أثار اعتذار عدد من معلمي الدروس الخصوصية عن تدريس مقررات البكالوريا المصرية للصف الثاني الثانوي خلال العام الدراسي 2026-2027 جدلا واسعا بين المعلمين والطلاب وأولياء الأمور، خصوصا مع اقتراب بدء العام الدراسي في 12 سبتمبر المقبل. وأرجع بعض المعلمين قرارهم إلى تأخر إتاحة المناهج، وضيق الوقت المتاح للاستعداد، وعدم وضوح بعض التفاصيل المتعلقة بالمحتوى وترابطه مع ما درسه الطلاب سابقا.
وتأتي هذه الاعتذارات في ظل تطبيق نظام البكالوريا المصرية، الذي يستهدف إعادة صياغة المرحلة الثانوية والانتقال من الاعتماد الأكبر على الحفظ والتلقين إلى تنمية المهارات الفكرية والنقدية والتعلم متعدد التخصصات والتقييم المستمر. ووفقا للقرار المنظم للنظام، تمتد الدراسة ثلاث سنوات، وتُحتسب المواد المؤهلة للشهادة على الصفين الثاني والثالث الثانوي، مع إتاحة فرص متعددة للامتحان.
ويقوم النظام، وفقًا لوزارة التعليم، على مسارات تخصصية، من بينها الطب وعلوم الحياة، والهندسة وعلوم الحاسب، والأعمال، والآداب والفنون، بما يمنح الطالب مساحة أكبر لاختيار المجال الأقرب إلى ميوله وقدراته.
المعلمون: المناهج جديدة.. والوقت لا يكفي
من بين المعلمين الذين أعلنوا الاعتذار يوسف أحمد، مدرس الدراسات الاجتماعية، الذي أوضح أن تأخر نزول المناهج وضيق الفترة المتاحة للتحضير والإعداد دفعاه إلى الاعتذار، مؤكدا أن تدريس شهادة مثل البكالوريا يحتاج إلى استعداد كامل، وأن مستقبل الطالب لا يحتمل المجاملة.
كما اعتذر إبراهيم أبو الدهب، مدرس اللغة الإنجليزية، عن تدريس منهج الصف الثاني الثانوي، فيما أعلن خالد محمد، مدرس الكيمياء، اعتذاره أيضا، مشيرا إلى تأخر إتاحة المناهج وضيق الوقت وعدم وضوح الرؤية بصورة كاملة بشأن الموضوعات وترابطها مع ما سبق أن درسه الطالب.
ويبرز في مواقف هؤلاء المعلمين عامل مشترك: الخوف من دخول العام الدراسي قبل امتلاك الوقت الكافي لفهم المنهج وإعداد خطة تدريس مناسبة له. ويقول أحد المعلمين إن الطالب يستحق مدرسا يدخل الحصة وهو مستعد بنسبة 100%، كما أن نظام البكالوريا لا يقدم خدمة تعليمية مكتملة.
أبناؤنا ليسوا حقل تجارب
أما أولياء الأمور، فتبدو مواقفهم أكثر ارتباطا بالقلق على مستقبل أبنائهم.
يقول ولي الأمر محمد: "نحن مع تطوير التعليم، لكننا نرفض أن يتحول أبناؤنا إلى حقل تجارب لكل نظام جديد. الثانوية مرحلة مصيرية، وأي ارتباك في المناهج أو الامتحانات ينعكس مباشرة على مستقبل الطالب. المطلوب هو الاستقرار لسنوات، وليس تغيير النظام كل فترة".
ويضيف ولي الأمر أحمد أن "أكثر ما يخيفني هو أن تتكرر التجارب التعليمية دون تقييم حقيقي لنتائج التجارب السابقة. الطالب وأسرته يتحملان تكلفة كل تغيير، سواء في الدروس أو الكتب أو الوقت والجهد. وإذا كان النظام الجديد يحتاج إلى سنوات حتى يستقر، فمن يتحمل تبعات هذه المرحلة الانتقالية؟".
أما ولي الأمر محمود فيؤكد "أننا لا نريد لأبنائنا أن يدخلوا الجامعة وهم ضحايا لقرارات متغيرة. الإصلاح مطلوب، لكن يجب أن يسبقه إعداد للمعلمين، وتجهيز للمناهج، وتجربة حقيقية ومعلنة، ثم تطبيق تدريجي. مستقبل الطلاب لا يحتمل أن تبدأ الدولة بنظام ثم تعدله بعد عام أو تستبدله بنظام آخر".
الطلاب: نعيش حالة من عدم الاستقرار
أما الطلاب فيرون أنهم يعيشون حالة من عد الاستقرار وأن كثرة تغيير أنظمة التعليم يضعهم في حالة إرباك ويجعلهم أول من يدفع الثمن.
يقول الطالب أحمد، الصف الثاني الثانوي: "أكثر ما يقلقني أن نكون نحن الطلاب أول من يدفع ثمن تجربة جديدة. كل تغيير في النظام يعني طريقة جديدة للمذاكرة والامتحانات، ونحن في النهاية أمام مرحلة تحدد مستقبلنا الجامعي. لا أرفض تطوير التعليم، لكنني أخشى أن يكون التطوير على حساب دفعتنا".
ويضيف الطالب يوسف، الصف الثاني الثانوي: "أشعر أن كثرة تغيير أنظمة الثانوية العامة تجعلنا نعيش في حالة من عدم الاستقرار. في كل عام نسمع عن نظام جديد ومناهج مختلفة وطريقة امتحان مختلفة، بينما المطلوب منا أن نحقق نتائج تؤهلنا للجامعة. أخشى أن نكتشف بعد بدء الدراسة أن هناك مشكلات لم تكن محسوبة".
