أعلن وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا أن بلاده تمضي نحو بناء سدود إضافية على نهر النيل، متحدثاً عن قدرة إثيوبيا على التحكم في تدفقات المياه المتجهة إلى مصر والسودان، في تطور يرفع المواجهة إلى مستوى يتجاوز أزمة سد النهضة وحده.
وتأتي تصريحات إيتيفا بالتزامن مع حديث عن 3 سدود جديدة قد ترفع إجمالي السعة التخزينية الإثيوبية إلى نحو 224 مليار متر مكعب، بينما أعادت هذه التطورات فتح ملف إدارة السيسي للأزمة، بعد سنوات طويلة من المفاوضات التي انتهت باكتمال سد النهضة من دون اتفاق ملزم على التشغيل.
تفتح التصريحات الإثيوبية بشأن بناء سدود جديدة على النيل الأزرق جولة أكثر خطورة في أزمة المياه مع مصر، بعدما انتقل الخطاب من الخلاف على سد النهضة إلى الحديث عن التحكم في تدفقات النهر نفسها.
وبينما تتحدث تقديرات متداولة عن 3 سدود جديدة وسعة تخزينية إجمالية قد تصل إلى 224 مليار متر مكعب، تصاعدت انتقادات لسياسة إدارة الملف المصري خلال السنوات الماضية، وسط اتهامات بأن أكثر من عقد من المفاوضات منح أديس أبابا الوقت لبناء السد وملئه وتشغيله وفرض أمر واقع، في حين يحذر علماء وباحثون من أن غياب التنسيق خلال فترات الجفاف الممتدة قد يضع مصر أمام خسائر مائية وزراعية واقتصادية واسعة.
سنوات التفاوض صنعت الواقع
الصحفية رانيا بدوي وضعت المسؤولية في جانبين، معتبرة أن الاكتفاء باتهام إثيوبيا بالتصعيد وخرق القانون الدولي لا يجيب عن السؤال الأصعب المتعلق بكيف وصلت الأزمة إلى مرحلتها الراهنة، وقالت إن الحقيقة هي أن إثيوبيا لم تصل إلى ما هي عليه في ليلة واحدة، وإنما حصلت على أكثر من 10 سنوات من المفاوضات والمماطلة والتأجيل، استغلتها في البناء والملء وتعزيز موقفها حتى انتقلت، بحسب تعبيرها، من المطالبة بحق مزعوم إلى فرض إرادة منفردة على نهر دولي.
وأضافت بدوي أن مصر ظلت تتفاوض في الوقت الذي كانت فيه إثيوبيا تبني وتراكم القوة والواقع، حتى وصل الأمر إلى حديث مسؤول إثيوبي عن التحكم في تدفقات مياه النيل إلى دول المصب، معتبرة أن المشكلة ليست فقط في الموقف الإثيوبي، بل كذلك في السماح للأمر الواقع بأن يترسخ عاماً بعد عام رغم وضوح التحذيرات.
#فاصلة_ومنقوطة
— Rania Badawy (@RaniaBadawy) August 17, 2026
عايزين الحق ولا ابن عمه؟
ابن عمه أن نقول: إثيوبيا تُصعّد، تستفز، وتخرق القانون الدولي.
أما الحق فهو أن نمتلك شجاعة الاعتراف بالحقيقة التي لا يريد أحد أن يسمعها
وهي ان إثيوبيا لم تصل إلى ما هي عليه اليوم في ليلة وضحاها..نحن منحناها الوقت.
أكثر من عشر سنوات كاملة من… pic.twitter.com/AQkC9gjUXS
وهاجمت بدوي أيضاً طريقة تعامل السلطات المصرية مع التحذيرات السابقة، قائلة إن الجانب المصري لم يقدم، في رأيها، سوى تصريحات دبلوماسية وتهديدات محدودة، بينما كان المنتقدون للسياسة المتبعة في الملف يواجهون باتهامات بعدم الفهم في شؤون السدود وإثيوبيا.
وتساءلت عن حصيلة الخبرة التي تقول مؤسسات الدولة إنها تمتلكها في إدارة الملف، مطالبة بإظهار الاتفاق الملزم وقواعد التشغيل والضمانات التي تحققت، ومعتبرة أن المعيار في النهاية يجب أن يكون النتائج، لا البيانات التي تؤكد أن الملف يدار بكفاءة.
وفي السياق نفسه، اعتبر الصحفي قطب العربي أن إثيوبيا انتقلت إلى مرحلة أعلى من التحدي المباشر بإعلان خطط لبناء 3 سدود جديدة والوصول بالسعة التخزينية إلى 224 مليار متر مكعب، وقال إن أديس أبابا تتصرف بهذه الطريقة بعدما وجدت ما وصفه بنعومة شديدة من القيادة المصرية في إدارة الملف.
