كشفت صحيفة هآرتس العبرية استنادا إلى وثائق داخلية مسربة أن شركة إلبيت سيستمز الإسرائيلية طرحت على الإمارات في أبوظبي حزمة تسليح ومراقبة متقدمة شملت طائرات هيرميس 900 وأنظمة استخبارات وحرب إلكترونية بقيمة محتملة تصل إلى نحو 1 مليار و300 مليون دولار بما يعكس اتساع التعاون العسكري بعد اتفاقيات أبراهام.
يربط الكشف الجديد مسار التطبيع الإماراتي الإسرائيلي بانتقال العلاقة من الاتصالات الدبلوماسية والتجارية إلى تعاون أمني أكثر حساسية يشمل المراقبة واعتراض الاتصالات والتصنيع الدفاعي في وقت واصلت فيه أبوظبي علاقاتها مع تل أبيب رغم حرب غزة والانتقادات الحقوقية المرتبطة باستخدام تقنيات المراقبة الإسرائيلية ضد معارضين وصحفيين ونشطاء.
هجوم أبوظبي يفتح باب هيرميس 900 وصفقة محتملة بقيمة 1 مليار و300 مليون دولار
وبحسب الوثائق بدأ التحرك الأكثر إلحاحا بعد هجوم الحوثيين على أبوظبي في 17 يناير 2022 عندما استهدفت صواريخ باليستية وطائرات مسيرة منشآت نفطية ومطار أبوظبي وأدى الهجوم إلى مقتل 3 أشخاص ثم تقدمت الإمارات بطلب عملياتي عاجل دفع إلبيت إلى تجهيز عرض تفصيلي لمنظومات جوية واستخباراتية متعددة.
وفي أعقاب ذلك تضمن الطلب الأولي منظومتين من هيرميس 900 تضم كل منهما 3 طائرات بإجمالي 6 طائرات مع وسائل استطلاع كهروبصرية للعمل نهارا وليلا وأنظمة سكاي آي للمراقبة واسعة النطاق وتجهيزات لاعتراض الاتصالات الخلوية والحرب الإلكترونية ومحطتي تحكم أرضيتين وحزمة لحماية الطائرات من التشويش والاعتراض.
وعند هذه النقطة قدرت هآرتس قيمة المنظومة الواحدة بنحو 90 مليون دولار بما يرفع العرض الأولي إلى نحو 180 مليون دولار قبل أن تشير الوثائق إلى رغبة إماراتية في توسيع المشروع إلى 15 منظومة تضم 45 طائرة هيرميس 900 وهو توسع كان سيقارب بالقيمة نحو 1 مليار و300 مليون دولار.
ويضع الباحث الفلسطيني طارق دعنا الأستاذ المشارك في دراسات النزاع والعمل الإنساني بمعهد الدوحة هذا المسار ضمن علاقة أمنية سبقت التطبيع العلني ثم تعززت بعده إذ يرى أن اتفاقيات أبراهام دفعت إلى استثمارات إماراتية أكبر في الأسلحة والتقنيات الأمنية الإسرائيلية وإلى توسع تبادل المعلومات والتعاون العسكري في قطاعات استراتيجية.
ومن ناحية ميدانية تكشف المراسلات أن وفدا من مديرية البحث والتطوير بوزارة الدفاع الإسرائيلية كان يستعد في مارس 2022 لزيارة الإمارات لمناقشة مشروعين للدفاع الجوي بالتوازي مع عرض استخدام الطائرات المسيرة لمراقبة مناطق بعيدة خارج الحدود ورصد إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة قبل وصولها إلى الأراضي الإماراتية.
قائمة رغبات للتجسس تضع اعتراض الاتصالات والأمن الداخلي في قلب التعاون
أما في المسار الاستخباراتي فتظهر وثيقة إماراتية سرية بعنوان قائمة رغبات طلبا للحصول على 4 طائرات استخبارات تشمل طائرتين مأهولتين وطائرتين غير مأهولتين مع قدرات لجمع المعلومات الإلكترونية واعتراض الاتصالات والاستطلاع البصري والحرب الإلكترونية والسيبرانية بما يحول الصفقة المقترحة من دفاع جوي تقليدي إلى بنية واسعة لجمع المعلومات والمراقبة.
وإلى جانب ذلك تضمنت المتطلبات أنظمة لاعتراض الاتصالات الخلوية والفضائية وقدرات للهجوم الإلكتروني واستخدام الليزر وموجات ميكروية عالية القدرة وفقا لوثائق مرتبطة بالطلب بينما لا توفر المواد المسربة دليلا نهائيا على توقيع الصفقة أو تسليم هذه الطائرات وهو فارق ضروري بين مسار التفاوض وبين تنفيذ التعاقد فعليا.
