جددت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية دعوتها الحكومة المصرية إلى وقف جميع الإجراءات والضغوط التي تهدد التراث والهوية الثقافية لدير سانت كاترين والمنطقة المحيطة به في جنوب سيناء، في ظل تجدد مخاوف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» بشأن تهديدات تطال سلامة موقع التراث العالمي وأصالته، نتيجة مساعي الدولة إلى «تطوير» المنطقة وتحويلها إلى مركز سياحي وتجاري.
اليونسكو تطالب مصر بتعليق مشروع «التجلي الأعظم»
اعتمدت اللجنة الحكومية الدولية لحماية التراث الثقافي والطبيعي العالمي التابعة لليونسكو، خلال دورتها السنوية في يوليو الماضي، وبإجماع أعضائها، قرارًا يحث الحكومة المصرية على تعليق مشروع «التجلي الأعظم فوق أرض السلام»، المعروف اختصارًا بـGRLP، إلى حين إجراء تقييم فني شامل لتأثير المشروع على «القيمة العالمية الاستثنائية» لمنطقة سانت كاترين.
وجاء القرار للمرة الثالثة استنادًا إلى تقرير قدمه المجلس الدولي للمعالم والمواقع «إيكوموس» (ICOMOS)، وهو هيئة متخصصة في الحفاظ على التراث الثقافي المادي. وحذر التقرير من أن المكونات التي أُنشئت بالفعل ضمن مشروع «مبادرة التجلي الأعظم فوق أرض السلام» قد تتسبب في آثار سلبية كبيرة ودائمة على سلامة الموقع وأصالته.
كما أوصت لجنة اليونسكو بإيفاد بعثة للرصد التفاعلي لتقييم الإجراءات التي يمكن اتخاذها للحد من الأضرار المحتملة، وشددت على أن الحفاظ على «القيمة العالمية الاستثنائية» لسانت كاترين لا يقتصر على حماية الدير ومنشآته الأثرية، بل يشمل أيضًا كامل المشهد الطبيعي المحيط بالموقع.
وبحسب تقرير اللجنة، أبلغت الحكومة المصرية اليونسكو بأن «توجيهًا» رئاسيًا صدر في سبتمبر 2025 يقضي بوقف مشروع «التجلي الأعظم» إلى حين استيفاء متطلبات تقييم أثر المشروع على التراث. لكن القاهرة لم تصدر أي بيان رسمي بشأن هذا التعليق، كما لم تُخطر به أبرشية سيناء للروم الأرثوذكس المستقلة التي تتولى الإشراف على الدير.
وتثير هذه التطورات تساؤلات جدية حول مدى فعالية ما وصفته الحكومة بأنه «توجيه رئاسي»، خصوصًا أن رئيس جهاز تنمية سيناء أعلن في يونيو الماضي أن نحو 97.5% من المشروع اكتمل. كما أعلنت وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية في تحديث رسمي خلال مايو الماضي أن المشروع دخل مراحله النهائية.
وترى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن هذه التطورات تشير إلى أن آثارًا دائمة على موقع التراث قد وقعت بالفعل، وهو ما يثير الشكوك بشأن قدرة أي قرار لاحق على تعليق المشروع على معالجة الأضرار التي لحقت بالموقع.
ضغوط على الرهبان بشأن ملكية الدير وأراضيه
أعربت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية عن قلق بالغ إزاء شهادات تفيد باستمرار السلطات المصرية في الضغط على قيادة الدير والرهبان للتوقيع على اتفاق يُضفي طابعًا رسميًا على نزع الدولة ملكية الدير والأراضي التابعة له.
ويمنح الاتفاق المقترح الرهبان، بحسب المبادرة، مجرد «حق انتفاع» محدود بالمواقع التي تُصنف باعتبارها ذات طابع «ديني» فقط، وهو ما قد يهدد البيئة المحيطة بالدير ونمط الحياة الرهبانية الذي حافظ عليه الموقع لأكثر من 1400 عام.
وتفيد مصادر مقربة من الدير بأن الحكومة امتنعت عن الاعتراف برئيس الدير الحالي، الذي انتخبته مجمع الآباء في أكتوبر 2025، عبر حجب قرار التعيين الرئاسي المعتاد. وربطت السلطات التصديق على تعيينه بتوقيع الدير على الاتفاق المقترح.
وبموجب هذه الشروط، سيحصل رئيس الدير على «حيازة دينية» فقط، بينما ستقتصر إقامته القانونية على تصريح قابل للتجديد لمدة ثلاث سنوات، من دون منحه الجنسية المصرية التي حصل عليها أسلافه بصورة معتادة.
