يدفع تصاعد التوتر العسكري في منطقة البحر الأسود فاتورة القمح العالمي إلى مستويات أكثر خطورة بالنسبة لمصر، في وقت تعتمد فيه البلاد على الخارج لتغطية الجزء الأكبر من احتياجاتها، ما يعيد مخاوف ارتفاع أسعار الخبز إلى الواجهة، خصوصا بعدما سجل القمح في بورصة شيكاغو زيادة بلغت نحو 19 في المائة خلال الشهر الحالي، وسط أضرار لحقت بالموانئ ومخازن الحبوب الروسية والأوكرانية.

 

وتزداد حساسية الأزمة مع حصول مصر على أكثر من 82 في المائة من وارداتها من القمح خلال النصف الأول من العام الحالي من روسيا وأوكرانيا، بما يجعل استمرار الهجمات المتبادلة وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين تهديدا مباشرا لفاتورة الاستيراد، حتى إذا حالت الاحتياطيات الحكومية دون ظهور أثر فوري على الخبز المدعم.

 

ولا تقتصر المخاوف على سعر الرغيف الذي يحصل عليه ملايين المواطنين ضمن منظومة الدعم، إذ يمكن أن تنتقل الزيادات بصورة أسرع إلى الخبز الحر ومنتجات الدقيق والمخبوزات، بينما تواجه الأسر بالفعل ضغوطا معيشية تجعل أي زيادة جديدة في أسعار الغذاء أكثر ثقلا على ميزانياتها.

 

 

التأثير مؤجل وليس غائبا

 

يرى أستاذ الاقتصاد الزراعي شريف سمير فياض أن اضطراب إمدادات القمح وارتفاع الأسعار العالمية لن يمر دون تأثير على السوق المصرية، حتى إذا نجح المخزون الاستراتيجي في تأجيل ظهور الأزمة خلال الفترة القريبة المقبلة.

 

ويؤكد فياض أن الخبز غير المدعم هو الأكثر عرضة لانتقال الزيادة إليه، لأن تكلفته ترتبط بصورة أكثر مباشرة بأسعار الدقيق والقمح في الأسواق، على عكس الرغيف المدعم الذي تتحمل الدولة فروق تكلفة إنتاجه ضمن الموازنة العامة.

 

ويحذر فياض من أن استمرار الحرب الروسية الأوكرانية قد يفتح الباب أمام زيادات إضافية، ليس فقط بسبب سعر القمح نفسه، وإنما نتيجة ارتفاع تكاليف النقل البحري والتأمين على السفن والمخاطر المرتبطة بالمرور عبر مناطق تشهد توترات عسكرية.

 

وتكشف هذه المعادلة أن المخزون الاستراتيجي يمنح الحكومة وقتا للحركة لكنه لا يلغي المشكلة، لأن استمرار الأسعار المرتفعة يعني أن أي تعاقدات جديدة قد تحمل الدولة تكلفة أكبر، وهو ما يضغط لاحقا على فاتورة الدعم أو أسعار السوق الحرة.

 

وكانت الحكومة قد رفعت في مايو 2024 سعر رغيف الخبز الشعبي المدعم من 5 قروش إلى 20 قرشا، بينما أشارت إلى أن تكلفة إنتاج الرغيف على الدولة تبلغ نحو 1.25 جنيه، وهو ما يوضح اتساع الفارق الذي تتحمله الموازنة.

 

وفي دولة يستهلك سكانها نحو 270 مليون رغيف يوميا، وفقا لما أعلنه رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في مارس الماضي، تتحول أي زيادة محدودة في تكلفة إنتاج الرغيف إلى مليارات إضافية عند حسابها على إجمالي الاستهلاك السنوي.

 

 

مخزون الحكومة أمام اختبار الحرب

 

تحاول الحكومة تقليل المخاطر عبر زيادة الإنتاج المحلي وخفض الواردات، إذ أعلن وزير الزراعة علاء فاروق في يونيو الماضي انخفاض واردات مصر من القمح إلى نحو 12.5 مليون طن خلال العام المالي الحالي، مقارنة بنحو 13.2 مليون طن في العام السابق.

