في 18 أغسطس 2013، وقعت واحدة من أكثر الوقائع دموية وإثارة للجدل في تاريخ الاحتجاز في مصر، حين لقي 37 محتجزًا مصرعهم داخل سيارة ترحيلات أمام سجن أبو زعبل بمحافظة القليوبية، بعد ساعات من احتجازهم داخل عربة معدنية ضيقة، في ظروف شديدة القسوة، انتهت بإطلاق قنبلة غاز داخل السيارة، وفق ما أوردته تقارير حقوقية وصحفية وشهادات ناجين وأهالي الضحايا.

 

وبعد مرور 13 عامًا على الواقعة، لا تزال قضية عربة ترحيلات أبو زعبل حاضرة في الذاكرة العامة باعتبارها واقعة تثير أسئلة متشابكة حول ظروف الاحتجاز، ومسؤولية القائمين على عملية النقل، ومدى كفاية التحقيقات والمحاكمات التي جرت لاحقًا، فضلًا عن السؤال الأوسع بشأن المسؤولية القيادية عن القرارات التي سبقت وفاة المحتجزين. وتعيد الذكرى السنوية للواقعة فتح ملف ظل لسنوات موضع اهتمام منظمات حقوقية ووسائل إعلام دولية، خصوصًا في ظل تضارب الروايات حول ما حدث داخل السيارة، وطبيعة الظروف التي عاشها المحتجزون في ساعاتهم الأخيرة، والكيفية التي تعاملت بها قوات الشرطة مع استغاثاتهم.

 

 

سبع ساعات داخل صندوق معدني تعود تفاصيل الواقعة إلى أغسطس 2013، عندما نُقل عشرات المحتجزين إلى سجن أبو زعبل داخل سيارة ترحيلات، وسط حالة من الاكتظاظ الشديد. وبحسب روايات وشهادات أوردتها تقارير صحفية وحقوقية، كان عدد المحتجزين داخل السيارة أكبر بكثير من قدرتها الاستيعابية، وهو ما جعل الحركة والتنفس أكثر صعوبة، خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة في ذلك الوقت من العام. وتشير الروايات إلى أن المحتجزين ظلوا داخل العربة لساعات طويلة، بينما كانت درجات الحرارة مرتفعة والتهوية محدودة للغاية، قبل أن تبدأ الاستغاثات وطرق أبواب السيارة في محاولة للخروج أو الحصول على المساعدة. ومع استمرار الاحتجاز، تصاعدت الأزمة داخل السيارة، إلى أن الشرطة أُطلقت الغاز داخلها. وتقول روايات الناجين وشهادات متداولة حول الواقعة إن إطلاق الغاز أدى إلى تفاقم حالة الاختناق داخل المساحة المغلقة، في وقت كان فيه المحتجزون مقيدين ولا يستطيعون الحركة بحرية أو الخروج من السيارة.

 

وبعد ساعات، انتهت عملية النقل بكارثة، إذ توفي 37 محتجزًا، بينما نجا عدد آخر من الأشخاص الذين كانوا داخل السيارة. الرواية الرسمية في مواجهة شهادات الناجين فيلم استقصائي يعيد بناء الساعات الأخيرة بعد سنوات من الواقعة، ساهمت مواد مصورة وأفلام استقصائية في إعادة تسليط الضوء على القضية، ومن بينها فيلم «إعدام بالترحيل»، الذي يعرض تسلسلًا زمنيًا للأحداث، ويجمع شهادات من أهالي الضحايا وناجين، إلى جانب مواد أرشيفية مرتبطة بالقضية. ويحاول الفيلم إعادة بناء المشهد منذ لحظة تجميع المحتجزين وحتى وصول سيارة الترحيلات إلى محيط سجن أبو زعبل، مع التركيز على الظروف التي عاشها المحتجزون داخل العربة، وما رافق ذلك من استغاثات واختناق. وتكتسب هذه المواد أهمية خاصة بالنسبة إلى أسر الضحايا، لأنها لا تتعامل مع الواقعة باعتبارها رقمًا في سجل الوفيات، وإنما تعيد تقديم أسماء الضحايا وصورهم وشهادات ذويهم، وتضع المأساة في سياقها الإنساني. كما تساعد المواد المصورة والأرشيفية في إبقاء القضية حاضرة أمام الأجيال الجديدة، خصوصًا مع مرور سنوات طويلة على وقوعها.