وترى المبادرة أن هذه الضغوط قد تستهدف استباق الحكم النهائي لمحكمة النقض في النزاع المتعلق بملكية الأراضي.
وفي 28 مايو 2025، منحت محكمة استئناف الإسماعيلية رئيس الدير «حيازة دينية» على 29 موقعًا، لكنها رفضت الاعتراف بملكيته القانونية لها. كما رفضت المحكمة دعوى حكومية لإخلاء الرهبان من 17 قطعة أرض تستند حيازتهم لها إلى عقود بيع ابتدائية، لكنها قضت بإخلائهم من الأراضي التي اعتبرتها تفتقر إلى «الطابع الديني»، وأمرت بنقلها إلى محافظة جنوب سيناء.
وطعن طرفا النزاع على الحكم، بينما لا تزال القضية في انتظار الفصل النهائي.
وترتبط طريقة تعامل الحكومة مع حقوق ملكية الدير ارتباطًا وثيقًا بمشروعات «التطوير» الجارية في سانت كاترين، والتي أحدثت تغييرات واسعة في المنطقة ضمن مشروع «التجلي الأعظم» الذي أطلق في نوفمبر 2021 بهدف تحويل المنطقة إلى وجهة دولية للسياحة الروحية.
«التراث الحي» وحقوق الرهبان في مواجهة مشروع التطوير
تشير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إلى أن الحكومة المصرية أقرت في السابق بحقوق ملكية رئيس أساقفة سيناء للدير، بما يشمل «الدير وكنائسه الخارجية وحدائقه وممراته وجميع المنشآت الأخرى»، وذلك في ملف الترشيح الرسمي الذي قدمته مصر إلى اليونسكو عندما أُدرجت منطقة سانت كاترين على قائمة التراث العالمي في مطلع الألفية.
وترى المبادرة أن الإجراءات الحكومية الرامية إلى تغيير الملكية والحيازة تنتهك التزامات مصر بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولا سيما مبدأ «عدم التراجع» في مجال الحقوق.
وتعتبر أن اتخاذ خطوات متعمدة تؤدي إلى تقليص الحقوق الثقافية القائمة يشكل انتهاكًا للمادة الثانية، الفقرة الأولى، من العهد، الذي صادقت عليه مصر عام 1982.
وتؤكد المبادرة أن الحكومة مطالبة بالتوصل إلى اتفاق يحافظ على الدير باعتباره موقعًا حيًا للتراث الديني، ويضمن حقوق الرهبان في البيئة المحيطة به، باعتبارها مساحة أساسية يمارسون فيها حياتهم اليومية وتشكل جزءًا لا يتجزأ من قيمة الموقع التراثية.
الرهبنة جزء من تاريخ سانت كاترين وليست مجرد شعائر دينية
توضح المبادرة أن الحياة الرهبانية في سانت كاترين أسهمت تاريخيًا في تطوير المنطقة عبر إنشاء بنية تحتية مكتفية ذاتيًا. فلم تقتصر الرهبنة في سانت كاترين على الصلاة والتعبد، وإنما شملت استصلاح الأراضي وحفر الآبار، فضلًا عن قرون من التعايش السلمي والتعاون مع القبائل البدوية المحلية لضمان استمرار الحياة في المنطقة.
وتعتبر المبادرة أن هذا التاريخ أسهم بصورة أساسية في تشكيل الطابع الفريد لسانت كاترين، ويقع الدير وحياته الرهبانية في قلب هذا الطابع.
وعلى خلاف العديد من المواقع التاريخية غير المأهولة، تظل سانت كاترين موقعًا حيًا للتراث، وهو ما يمنحها خصوصية تستدعي وضع إطار قانوني للملكية يحترم المكانة الفريدة للرهبان ويحمي استمراريتهم في الموقع.
وتخلص المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إلى أن حماية دير سانت كاترين لا يمكن فصلها عن حماية الحياة الرهبانية والبيئة المحيطة به، معتبرة أن الحفاظ على الموقع بوصفه تراثًا حيًا يتطلب ضمان استمرارية المجتمع الرهباني وحقوقه التاريخية، بالتوازي مع حماية القيمة العالمية الاستثنائية للموقع وفق التزامات مصر تجاه اليونسكو والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
https://eipr.org/en/press/2026/08/protecting-living-heritage-%E2%80%9Cdevelopment%E2%80%9D-egypt-must-halt-actions-undermining-st

