيحاء الأساسية للبنات صعوبات، نتيجة تعذر وصول الطلبة وأعضاء الهيئات التدريسية إليها في ظل الإجراءات العسكرية المفروضة على المنطقة.
ولا ينفصل الإغلاق الحالي عن نمط أوسع من القيود المفروضة على الحرم الإبراهيمي منذ سنوات، والتي ازدادت حدتها بعد اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر 2023.
منع الأذان يدخل يومه التسعين
وبالتزامن مع الإغلاق، يستمر منع رفع الأذان في المسجد الإبراهيمي لليوم التسعين على التوالي، في إجراء قالت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية إنه يأتي ضمن سلسلة من القيود المفروضة على الحرم والمصلين.
وبحسب الوزارة، بدأ المنع المتواصل لرفع الأذان في 21 يونيو/حزيران الماضي، بعدما كانت سلطات الاحتلال قد منعت رفع الأذان في مناسبات وأوقات متعددة قبل أن يتحول الإجراء إلى منع مستمر.
وكانت وزارة الأوقاف قد أعلنت في مطلع سبتمبر الجاري أن سلطات الاحتلال منعت رفع الأذان لأكثر من 350 وقتًا خلال أول 70 يومًا من المنع المتواصل.
وخلال أغسطس الماضي وحده، وثقت الوزارة منع رفع الأذان في الحرم الإبراهيمي 155 وقتًا، بما يعكس حجم القيود المفروضة على إقامة الشعائر الإسلامية في المسجد.
وتقول الجهات الفلسطينية إن منع الأذان لا يأتي منفصلًا عن إجراءات أخرى تستهدف الوصول إلى الحرم واستخدامه، إذ تترافق القيود على الشعائر مع إغلاقات متكررة وتشديد على المصلين والعاملين في الأوقاف.
كما أدت الإجراءات الأمنية إلى تقليص أعداد المصلين الذين يتمكنون من الوصول إلى الحرم، في ظل انتشار الحواجز والبوابات الإلكترونية والقيود على حركة الفلسطينيين في البلدة القديمة.
تقسيم الحرم منذ مجزرة 1994
ويرتبط الوضع الحالي في الحرم الإبراهيمي بإجراءات فرضتها سلطات الاحتلال بعد المجزرة التي وقعت داخله في فبراير 1994، عندما أطلق المستوطن باروخ غولدشتاين النار على المصلين، ما أدى إلى استشهاد 29 فلسطينيًا وإصابة عشرات آخرين.
وعقب المجزرة، شكّلت لجنة إسرائيلية للتحقيق في الحادث، وأقرت ترتيبات جديدة لتنظيم الدخول إلى الحرم، تضمنت منع المسلمين من دخول أجزاء منه خلال عدد من الأعياد اليهودية، ومنع اليهود في المقابل من دخوله في مناسبات إسلامية.
لكن هذه الترتيبات أدت عمليًا إلى تقسيم الحرم وفرض قيود دائمة على استخدامه، إذ استحوذت سلطات الاحتلال على نحو ثلثي مساحة المسجد وحولته إلى كنيس يهودي، بينما بقي الجزء الآخر مخصصًا للمصلين المسلمين.
وفي الأعياد اليهودية، تتسع القيود لتصل إلى إغلاق الحرم بالكامل أمام المسلمين، كما هو الحال في الإغلاق الجاري بالتزامن مع يوم الغفران، في حين يُسمح للمستوطنين بإقامة الطقوس الدينية داخل الموقع.
ومنذ اندلاع الحرب على غزة، تقول الجهات الفلسطينية إن الحرم لم يعد يُفتح بصورة كاملة أمام المسلمين في المناسبات الإسلامية، فيما تكررت عمليات منع الأذان والإغلاق والتضييق على المصلين.
إجراءات تتجاوز منع الصلاة
وتشير المعطيات الفلسطينية إلى أن القيود الإسرائيلية خلال العام الجاري لم تقتصر على إغلاق الحرم أو منع رفع الأذان، بل امتدت إلى جوانب أخرى تتعلق بإدارة الموقع وصيانته.
وكشفت وزارة الأوقاف الفلسطينية عن إغلاق الباب الشرقي للحرم، وفرض قيود على أعمال الترميم والصيانة، إلى جانب التضييق على موظفي الأوقاف والمصلين.
كما تحدثت الوزارة عن إجراءات تتعلق بالمياه والكهرباء، فضلًا عن تغييرات داخلية وخارجية في الموقع، وهو ما أثار مخاوف فلسطينية بشأن طبيعة التغييرات التي تجري داخل واحد من أبرز المواقع الدينية والتاريخية في مدينة الخليل.
وفي يوليو الماضي، أثار إدخال جسور حديدية إلى الصحن المفتوح داخل الحرم ومحاولات تسقيفه اعتراضات فلسطينية رسمية، حيث اعتبرت إدارة الحرم وبلدية الخليل أن هذه الأعمال تمس المعالم التاريخية للموقع، فضلًا عن ارتباطها بصلاحيات الجهات الفلسطينية المشرفة عليه.
وتأتي هذه الإجراءات في ظل واقع أمني معقد في البلدة القديمة، التي تشهد انتشارًا عسكريًا إسرائيليًا ووجودًا للمستوطنين، الأمر الذي يجعل الوصول إلى الحرم مرتبطًا في كثير من الأحيان بالقيود الأمنية المفروضة على السكان.
حماس تندد بإغلاق الحرم
وفي ظل الإغلاق الحالي، اعتبرت حركة حماس أن إغلاق سلطات الاحتلال الحرم الإبراهيمي أمام المصلين المسلمين، بالتزامن مع الأعياد اليهودية وفتحه أمام المستوطنين لإقامة الطقوس والاحتفالات، يمثل اعتداءً على حرمة المسجد وهويته.
وقالت الحركة، في تصريح صحفي، إن الإغلاق يأتي ضمن ما وصفته بسياسة ممنهجة تستهدف المقدسات الإسلامية وتسعى إلى فرض وقائع جديدة عليها.
وحذرت حماس من استمرار ما وصفته بالانتهاكات الإسرائيلية بحق المقدسات، وفي مقدمتها المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي، داعية جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والقوى الفاعلة في الدول العربية والإسلامية إلى التحرك لوقف هذه الإجراءات.
وطالبت الحركة بضمان وصول المسلمين إلى مقدساتهم وتمكينهم من أداء شعائرهم فيها، مؤكدة أن الإجراءات الإسرائيلية، من وجهة نظرها، لن تغير هوية المقدسات الإسلامية والمسيحية.
كما شددت على تمسك الفلسطينيين بأرضهم ومقدساتهم وحقهم في تقرير المصير.

