مصطفى عبد السلام

رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"

 

باتت أوروبا في قبضة قوى خارجية تتنافس على ثرواتها وأصولها وقرارها السياسي والأمني وتهدد مصالحها ومستقبلها بشكل مباشر، وأصبحت القارة تقع بين فكوك أشباح مخيفة، وأمام رهانات مفتوحة وسيناريوهات يميل بعضها إلى التشاؤم الشديد، أشباح روسيا والصين من جانب والولايات المتحدة من جانب آخر، وهناك أشباح القوى الكبرى التي باتت تحاصر القارة العجوز وتهدد دولها من أبواب عدة أخطرها تغذية أزمات الطاقة والتضخم المرتفع والركود والحروب التجارية داخل الدول الأعضاء، ومحاولة الاستحواذ على أصول القارة الاستراتيجية من ثروات نادرة ومواد خام ومصانع ومحطات طاقة وشركات ومطارات وغيرها.

وساهمت أجواء الحرب في أوكرانيا ومنطقة الشرق الأوسط، وتهديدات الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين المستمرة، وممارسات بكين الاحتكارية، وتأزم الوضع الاقتصادي والتنافسي، وضعف النمو، والفجوة التكنولوجية الضخمة، خاصة في مجالي الذكاء الاصطناعي والرقائق، في توتير الأجواء داخل دول القارة والضغط بشدة على أعصاب دوائر صنع القرار والمركز المالي للتكتل.

 

وباتت دول قارة أوروبا أمام اختبارات وسنوات صعبة في العامين الجاري 2026 والمقبل 2027 والأعوام المقبلة، بل إنها أصبحت أمام مخاطر وجودية مع تهديد التضخم للأسواق وحالة الضعف الاقتصادي التي بدت عليها دول أوروبية كبرى، من أبرزها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، والأزمات المالية والمعيشية التي تتفاقم بين شعوب القارة.

 

تدعم ذلك المشهد أزمات متلاحقة داخل أوروبا، منها زيادة المخاطر الجيوسياسية ومعها ضخامة الإنفاق العسكري على حساب مخصصات الخدمات الأخرى المتعلقة بالمواطن، من تعليم وصحة وغذاء وتحديث البنية التحتية، والحواجز والعوائق التجارية المستمرة بين الدول الأعضاء، وتصاعد التيارات والقوى الشعبوية والنزعات القومية المطالبة بتفكيك الاتحاد الأوروبي في بروكسل أو الحد من صلاحياته، بل والعدول عن عملة اليورو والبنك المركزي الموحد.

 

وهناك الخلافات الحادة والانقسامات الأيديولوجية بين الدول الأعضاء حول ملفات عدة، منها استمرار دعم أوكرانيا وقبول عضويتها ومنحها المزيد من الأسلحة والقروض في ظل عجز مالي، ومستويات الإنفاق على التسلح والأمن والهجرة وأزمات الهوية واللجوء السياسي، والميزانية، والاندماج.

 

جديد أزمات القارة المتفاقمة ما يتعلق بملف الطاقة تحديدًا في ظل الصدمات التي تتعرض لها الأسواق منذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا في فبراير 2022، وقرار الحظر الغربي لواردات الطاقة الروسية، وزادت حدة تلك الصدمات عقب اندلاع الحرب على إيران وما تبعها من قفزات في أسعار النفط والغاز وتكاليف الشحن وسلاسل الإمداد، وهو ما أربك دول الاتحاد ورفع كلفة واردات مشتقات الطاقة، وضغط على المصانع الكثيفة الاستهلاك للطاقة مثل شركات إنتاج السيارات الألمانية، وأيضًا على الموازنات والإيرادات العامة.

 

ولا أحد يعرف متى تتوقف تلك الصدمات التي من المتوقع أن تتفاقم في المرحلة المقبلة مع دخول خطة الاتحاد الأوروبي الملزمة القاضية بحظر استيراد الغاز الروسي بالكامل حيز التنفيذ خلال شهور، ونص الخطة على وقف استيراد الغاز الطبيعي المسال في نهاية عام 2026 والغاز عبر الأنابيب بحلول نهاية سبتمبر 2027، أو نوفمبر 2027 حدًا أقصى للحالات الطارئة.

 

صحيح أن أوروبا استنجدت بالغاز الأميركي في الفترة الماضية لمواجهة قفزة الأسعار العالمية ودعم خطتها الرامية لحظر استيراد الغاز الروسي بالكامل، إلا أن هذا الاعتماد له كلفته المالية والسياسية، وهذا مأزق أخر يواجه دول الاتحاد التي قد تعيد النظر في قرار الحظر والعقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا، لتفادي أسعار الغاز المرتفعة وقبلها عدم الوقوع في شباك الغاز الأميركي.