تفتح أرقام التجارة الدولية ملفًا شديد الحساسية حول مصير الأخشاب الناتجة عن قطع الأشجار في مصر، بعدما سجلت إسرائيل واردات من الفحم الخشبي المصري خلال الفترة من 2022 إلى 2024 بكميات تجاوزت 19 مليون كيلوجرام، وبقيمة قاربت 15 مليون دولار.
وتضع هذه الأرقام الجهات المسؤولة أمام أسئلة صعبة لا يمكن تجاوزها ببيانات عامة أو تصريحات مؤقتة، لأن كل شجرة مقطوعة تتحول إلى خشب له وزن وسعر ومشترٍ، وقد ينتهي جزء منه إلى صناعة الفحم أو الأخشاب أو التصدير.
وبحسب بيانات التجارة الدولية، بلغت الواردات الإسرائيلية من الفحم الخشبي المصري في 2022 نحو 5 ملايين و489 ألف كيلوجرام، بقيمة وصلت إلى 4.16 مليون دولار، ثم ارتفعت في 2023 إلى نحو 6.06 مليون كيلوجرام بقيمة 4.71 مليون دولار.
لكن الكمية زادت بصورة أكبر خلال 2024، بعدما سجلت إسرائيل واردات بلغت نحو 7 ملايين و916 ألف كيلوجرام، أي قرابة 7.9 آلاف طن، بقيمة قاربت 6 ملايين دولار، في وقت سجلت البيانات المصرية كمية أقل بكثير.
أرقام إسرائيل تضع الحكومة أمام الحساب
ويقول الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية والأراضي بكلية الزراعة في جامعة القاهرة، إن الأشجار المعمرة لا يمكن تعويضها بسهولة، لأن جذورها تصل إلى أعماق كبيرة وتؤدي وظائف بيئية لا توفرها الشتلات الصغيرة.
كما يعارض نور الدين التعامل مع الأشجار باعتبارها عائقًا أمام مشروعات الطرق والتطوير، مؤكدًا أن الشتلات الجديدة تحتاج إلى ري مستمر سنوات طويلة، وقد تتعرض نسبة منها للموت بسبب ضعف الرعاية أو عدم ملاءمة المكان.
وبينما تتحدث الجهات الحكومية عن زراعة أشجار بديلة، يرى أستاذ الزراعة أن استبدال شجرة عمرها عشرات السنوات بشتلة صغيرة لا يعوض الظل أو خفض الحرارة أو قدرة الجذور على الوصول إلى المياه الجوفية.
وتزداد خطورة الملف عندما تظهر قيمة مالية مباشرة للأخشاب المقطوعة، فالأشجار الحكومية لا تختفي بعد سقوطها، بل تتحول إلى أطنان يمكن تقييمها وطرحها في مزادات عامة وبيعها لشركات متخصصة.
وفي إبريل 2022 طرحت هيئة المجتمعات العمرانية بيع أشجار خشبية على مساحة 500 فدان في الغابة الشجرية بمدينة حدائق أكتوبر، بينها أشجار كافور وكازورينا، مع تحديد جلسة للمزاد خلال مايو من العام نفسه.
كما طرحت هيئة نظافة وتجميل القاهرة في أغسطس 2025 مزايدة لبيع ناتج أخشاب الأشجار الجافة المقطعة داخل المشاتل والمحاور، وهو إجراء يثبت أن الأخشاب الناتجة عن أعمال القطع لها سوق وقيمة مالية معلنة.
وفي ديسمبر 2025 باع جهاز مدينة العاشر من رمضان أخشاب أشجار في مزاد علني بسعر 4970 جنيهًا للطن، وبلغت حصيلة العملية نحو 5.467 مليون جنيه، بما يؤكد أن الأشجار بعد قطعها تدخل حسابات مالية واضحة.