 

 

شهادات الأهالي

 

37 اسمًا خلف الرقم على مدار السنوات الماضية، ظل أهالي الضحايا يستعيدون تفاصيل الواقعة، مؤكدين أن وراء الرقم «37» عائلات كاملة فقدت أبناءها وآباءها وأشقاءها. وتظهر شهادات الأهالي في مواد وثائقية ومقاطع أرشيفية نشرت بعد الواقعة، وتكشف عن استمرار الأسئلة بشأن المسؤولية عن وفاة ذويهم. كما أعادت فيديوهات الذكرى الأولى للواقعة تقديم صور الضحايا ومقابلات أقاربهم، إلى جانب مناقشة الملابسات التي أحاطت بالحادث والتناقضات التي ظهرت بين الروايات المختلفة. بالنسبة إلى هذه الأسر، لم تنته القضية بانتهاء مراسم دفن الضحايا، وإنما تحولت إلى معركة طويلة من أجل معرفة الحقيقة وتحديد المسؤولية. منظمات حقوقية: الواقعة جزء من أزمة أوسع للوفيات داخل أماكن الاحتجاز وضعت منظمة «هيومن رايتس ووتش» حادثة أبو زعبل ضمن سياق أوسع يتعلق بالوفيات داخل أماكن الاحتجاز في مصر بعد عام 2013.

 

وفي تقرير لها تناول الوفيات في أماكن الاحتجاز، أشارت المنظمة إلى واقعة سيارة الترحيلات، وقالت إن المحتجزين توفوا بعد إطلاق الغاز داخل السيارة، كما تناولت محدودية الملاحقات القضائية في قضايا الوفيات أثناء الاحتجاز خلال تلك الفترة. وأثارت الواقعة في حينها اهتمامًا واسعًا من منظمات حقوقية وصحف دولية، وسط مطالبات بإجراء تحقيقات مستقلة تحدد المسؤوليات بصورة واضحة، وعدم الاكتفاء بتحديد المسؤولية عند مستوى منفذي الأوامر فقط. وهنا ظهر سؤال ظل حاضرًا طوال السنوات التالية: من المسؤول عن القرارات التي سبقت الواقعة؟ وهل جرى التحقيق في التسلسل القيادي للأوامر والإجراءات التي اتخذت أثناء عملية النقل؟

 

المحاكمة والأحكام.. لماذا بقيت المسؤولية محل جدل؟ مرت القضية بمراحل قضائية متعددة، وشهدت محاكمة عدد من الضباط، قبل أن تعاد الإجراءات بعد الطعن على الأحكام. وتشير المواد التي تناولت المسار القضائي إلى صدور أحكام بحق أربعة ضباط في مرحلة من مراحل المحاكمة، قبل أن تشهد القضية تطورات لاحقة انتهت إلى أحكام أقل من تلك الصادرة في البداية.

 

وأثار مسار القضية انتقادات من جانب حقوقيين، رأوا أن العقوبات والإجراءات القضائية لم تحسم بصورة كاملة مسألة المسؤولية عن وفاة 37 محتجزًا. وبقيت المسألة الأهم، بالنسبة إلى منتقدي التحقيقات، هي ما إذا كانت المحاسبة قد وصلت إلى جميع المستويات المسؤولة عن عملية النقل والاحتجاز، أم اقتصرت على أفراد بعينهم.

