شنت سلطات الانقلاب موجة من الاعتقالات خلال الآونة الأخيرة في إطار تصاعد نمط "العقاب بالوكالة" الذي تلجأ إليه منذ سنوات، والمتمثل في استهداف عائلات النشطاء والمعارضين المقيمين في الخارج، عبر المداهمات والاعتقالات والإخفاء القسري، بهدف الضغط على ذويهم أو معاقبتهم على آرائهم وأنشطتهم السلمية.

 

اعتقال شقيقة منى الشاذلي


وفي أحدث موجة من هذا النوع من الاعتقالات، تعرضت إيمان الشاذلي، شقيقة الناشطة والمهندسة منى الشاذلي للاعتقال عقب مداهمة منزل العائلة في 16 أغسطس الجاري، وتم اقتيادها إلى جهة مجهولة دون إبراز أصل قضائي أو سند قانوني.


ويأتي القبض عليها في إطار التضييق والملاحقة الممتدة لأسرة المهندسة والناشطة منى الشاذلي للضغط على ذويها المقيمين بالخارج، وهو ما تقول منظمات حقوقية إنه يشكل انتهاكًا جسيمًا للدستور المصري وللمواثيق الدولية، وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

 

اعتقال شقيق عمرو عبد الهادي


فيما أعلن المحامي والناشط المصري المقيم في الخارج عمرو عبد الهادي اعتقال شقيقه أحمد عبد الهادي، بعد مداهمة قوات الأمن الوطني منزل والدته أولاً، قبل التوجه إلى منزل شقيقه وإلقاء القبض عليه

 

 

وفي التفاصيل، اقتحمت قوات من الأمن الوطني منزل والدة الناشط عمرو عبد الهادي فجر يوم 16 أغسطس فلم تجدها. وبالتزامن مع ذلك، تم اقتحام منزل شقيقه أحمد واقتياده تعسفيًا من بين أفراد أسرته إلى مقر الأمن الوطني بقسم شرطة إمبابة.


وظهر في اليوم التالي أمام نيابة أمن الدولة العليا، حيث تم عرضه على ذمة القضية رقم 6252 لسنة 2026 حصر أمن دولة بزعم انضمامه لجماعة إرهابية، وصدر قرار بحبسه 15 يومًا على خلفية قضية ذات طابع سياسي، على الرغم من عدم ممارسته أي نشاط سياسي معارض.


يأتي ذلك على الرغم من كونه من مؤيدي 30 يونيو، ومع ذلك تم مداهمة منزله واقتحامه واقتادوه أمام زوجته وأطفاله الثلاثة، بحسب شقيقه.


وقال عبدالهادي عبر حسابه في منصة "إكس"، إنه بعد التحقيق مع والدته لمدة خمس ساعات تقريًبا، أخبرتها قوات الأمن حرفيًا: "قولي لابنك عمرو يهدى شوية".


واعتبر أن سياسة اتخاذ أفراد العائلة رهائن واستهدافهم للضغط على المعارضين أو الناشطين هي ممارسة محرمة دوليًا وتُعد انتهاكًاً صارخًا لحقوق الإنسان، فضلاً عن كونها تشكل جريمة عقاب جماعي تجرمها المواثيق والأعراف الدولية.


ودعا سلطات الاىقلاب إلى الكشف عن أسباب وملابسات اعتقال شقيقه، وضمان سلامته الجسدية والنفسية، والسماح له بالتواصل مع عائلته ومحاميه، وكفالة كافة حقوقه القانونية.


كما حث المنظمات الحقوقية على متابعة قضيته بشكل عاجل، وتوثيق ما تعرض له، والتحقق من ظروف احتجازه والإجراءات المتخذة ضده.

 

سيف الإسلام عيد

 

وتمثل سياسة "العقاب بالوكالة" نمطًا اعتيادًا لسلطات الانقلاب التي تشن من وقت لآخر حملات اعتقال في أوساط أقارب المعارضين بالخارج، بغرض الضغط عليهم.

 

وفي 22 أكتوبر 2025، اعتقلت قوات الأمن الوطني المواطن صبحي عيد (63 عامًا)، والد الناشط سيف الإسلام عيد، من منزله في منطقة المندرة شرق الإسكندرية، واقتادته إلى جهة غير معلومة. وذلك بعدما داهمت في اليوم نفسه منزل أسرته في كفر الدوار ومنزل والد زوجته البالغ من العمر 82 عامًا.

 

خلال المداهمات، استجوبت عناصر الأمن عددًا من الأقارب حول نشاط سيف في الخارج. بينما ظل أبيه (صبحي عيد) مختفيًا لمدة ثلاثة أيام قبل أن يظهر في 25 أكتوبر أمام نيابة أمن الدولة العليا، التي قررت حبسه احتياطيًا على ذمة القضية رقم 6468 لسنة 2025 بتهم الانضمام وتمويل جماعة محظورة، دون تمكينه من التواصل مع محامٍ أو أسرته.