لكن وجود المزادات لا يجيب عن الأسئلة الأهم، إذ يجب إعلان كمية الأخشاب الناتجة عن كل مشروع، واسم الجهة التي تسلمتها، وسعر البيع، واسم المشتري، ومصير الأموال التي دخلت خزينة الجهة المالكة.
الأخشاب الحكومية تتحول إلى سلعة
ويحذر الدكتور خالد فهمي، وزير البيئة الأسبق، من القطع الجائر للأشجار، معتبرًا الغطاء الشجري في مصر موردًا نادرًا لا يجوز التعامل معه كمنظر تجميلي يمكن تعويضه بمجرد زراعة أعداد جديدة.
كما ينتقد فهمي ضعف الالتزام العملي بدراسات التقييم البيئي، ويرى أن مشروعات الطرق والنقل يجب أن تبحث حلولًا هندسية تقلل عدد الأشجار المزالة بدلًا من اعتبار القطع خيارًا سهلًا وسريعًا.
وبحسب رؤيته، فإن الأزمة ليست في رفض التطوير، وإنما في غياب التوازن بين تكلفة المشروع وقيمة رأس المال الطبيعي، خصوصًا أن الشجرة الناضجة تقدم خدمات بيئية واقتصادية تمتد لعشرات السنين.
وتتعارض هذه الرؤية مع أسلوب إداري يكتفي بالإعلان عن تعويض الأشجار بأعداد مضاعفة، لأن العدد وحده لا يعكس عمر الأشجار المزالة ولا حجم الظل الذي فقدته الشوارع ولا كلفة رعاية البدائل.
وفي 2024 سجلت بيانات التصدير المصرية نحو 1.487 مليون كيلوجرام من الفحم الخشبي إلى إسرائيل، بقيمة تقارب 1.64 مليون دولار، بينما سجلت البيانات الإسرائيلية نحو 7.917 مليون كيلوجرام.
وتتجاوز الفجوة بين الرقمين خمسة أضعاف تقريبًا، وهي فجوة تحتاج إلى تفسير رسمي مفصل، لأن اختلاف التوقيت أو التقييم الجمركي أو بلد الشحن لا يبرر تلقائيًا تجاهل الفرق الكبير.
وقد تحدث فروق بين بيانات المصدر والمستورد بسبب اختلاف قواعد التسجيل، أو إعادة التصدير، أو إدراج شحنات وصلت خلال فترة مختلفة، لكن تحديد السبب يحتاج إلى مستندات جمركية وقوائم شحن واضحة.
ومن ثم لا يجوز استخدام الرقم الإسرائيلي وحده لإثبات أن أشجار شوارع القاهرة تحولت إلى فحم مصدر، كما لا يجوز في المقابل تجاهل الرقم أو اعتباره مجرد خطأ بلا تحقيق محاسبي.
الشفافية الغائبة تعيد فتح الملف
ويؤكد الدكتور مجدي علام، مستشار مرفق البيئة وأمين الاتحاد العالمي لخبراء البيئة العرب، رفضه قطع أي شجرة داخل مشروعات التشجير، مطالبًا بحماية كل مساحة خضراء وعدم السماح بقرارات عشوائية.
كما يضع علام موقفه في مواجهة السياسات التي تبدأ بالمنشار قبل دراسة البدائل، لأن اختيار مسار الطريق أو المحور يمكن أن يتغير أحيانًا لحماية الأشجار الناضجة بدلًا من إزالتها.
وتطرح هذه المواقف سؤالًا مباشرًا حول أسباب قطع الأشجار في جامعة الدول العربية وميدان مصطفى محمود والزمالك ومصر الجديدة وغيرها، وهل كانت الإزالة ضرورة فنية حقيقية أم نتيجة تصميمات لم تضع الأشجار في حساباتها.
وبعد صدور قرارات بوقف القطع إلا للضرورة، يبقى ملف الماضي مفتوحًا، لأن وقف الإزالة مستقبلاً لا يفسر أين ذهبت الأشجار التي قطعت بالفعل، ومن حصل على أخشابها، وكيف جرى التصرف فيها.