أثيوبيا تنتقل إلى مرحلة أعلى من التحدي المباشر ..أعلنت عن بناء ٣ سدود جديدة لتصل السعة التخزينية إلى ٢٢٤ مليار متر مكعب، ولتصبح هي المتحكمة في حركة تدفق المياه إلى مصر والسودان.. فعلت ذلك لأنها وجدت نعومة متناهية من قيادة مصرية لا تجيد سوى الاستئساد على شعبها، وتفرغ كل طاقتها… pic.twitter.com/Ve0TrTn9VN
— kotb elaraby (@kotbelaraby) August 18, 2026
وأشار العربي إلى أن السنوات الـ13 الماضية كانت، من وجهة نظره، كافية لكي تنتقل إثيوبيا من موقع الشريك في إدارة مياه النيل إلى موقع من يعلن قدرته على التحكم في تدفقها، معتبراً أن سنوات التهاون سمحت لها بتحويل السد من مشروع قابل للتفاوض إلى واقع ميداني مكتمل.
بدورها، كتبت جيجي أن المفاوضات لم تكن، في تقديرها، سوى وسيلة لتهدئة الشارع ومنح إثيوبيا الوقت اللازم لإنهاء السد ووضع مصر وشعبها أمام الأمر الواقع، وهي قراءة تعكس مستوى واسعاً من فقدان الثقة في المسار التفاوضي الطويل.
المفاوضات كانت لتنييم الشعب وتغييبه ولإعطاء إثيوبيا الوقت الكافي لإنهاء السد ووضع الشعب المصري والدولة المصرية أمام الأمر الواقع من قبل المسئولين https://t.co/GSP93nL8Pa
— GiGi (@Gelan_G2530) August 17, 2026
224 ملياراً تحت السيطرة
يقول الباحث في الشؤون الإفريقية موسى شيخو إن ما تريده إثيوبيا هو أن تتوقف مصر عن مطالبتها بالحقوق التاريخية في مياه النيل وحصة الـ55 مليار متر مكعب، بما يشير إلى أن الخلاف يتجاوز قواعد ملء سد بعينه إلى إعادة تعريف الأساس الذي تقوم عليه مطالب دول المصب.
الباحث في الشؤون الإفريقية موسى شيخو يقول للجزيرة إن ما تريده إثيوبيا هو أن تتوقف مصر عن مطالبتها بالحقوق التاريخية في مياه النيل وحصة الـ55 مليار متر مكعب pic.twitter.com/Vata48svg6
— الجزيرة مصر (@AJA_Egypt) August 17, 2026
وتتقاطع هذه القراءة مع ما كتبه الباحث محمد جمال، الذي نقل عن وزير المياه الإثيوبي حديثه عن أن تدفقات مياه النيل المتجهة إلى مصر والسودان ستكون تحت سيطرة إثيوبيا بفضل سد النهضة، مع التلويح بالمضي في بناء سدود إضافية على النهر.
واعتبر جمال أن المياه مسألة أمن قومي، وأن استمرار التعنت الإثيوبي لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد إعلان تحد، بل وصفه بأنه إعلان حرب في ظل ارتباط مياه النيل المباشر بأمن مصر واستقرارها وقدرتها على تلبية احتياجات السكان.
قال وزير المياه الإثيوبي أن تدفقات مياه نهر النيل المتجهة إلى دول المصب(مصر والسودان)ستكون تحت سيطرة أثيوبيا بفضل بناء سد النهضة،ملوحاً في المضي قدماً في إقامة سدود إضافية على مجرى النهر.
— Mahmoud Gamal (@mahmoud14gamal) August 16, 2026
المياه أمن قومي،وإثيوبيا تستمر في تعنتها.هذا التحدي ليس مجرد إعلان تحدٍّ،بل يمثل إعلان حرب.
وتشير الأرقام المتداولة في النقاش إلى أن السعة التخزينية المستهدفة عند إضافة السدود الجديدة قد تصل إلى نحو 224 مليار متر مكعب، أي ما يزيد على 4 أمثال حصة مصر السنوية التي تقدر بنحو 55.5 مليار متر مكعب، وهو ما يفسر تصاعد المخاوف من انتقال الأزمة إلى مستوى مختلف تماماً.
وفي قراءة أكثر حدة لمسؤولية القاهرة، كتب الدكتور عز الدين محمد أن مصر تواجه، بحسب تعبيره، أزمة قيادة تفتقر إلى الوزن السياسي في التعامل مع الملفات الخارجية، منتقداً غياب الشفافية والرقابة بشأن الاتفاقات الكبرى وتفاصيل الالتزامات التي تتحملها الدولة.
نحن أمام رئيس ليس له وزن سياسي علي كل المستويات اثيوبيا تهينه واسرائيل تحتل جزء من اراضي مصرية حتي بعد سلمهم النيل والغاز وسلمهم مرسي مطروح وسلمهم عصب الاقتصاد المصري واقرضوه اموال لا نعرف الشروط وما هي الفوائد وماهي الشروط الجزائية في حالة التأخير . وما هي الملحقات السرية التي…
— Dr Ezzeldin Mahmoud (@ezzmahmoud1) August 17, 2026
كما ذهب حساب المدني إلى تحميل السيسي مسؤولية مباشرة عن المسار الذي انتهى إلى الوضع الحالي، مستنداً إلى توقيع اتفاق المبادئ والتعامل مع الملف على أساس أن المسار التفاوضي قادر على منع إثيوبيا من فرض رؤيتها منفردة.