وسيف الإسلام عيد؛ هو مقدم بودكاست "عنبر كله يسمع" وهو أول برنامج بودكاست مصري يوثّق الحياة داخل السجون بعد عام 2013 من خلال شهادات معتقلين سابقين، كما يشارك سيف بالنشر في عدد من المنصات الإعلامية المستقلة. ويرى سيف أن اعتقال والده جاء كعمل انتقامي مباشر منه، بعد حلقة جديدة لبرنامجه استضاف فيها معتقلًا سياسيًا سابقًا تحدث عن تجربة تعذيبه داخل أحد أكثر مراكز الاحتجاز سرية في مصر، وهو سجن العزولي.

 

وكان صبحي عيد قد اعتُقل سابقًا في 30 أبريل 2025 واحتُجز لمدة 18 يومًا، خضع خلالها لتحقيقات حول نشاط ابنه في الخارج، وذلك قبل أن يُفرج عنه دون توجيه تهم، بما يعكس استمرار ممارسات الاستهداف الأسري الانتقامي، من خلال احتجاز أهالي النشطاء واستجوابهم بشأن أنشطة ذويهم المقيمين بالخارج، في انتهاك واضح لضمانات العدالة والإجراءات القانونية الواجبة.

 

سيد خميس

 

وفي مايو 2025، ظهر سيد خميس أمام النيابة العامة بعد إخفاء قسري دام ثلاثة أسابيع عقب اعتقاله دون سند قانوني، على خلفية نشاط شقيقه الحقوقي المقيم بالخارج، فيما تمّ اعتقال شقيقه الآخر شعبان خميس لفترة وجيزة قبل الإفراج عنه بسبب حالته الصحية. 

 

والد أحمد جمال زيادة

 

وفي واقعة أخرى، اعتقلت قوات الأمن في أغسطس 2023 والد الصحفي أحمد جمال زيادة واحتجزته لعدة أيام قبل الإفراج عنه، في خطوة وصفتها منظمات حقوقية بأنها محاولة واضحة للانتقام من ابنه بسبب عمله الصحفي ونشاطه الإعلامي في الخارج.

 

محمد سلطان

 

كما استهدفت سلطات الانقلاب أقارب المدافع عن حقوق الإنسان محمد سلطان عبر مداهمة منازل عائلته واعتقال عدد من أفرادها عام 2020، في محاولة واضحة للضغط عليه بعد رفعه دعوى قضائية أمام المحاكم الأمريكية ضد مسئولين مصريين سابقين. 

 

وخلال عام 2025، تصاعدت الانتهاكات بحق والده الدكتور صلاح سلطان المحتجز حاليًا داخل أحد السجون المصرية، حيث يتعرض لمعاملة قاسية وإهمال طبي متعمّد يُعتقد أنه جاء انتقامًا من نشاط ابنه الحقوقي بالخارج.

 

عبد الرحمن عياش

 

وفي سبتمبر 2024، أُحيل الصحفي والباحث عبد الرحمن عياش إلى المحاكمة الغيابية أمام دوائر الإرهاب، على خلفية عمله الإعلامي والحقوقي من المنفى، بينما تعرض عدد من أفراد أسرته داخل مصر لمضايقات واستدعاءات أمنية مرتبطة بنشاطه، في إطار سياسة ممنهجة لمعاقبة النشطاء من خلال ذويهم.

 

وفي عام 2020 ألقت قوات الأمن القبض على أربعة من أقارب الإعلامي هشام عبد الله المقيم بتركيا. أما حسيبة محسوب (شقيقة الوزير الأسبق للشئون النيابية في حكومة الرئيس الأسبق محمد مرسي) فما زالت رهن الاحتجاز التعسفي منذ يناير 2020، وقد أحيلت في العام الماضي للمحاكمة بعدما تجاوزت الحد الأقصى للحبس الاحتياطي المقرر في القانون، وهي المحاكمة التي انعقدت أولى جلساتها في أكتوبر الماضي.

 

وبحسب مركز القاهرة لحقوق الإنسان، تتعرّض أسر النشطاء والمعارضين إلى مداهمات متكررة ومصادرة ممتلكات وفصل تعسفي من الوظائف العامة، ضمن نمط أوسع من الانتقام الممنهج بسبب نشاط ذويهم.

 

كما تم منع عدد من السيدات من السفر وسحب جوزات سفرهن أثناء اعتزامهن السفر لأداء العمرة أو الحج أو زيارة أقاربهن بالخارج، وتم بعدها استدعاء عدد منهن لمقرات الأمن الوطني بشكل غير قانوني واستجوابهن حول نشاط أقاربهم من المعارضين المقيمين بالخارج.

 

وخلال عامي 2024 و2025، وثق المنبر المصري لحقوق الإنسان ما لا يقل عن 12 حالة من ممارسات العقاب بالوكالة ضد أسر نشطاء وصحفيين ومدافعين مصريين مقيمين في الخارج. 

 

وتُظهر هذه البيانات أن السلطات المصرية تتعامل مع الروابط الأسرية كامتداد لمساحات السيطرة السياسية، إذ أصبح الاحتجاز والملاحقة أداة لإسكات الأصوات الناقدة في الخارج عبر إيذاء ذويهم في الداخل، في منحى خطير من الانتقام العابر للحدود.