 

ويعني ذلك تراجع الواردات بنحو 700 ألف طن، إلا أن حجم الاعتماد على الأسواق الخارجية يظل مرتفعا، خاصة مع استهلاك مصر نحو 20 مليون طن من القمح سنويا واستيراد ما يقارب 65 في المائة من احتياجاتها وفق التقديرات الرسمية.

 

ويعتبر فياض أن المخزون الاستراتيجي وزيادة الإنتاج المحلي يمثلان خط دفاع أساسيا في مواجهة اضطرابات الإمدادات، لكنه يشير إلى أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يضعف تأثير هذه الإجراءات مع توالي التعاقدات الجديدة بأسعار وشروط شحن أعلى.

 

كما يرى أن الاتفاقيات المصرية الروسية لاستيراد القمح قد تمنح القاهرة قدرا من الاستقرار في الإمدادات، غير أن الأسواق العالمية تظل مترابطة، وبالتالي فإن أي اضطراب واسع في البحر الأسود يمكن أن يرفع تكاليف الشحن والمخاطر حتى مع استمرار التعاقدات.

 

وفي المقابل، أعلنت بيانات حكومية أن إنتاج مصر من القمح خلال موسم 2026 بلغ نحو 10.2 مليون طن، وفقا لتقرير لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة نشره المركز الإعلامي لمجلس الوزراء.

 

ورغم أهمية هذا الرقم، فإنه يظل أقل من حجم الاستهلاك المحلي، ما يعني استمرار الحاجة إلى ملايين الأطنان المستوردة سنويا، وبالتالي استمرار تعرض السوق المصرية لتقلبات الأسعار والصراعات التي تقع خارج حدودها.

 

 

الخبز الحر أول الضحايا

 

ويقلل رئيس شعبة المخابز في الاتحاد العام للغرف التجارية عبد الله غراب من احتمالات حدوث تأثير فوري على سعر رغيف الخبز، مستندا إلى وجود مخزون استراتيجي من القمح يكفي احتياجات البلاد لعدة أشهر.

 

ويؤكد غراب أن هذا المخزون يمنع حاليا انتقال اضطرابات الإمدادات إلى رغيف الخبز، إلا أن تطمينات المدى القصير لا تحسم ما قد يحدث إذا طال أمد الأزمة واستمرت الأسعار العالمية عند مستويات مرتفعة.

 

ويظهر الاختلاف بين رؤية غراب وتحذيرات فياض أن الخلاف ليس حول وجود المخزون، وإنما حول المدة التي يستطيع خلالها عزل السوق المصرية عن الارتفاعات الخارجية، وما إذا كانت الدولة ستتمكن من تجديد احتياطياتها بالشروط نفسها.

 

ويظل الخبز غير المدعم الأكثر هشاشة أمام هذه التحولات، إذ لا توجد آلية حكومية تتحمل فروق تكلفته بالطريقة نفسها المطبقة على الخبز المدعم، ولذلك يمكن أن تنتقل إليه زيادة أسعار الدقيق والطاقة والنقل بصورة أسرع.

 

كما يمكن أن تمتد الأزمة إلى المكرونة والمخبوزات والحلويات وغيرها من المنتجات التي يدخل الدقيق في تصنيعها، ما يوسع نطاق التأثير من رغيف الخبز إلى سلة غذائية كبيرة تعتمد عليها الأسر بصورة يومية.

 

وتكشف الأزمة مجددا خطورة اعتماد مصر على عدد محدود من أسواق القمح، خصوصا روسيا وأوكرانيا، لأن أي تصعيد في البحر الأسود يتحول بسرعة من خبر عسكري بعيد إلى تكلفة غذاء داخل كل منزل مصري.

 

وفي النهاية، قد يحمي المخزون الاستراتيجي الرغيف المدعم مؤقتا، لكن استمرار ارتفاع الأسعار واضطراب الملاحة يضع الحكومة أمام معادلة صعبة، إما زيادة تكلفة الاستيراد والدعم، أو انتقال جزء أكبر من الفاتورة إلى المستهلك.