سُذج أوي اللي مفكرين ان السيسي ممكن يعمل حاجة لو اثيوبيا شرعت في بناء سدود أخرى على النيل.
— المدني (@M0831218) August 16, 2026
اذا كان هو اللي وقع على اتفاقية تسمح لاثيوبيا ببناء سدود على النيل وراح وخطب في البرلمان الاثيوبي .. كلمة خاين قليلة أوي عليه.
دا المفروض يتحاكم محاكمة عسكرية مش يقعد يحكم في البلد ل١٢ سنة…
وترى هذه الأصوات أن توقيع اتفاق المبادئ مثّل نقطة تحول أساسية، خصوصاً أن منتقديه منذ البداية حذروا من أن استمرار البناء بالتوازي مع مفاوضات بلا سقف زمني قد يمنح إثيوبيا أفضلية متزايدة كلما اقترب المشروع من الاكتمال.
تحذير علمي من الجفاف
أما العالم عصام حجي فانتقل بالنقاش من مستوى المواقف إلى مستوى الأرقام، محذراً من أن الخطر لا يكمن فقط في بناء سدود جديدة، وإنما في استمرار ما وصفه بالتخبط العلمي في إدارة الملف، خاصة إذا أصبحت هذه السدود واقعاً من دون قواعد تشغيل تعاونية.
"إذا أصبحت السدود الجديدة حقيقة... فإن الكارثة لن تكون في بنائها فقط، بل في إستمرار حالة التخبط العلمي في إدارة هذا الملف"https://t.co/w8dg7unNWo
— Dr. Essam Heggy / د. عصام حجي (@essamheggy) August 17, 2026
تزامنًا مع تصريحات وزير الموارد المائية والري منذ أيام بشأن خطط إثيوبيا لبناء سدود جديدة، وهي التي أعلن عنها في أبحاث علمية منذ… pic.twitter.com/UGKYmTfmit
وقال حجي إن فريقه العلمي قدم خلال المؤتمر الدولي الخامس للأنهار الإفريقية في الرباط دراسة تحاكي تشغيل السدود الجديدة خلال واحدة من أطول فترات الجفاف التاريخية الممتدة بين 1978 و1988، موضحاً أن النتائج أظهرت مخاطر مرتفعة في سيناريو الإدارة الأحادية غير التعاونية.
وبحسب حجي، يرتفع العجز التراكمي في الموازنة المائية المصرية خلال سنوات الجفاف الممتد إلى نحو 65 مليار متر مكعب في هذا السيناريو، وهو أعلى عجز بين السيناريوهات التي اختبرها الفريق، بالتزامن مع انخفاض إنتاج الكهرباء من السد العالي بسبب تراجع المنسوب.
ولشرح خطورة الرقم، أشار حجي إلى أن التقييمات الرسمية تقدر أن نقص مليار متر مكعب واحد من المياه قد يؤدي إلى تقليص الأراضي الزراعية بنحو 294 ألف فدان، وخفض قيمة الإنتاج الزراعي السنوي بنحو 430 مليون دولار، مع زيادة الواردات الزراعية بنحو 150 مليون دولار.
وأضاف أن نقص مليار متر مكعب قد يرتبط كذلك بخسارة دخل نحو 290 ألف مزارع، متسائلاً عن حجم التأثير إذا وصل العجز التراكمي خلال دورة جفاف طويلة إلى عشرات المليارات من الأمتار المكعبة.
وتحذر الدراسة، وفق عرضه، من أن إضافة سدود جديدة في غياب التنسيق بين دول الحوض تعني تعظيم المخاطر المائية على دول المصب خلال سنوات الجفاف الممتدة، وهي فترات قد تتزايد احتمالاتها مع تغيرات المناخ داخل حوض النيل.
وربط حجي بين هذه التحذيرات وبين ما قال إنها أبحاث علمية تحدثت عن خطط السدود منذ عامين من دون استجابة واضحة من وزارة الموارد المائية والري، مؤكداً أن طرح الأرقام لا يستهدف إثارة الذعر بقدر ما يمثل نداء مبكراً لإعادة العلم إلى قلب إدارة الملف.
وبين انتقادات رانيا بدوي وقطب العربي، وتحليل موسى شيخو ومحمد جمال، والأرقام التي قدمها عصام حجي، يظهر أن النقاش لم يعد منصباً على سد النهضة وحده، وإنما على مستقبل السيطرة على النيل الأزرق وكيفية إدارة مصر للمرحلة المقبلة.
ومع اكتمال سد النهضة وظهور الحديث عن سدود إضافية، تبدو تكلفة الانتظار أكبر من أي وقت مضى، فيما تتحول المطالبة باتفاق ملزم وقواعد تشغيل وضمانات واضحة من مطلب تفاوضي قديم إلى قضية ترتبط مباشرة بالأمن المائي والغذائي لعشرات الملايين من المصريين.

