تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي خروقها لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، عبر القصف المدفعي وإطلاق النار وعمليات النسف والغارات، في وقت صعّد فيه المستوطنون اعتداءاتهم ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة الغربية والقدس المحتلتين تحت حماية عسكرية مباشرة. ويكشف هذا التصعيد المتزامن أن وقف إطلاق النار لا يترجم إلى أمان حقيقي للمدنيين، بينما تتسع دائرة الخطر من غزة المحاصرة إلى مدن وقرى الضفة.
شهيد وقصف متواصل في غزة
استُشهد مواطن فلسطيني، السبت، برصاص قوات الاحتلال في قرية المصدر شرق دير البلح وسط قطاع غزة، وفق ما أفاد به مراسل وكالة «صفا»، وسط إطلاق نار مكثف استهدف المنطقة. وتأتي الجريمة في سياق استمرار الاعتداءات الإسرائيلية رغم الحديث عن وقف لإطلاق النار، إذ يظل المدني الفلسطيني عرضة للاستهداف في المناطق الشرقية والحدودية، دون ضمانات حقيقية تحمي حياته.
وفي شمال القطاع، نفذ جيش الاحتلال عملية نسف ضخمة، بالتزامن مع إطلاق الطيران المروحي الإسرائيلي النار شمال شرقي مدينة غزة وشرقها. كما ألقت طائرة مسيّرة إسرائيلية من طراز «كواد كوبتر» قنابل في محيط مستشفى كمال عدوان، داخل مشروع بيت لاهيا شمالي القطاع، في واقعة جديدة تطال محيط منشأة صحية يفترض أن تحظى بالحماية.
وامتد القصف إلى المناطق الشرقية من قطاع غزة، حيث أطلقت دبابات الاحتلال نيرانها بكثافة، بينما استمر التحليق العسكري وإطلاق النار في مناطق متفرقة. وأفاد مراسل وكالة شهاب بوصول عدد من المصابين إلى المستشفى الكويتي بعد غارة نفذتها طائرة مسيّرة قرب مخيم الأرض الطيبة غربي مدينة خان يونس.
هذه الوقائع تعني أن سكان غزة لا يعيشون هدنة فعلية، بل فترة معلقة بين قصف وآخر، حيث تتحول أي حركة في الشوارع أو محيط المنازل والمستشفيات إلى مخاطرة. فالقصف المدفعي والغارات وعمليات النسف لا يمكن فصلها عن واقع يفرض الخوف الدائم على عائلات أنهكتها الحرب والحصار والنزوح وفقدان الاحتياجات الأساسية.
خان يونس ورفح تحت النار
في جنوب قطاع غزة، شهدت مدينة خان يونس تصعيدًا واسعًا، بعدما أطلقت قوات الاحتلال قنابل إنارة في شارع الطينة جنوبي المدينة، قبل أن تواصل الآليات والدبابات إطلاق النار بكثافة شرق المدينة. كما استهدف قصف مدفعي عنيف المناطق الواقعة شمال شرقي خان يونس، ما أعاد مشاهد الرعب إلى الأهالي الذين لم يحصلوا على فرصة مستقرة لالتقاط أنفاسهم.
وفي رفح، أطلق الطيران المروحي الإسرائيلي نيرانه بكثافة صوب المدينة، في استمرار للضغط العسكري على مناطق الجنوب التي تحولت خلال مراحل الحرب إلى ملاذ قسري لمئات آلاف النازحين. وبينما تتحدث إسرائيل عن ترتيبات أمنية ووقف إطلاق نار، تبقى الوقائع الميدانية أكثر وضوحًا: نيران متواصلة، تحليق كثيف، إصابات، وتهديد دائم للمدنيين.
إن تكرار هذه الخروق لا يبدو حوادث منفصلة، بل نمطًا ثابتًا يسمح للاحتلال بمواصلة فرض قوته العسكرية دون تحمل تبعات حقيقية. فكل غارة أو نسف أو إطلاق نار يضاعف هشاشة الوضع الإنساني، ويضع المستشفيات أمام موجات جديدة من المصابين، في ظل نقص مزمن في الأدوية والوقود والمستلزمات الطبية.
وتزداد خطورة المشهد عندما يطال محيط المستشفيات ومناطق تجمع النازحين، لأن ذلك يحرم المدنيين حتى من المساحات التي يلجأون إليها طلبًا للعلاج أو الأمان. وفي غياب آلية دولية فعالة لوقف هذه الانتهاكات ومحاسبة منفذيها، يصبح وقف إطلاق النار عنوانًا بلا مضمون على الأرض.
المستوطنون يفتحون جبهة الضفة
وبالتوازي مع الاعتداءات على قطاع غزة، صعّد المستوطنون منذ فجر السبت والليلة الماضية هجماتهم في الضفة الغربية والقدس المحتلتين، مستهدفين الفلسطينيين ومنازلهم ومركباتهم وأراضيهم الزراعية، فيما وفرت قوات الاحتلال الحماية اللازمة لتحركاتهم.
في محافظة بيت لحم، رشق مستوطنون مركبات المواطنين بالحجارة قرب بلدة تقوع وعلى الطرق الرئيسية المحيطة بالمحافظة، ما أدى إلى إصابة مواطن وإلحاق أضرار بعدد من المركبات. ولا تقتصر هذه الاعتداءات على التخريب، بل تهدف إلى جعل الطرق الفلسطينية غير آمنة، وفرض واقع يقيّد حركة السكان ويهدد حياتهم اليومية.
وفي رام الله، هاجمت مجموعات من المستوطنين أطراف قرى وبلدات المحافظة، ورشقت المنازل والمركبات بالحجارة. وتزامن ذلك مع اقتحام قوات الاحتلال لقرية اللبن الشرقي وإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع تجاه الأهالي، في مشهد يجمع بين اعتداء المستوطنين والقوة العسكرية للاحتلال.
أما في الخليل، فقد استهدف المستوطنون مساكن الفلسطينيين وخربوا أراضي زراعية ومزروعات في يطا والريحية، بينما أغلقت قوات الاحتلال مداخل المحافظة ونصبت الحواجز والمكعبات الإسمنتية، لتأمين حركة المستوطنين وعرقلة تنقل الفلسطينيين. وفي القدس المحتلة، تستمر التحركات الاستفزازية في التجمعات البدوية شرقي وشمالي المدينة، ضمن سياسة تستهدف تهجير السكان والسيطرة على أراضيهم.
ما يجري في غزة والضفة ليس مسارين منفصلين؛ فالاحتلال يواصل القصف والنسف في القطاع، ويمنح المستوطنين مساحة أوسع للاعتداء والاستيلاء في الضفة. وبينما يدفع الفلسطيني ثمن ذلك شهيدًا أو جريحًا أو نازحًا أو محاصرًا، يبقى الصمت الدولي شريكًا في إطالة هذا الواقع.