وتتساءل الطالبة مريم، الصف الثاني الثانوي: "البكالوريا قد تكون فكرة جيدة، لكن تطبيقها في توقيت قصير يجعلني قلقة. نحن لا نعرف بشكل كاف كيف ستكون الدراسة والامتحانات؟ وهل المعلمون مستعدون للمناهج الجديدة؟ أخشى أن تؤدي التجربة إلى تراجع مستوانا أو ضياع وقتنا، خصوصا أن أي خطأ في المرحلة الثانوية قد يؤثر في اختيار الكلية والمستقبل كله».
الخوف الأكبر: تكرار التجارب بدل بناء نظام مستقر
وتجمع هذه الآراء على أن المشكلة ليست بالضرورة في فكرة البكالوريا نفسها، وإنما في كثرة التغييرات التي شهدها التعليم المصري خلال السنوات الأخيرة. فالطلاب وأسرهم يريدون نظاما واضحا ومستقرا يمكن التخطيط على أساسه، بينما يخشون أن تؤدي التجارب المتتابعة إلى خلق حالة من الارتباك، خصوصا لدى دفعات تكون أول من يختبر النظام الجديد.
ويطالب المنتقدون بأن يكون أي إصلاح تعليمي قائما على دراسة نتائج التجارب السابقة، وتأهيل المعلمين، وتوفير المناهج مبكرا، وإعلان قواعد الامتحانات بوضوح، ومنح الطلاب فترة كافية للتكيف، حتى لا يتحول هدف تطوير التعليم إلى مخاطرة بمستقبل جيل كامل.
فالطلاب ليسوا أرقاما في جداول التجارب، والثانوية ليست مرحلة يمكن تعويضها بسهولة؛ إنها بوابة تحدد إلى حد كبير المسار الجامعي والمهني، ولذلك فإن الاستقرار والوضوح يجب أن يكونا جزءا أساسيا من أي إصلاح تعليمي.
تجاهل إعداد المعلم
وفي قراءة مختلفة للظاهرة، يرى الدكتور تامر شوقي، الخبير التربوي وأستاذ كلية التربية بجامعة عين شمس، أن اعتذار بعض المعلمين عن تدريس مقررات البكالوريا لا يعني تلقائيا أن المناهج صعبة أو غير مناسبة للطلاب.
ويشير شوقي إلى ضرورة التمييز بين المعلمين التربويين المتخصصين والمعلمين العاملين في مراكز الدروس الخصوصية، موضحا أن بعض المعتذرين قد لا يكونون من خريجي كليات التربية، وبالتالي قد يفتقدون الإعداد الأكاديمي والتخصصي اللازم للتعامل مع المناهج الجديدة. ويرى أن الاعتذار، في هذه الحالة، قد يعكس مدى جاهزية المعلم وقدراته العلمية والتخصصية أكثر مما يعكس مستوى صعوبة المنهج نفسه.
وبذلك، تتقاطع الأزمة عند نقطة أكثر عمقا: هل جرى إعداد المنظومة البشرية بالقدر نفسه الذي جرى به إعداد المناهج؟ فنجاح أي نظام تعليمي لا يعتمد على تصميم المحتوى فقط، وإنما على قدرة المعلم على فهمه وتقديمه، وقدرة الطالب على استيعابه، وثقة الأسرة في مساره.
البكالوريا وواقع التعليم
وتكشف حالة الجدل المصاحبة لتطبيق نظام البكالوريا عن أحد أبرز مخاطر القرارات التعليمية المتعجلة: نقل نظام جديد إلى أرض الواقع قبل اكتمال أدواته وشروط نجاحه. فالتغيير في نظام الثانوية لا يتعلق بتعديل المناهج أو شكل الامتحانات فقط، وإنما يمس ملايين الطلاب وأسرهم والمعلمين، ويحتاج إلى دراسات تجريبية كافية، وتأهيل للكوادر، وقياس واضح للنتائج قبل التوسع في التطبيق. أما طرح النظام في ظل حالة من عدم اليقين، فقد يخلق ارتباكا تعليميا تتحمل تبعاته دفعات كاملة من الطلاب.
والأخطر أن كثرة التجارب والتعديلات المتلاحقة قد تفقد العملية التعليمية استقرارها وثقة المجتمع فيها. فالطالب الذي يبدأ مرحلة الثانوية وفق نظام معين يحتاج إلى قواعد ثابتة يستطيع على أساسها التخطيط لمستقبله، بينما يؤدي تغيير القواعد باستمرار إلى زيادة التوتر والاعتماد على الدروس الخصوصية، ويدفع الأسر إلى إنفاق المزيد بحثا عن فهم النظام الجديد والتكيف معه. كما أن أي قصور في إعداد المعلمين أو توفير المناهج والتجهيزات قد يجعل الفجوة بين أهداف البكالوريا وما يحدث فعليا داخل الفصول أكثر اتساعا.
وفي النهاية، فإن إصلاح التعليم لا يمكن أن يقوم على التجربة في مستقبل الطلاب. وإذا كان الهدف من البكالوريا المصرية هو تجاوز أزمات الثانوية العامة وتحسين جودة التعلم، فإن نجاحها يتطلب قرارا مدروسا، وتقييما مستقلا، وتطبيقا تدريجيا، وضمانات واضحة لحماية الطلاب من آثار أي خلل في التنفيذ. أما الانتقال من نظام إلى آخر دون اختبار كاف لقدرته على تحقيق أهدافه، فقد ينتهي إلى إعادة إنتاج المشكلة في صورة جديدة، بينما يواصل مستوى الطلاب التراجع وتتسع الفجوة بين التعليم المصري ومتطلبات المستقبل.