 

تسريبات أعادت القضية إلى الواجهة لم تتوقف الأسئلة عند حدود التحقيقات والمحاكمات، إذ عادت القضية إلى دائرة الاهتمام بعد نشر وسائل إعلام معارضة في عام 2014 تسجيلًا منسوبًا إلى لقاء بين مسؤولين مصريين، تناول قضية سيارة ترحيلات أبو زعبل. ونُسب التسجيل إلى لقاء بين عباس كامل، الذي كان آنذاك مديرًا لمكتب وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، وممدوح شاهين، مساعد وزير الدفاع في ذلك الوقت. وبحسب ما نشرته وسائل إعلام بشأن التسجيل، دار الحديث حول إمكانية التدخل لتسوية وضع أحد الضباط المتهمين في القضية، مع الإشارة إلى علاقته بعائلة عسكرية. وأثارت تلك التسجيلات موجة جديدة من الجدل حول مدى استقلال مسار المحاسبة، وأعادت طرح سؤال التدخلات المحتملة في القضية. «الغارديان» والتحقيقات الصحفية الدولية حظيت الواقعة أيضًا باهتمام الصحافة الدولية، ومن بينها صحيفة «الغارديان» البريطانية، التي نشرت تحقيقات تناولت تفاصيل حادثة سيارة الترحيلات، مستندة إلى روايات ناجين ومصادر مختلفة.

 

وساهمت تلك التحقيقات في توسيع نطاق الاهتمام الدولي بالقضية، خصوصًا فيما يتعلق بالتناقض بين الرواية الرسمية وشهادات الأشخاص الذين نجوا من الحادث أو أقارب الضحايا. وكانت القضية قد تحولت بالفعل إلى رمز للنقاش حول أوضاع المحتجزين واستخدام القوة داخل أماكن الاحتجاز والنقل، في ظل مطالبات متكررة بفتح تحقيق مستقل وشفاف. 37 ضحية.. 37 اسمًا لا تختصرهم الأرقام لا تزال قائمة الضحايا واحدة من أهم عناصر الذاكرة المرتبطة بالواقعة، إذ تضم أسماء رجال من محافظات ومناطق مختلفة، بينهم أشقاء وأفراد من عائلات واحدة.

 

اسماء الشهداء

 

وتضم قائمة الضحايا: جمال عبد الرحمن محمد عبد الرحمن – القاهرة. هشام عزام حافظ – القليوبية. رفيق محمد إبراهيم – المحلة. رضا السيد أحمد – الحسينية، الشرقية. شكري إبراهيم سعد – مدينة نصر. محمد إسماعيل محمد صالح – المحمودية، البحيرة. عادل عبد الشافي عبد الحافظ – المرج، القاهرة. أبو طالب عبد الجواد سليمان – فاقوس، الشرقية. محمد شحاتة إسماعيل – دمنهور. شريف جمال محمد – مدينة نصر. أحمد إبراهيم كامل – المحلة. محمود عبد الله محمد – إبشواي، الفيوم. فرج السيد فرج – إبشواي، الفيوم. إبراهيم محمد إبراهيم الدهشان – فاقوس، الشرقية. ممدوح سيد عبد الله – الصف، الجيزة. صفوت أحمد عبد الله – المنيا. محمد حسن السيد أحمد – دكرنس. علي مهنا أبو حضر – دكرنس. حسن إبراهيم كردي محمد – بلبيس، الشرقية. أحمد إبراهيم كردي محمد – بلبيس، الشرقية. سيد بركات شعبان – الفيوم. منصور عبد التواب عباس – الفيوم. أحمد شعبان رجب – الفيوم. أحمد خميس محمد – الفيوم. سيد جمعة عيسى – الفيوم. محمد رمزي عبد الله خليل – إمبابة، الجيزة. محمد توفيق سليمان – الوايلي، القاهرة. أحمد محمد رجب مندور – بنها. علاء الدين حسن عيسى – المطرية، القاهرة. مهدي محمود عهدي – بني سويف. محمد عبد المجيد إبراهيم – كوم حمادة، البحيرة. طلعت عبد العظيم علي – أخميم، سوهاج. عبد المنعم محمد مصطفى – أبو كبير، الشرقية. أسامة محمد مصطفى – أبو كبير، الشرقية. وليد السيد محمد – برج العرب. مصطفى محمد عبد السلام – بلبيس، الشرقية. طارق محمد عبد الله – الصف، الجيزة