وإذا كانت الأخشاب بيعت في مزادات، فمن حق الناس معرفة أرقام المزادات وكمياتها وأسعارها وأسماء الشركات التي رست عليها العمليات، إضافة إلى إيصالات توريد الحصيلة المالية للجهات المختصة.
أما إذا دخلت الأخشاب مصانع الفحم، فيجب إعلان أسماء المصانع وكميات الخشب التي استلمتها، ومصدر كل شحنة، ونتيجة التصنيع، والجهة التي اشترت الفحم بعد إنتاجه.
ولا يعني تصدير الفحم المصري إلى إسرائيل أن كل طن مصدر خرج من شجرة حكومية مقطوعة في شارع بعينه، فالفحم قد ينتج من مخلفات زراعية أو مزارع خاصة أو أخشاب جافة.
لكن هذا الاحتمال لا يعفي الجهات المعنية من إعلان خريطة مصادر الأخشاب المستخدمة في الصناعة، ونسبة المخلفات الزراعية إليها، وحجم الأخشاب الناتجة عن إزالة الأشجار الحكومية من إجمالي الخامات.
وتشير تقديرات إعلامية إلى أن صادرات الفحم المصري خلال 2024 بلغت نحو 90 ألف طن، وهي كمية تحتاج إلى مئات الآلاف من الأطنان من الخشب، بحسب معدلات التحويل ونوع الخام ودرجة الرطوبة.
وقد تختلف تقديرات عدد الأشجار المطلوبة وفق وزن الشجرة ونسبة الفاقد، لكن ذلك لا يلغي ضرورة نشر بيانات رسمية تحدد مصادر الخشب بدقة بدلًا من ترك الملف للتخمين والاتهامات.
وفي النهاية، لا تكمن القضية في كون مصر تصدر الفحم، ولا في أن الأخشاب الحكومية تباع بالمزاد، بل في غياب نظام تتبع يربط بين الشجرة ومكان قطعها والجهة التي تسلمت خشبها.
ولذلك تحتاج الدولة إلى قاعدة بيانات معلنة تتضمن عدد الأشجار المزالة وأسباب القطع ووزن الأخشاب وأسماء المشترين والاستخدام النهائي، مع تقييم القيمة البيئية للشجرة قبل السماح بإزالتها.
فالشجرة التي تسقط خلال دقائق قد تحتاج سبعين عامًا حتى تستعيد حجمها ووظيفتها، وما تحصل عليه الخزانة من بيع أخشابها لا يعادل بالضرورة خسائر الظل والهواء والتنوع البيئي.
ومن حق المواطنين أن يعرفوا إن كانت أخشاب الأشجار المقطوعة تحولت إلى فحم أو أثاث أو أخشاب خام، ومن حقهم أيضًا معرفة من اشتراها وكيف خرجت أي منتجات منها إلى الخارج.
وتبقى الفجوة بين 7.9 آلاف طن في السجلات الإسرائيلية و1.49 ألف طن في البيانات المصرية جرس إنذار تجاريًا وبيئيًا، لا يثبت وحده جريمة، لكنه يفرض تحقيقًا شفافًا.
كما أن غياب المستندات يترك الباب مفتوحًا أمام الشائعات، بينما تستطيع الجهات المسؤولة إغلاقه بسهولة عبر نشر الكميات والأسعار وأسماء المتعاملين ومسارات التوريد والتصدير.
وتحتاج مصر إلى سياسة تعتبر الأشجار أصلًا عامًا لا مخلفات قابلة للبيع، وتربط أي قرار إزالة بدراسة فنية معلنة، وتمنع تحول القيمة المالية للخشب إلى حافز غير مباشر لقطع الأشجار.
فالسؤال لم يعد فقط لماذا سقطت الشجرة، بل أين ذهب خشبها، ومن باعه، ومن اشتراه، وكم حصلت الدولة، وهل يساوي المقابل المالي ثمن خسارة عمر أخضر لن يعود بسهولة.