وبالنسبة إلى الاستخدام الداخلي أشارت مذكرات التخطيط إلى أن منظومات هيرميس يمكن توظيفها أيضا في مهام الأمن الداخلي وليس فقط في رصد التهديدات القادمة من خارج الحدود وهو ما يضيف بعدا حقوقيا إلى صفقات المراقبة خصوصا مع سجل إماراتي موثق في استخدام أدوات تجسس متطورة ضد منتقدين وصحفيين ونشطاء.
وفي هذا السياق تحذر سيينا أنستيس المستشارة القانونية البارزة في مختبر المواطن من أن بيع تقنيات مراقبة متقدمة إلى الإمارات يثير مشكلة حقوقية جوهرية بالنظر إلى مخاطر استخدامها ضد الحقوق والحريات ويمنح هذا التحذير وظيفة مباشرة لفهم خطورة انتقال أدوات الاعتراض والتعقب من المجال العسكري إلى الاستخدامات الأمنية الداخلية.
ومن زاوية أوسع وثقت منظمات حقوق رقمية خلال السنوات الماضية استخدام السلطات الإماراتية برمجيات تجسس إسرائيلية المنشأ ضد نشطاء وصحفيين وشخصيات عامة وهو سجل يجعل أي توسع جديد في قدرات اعتراض الاتصالات موضع تدقيق يتجاوز مبررات مواجهة الصواريخ والطائرات المسيرة إلى سؤال الرقابة القانونية وحدود استخدام تلك الأنظمة داخل الدولة.
ياسمين 3 وهيرميس 650 يدفعان الشراكة نحو التصنيع المحلي برعاية أمريكية
وفي مسار مواز تحدثت التسريبات عن مشروع يحمل الاسم الرمزي ياسمين 3 ويستهدف إنتاج 6000 مجموعة خلال 3 أشهر من دون تحديد طبيعتها بينما ربطت هآرتس المشروع بقدرات إلبيت على تصنيع تجهيزات تحول القنابل التقليدية ومنها إم بي آر 2000 إلى ذخائر موجهة بدقة بواسطة نظام تحديد المواقع أو التوجيه بالليزر.
ثم أظهرت وثائق أخرى أن إلبيت عرضت على الإمارات في مارس 2023 شراء طائرة هيرميس 650 الجديدة قبل نحو عام من الكشف الرسمي عنها في معرض سنغافورة للطيران مع تجهيزات للاستطلاع واعتراض الاتصالات والحرب الإلكترونية وإمكانية تصنيع بعض المكونات داخل الإمارات بما يخدم سياسة أبوظبي لتوطين جزء من الصناعات الدفاعية.
ومع انتقال التعاون إلى التصنيع المحلي تتجاوز العلاقة نموذج المشتري والمورد إلى تبادل تقني أعمق إذ تسمح ترتيبات الإنتاج المشترك المحتملة ببناء قدرة إماراتية على تشغيل وتطوير منصات إسرائيلية داخليا وهو اتجاه ظهر لاحقا في محادثات بين مجموعة إيدج وإلبيت بشأن نقل التكنولوجيا والإنتاج المحلي لطائرات هيرميس 900.
وفي قراءة لهذا التحول يقول الباحث أندرياس كريغ المحاضر البارز في كلية كينغز لندن إن الإمارات بنت خلال السنوات الأخيرة شبكة واسعة لصناعة وتوريد الطائرات المسيرة تستخدمها لتعزيز قدرتها على التأثير الإقليمي ويجعل هذا التوصيف مسار التوطين مع إسرائيل جزءا من سياسة دفاعية تتجاوز الاستجابة المؤقتة لهجوم واحد.
وعلى مستوى الموقف الأمريكي نقلت هآرتس إشادة مسؤول أمريكي رفيع بالعلاقات التي تطورت بين الإمارات وإسرائيل بعد اتفاقيات أبراهام مع اعتبار البلدين شريكين رئيسيين في المنطقة وتقديم التعاون بينهما باعتباره أتاح تنفيذ مشروعات إنسانية في غزة وهو خطاب يتجاهل في المقابل الجدل المتصاعد حول استمرار التعاون العسكري خلال الحرب على القطاع.
أما شركة إلبيت سيستمز فقالت ردا على استفسارات الصحيفة إنها لا تعلق على الشؤون التجارية المتعلقة بعملائها وأضافت أن المعلومات المنشورة لا تعكس واقع أعمالها التجاري بينما لم تقدم الوثائق المسربة ما يثبت تنفيذ جميع العروض محل التفاوض وهو ما يبقي بعض البنود في نطاق المقترحات المتقدمة لا الصفقات المكتملة.
وفي النهايه تكشف الوثائق مسارا منظما انتقل من طلب إماراتي عاجل بعد هجوم يناير 2022 إلى عروض لطائرات هيرميس وأنظمة اعتراض ومراقبة وحرب إلكترونية ثم إلى مشروعات إنتاج محلي وتكنولوجيا أكثر تقدما بما يضع اتفاقيات أبراهام أمام نتيجة واضحة هي تعميق الشراكة العسكرية والأمنية بين أبوظبي وتل أبيب بعيدا عن الخطاب الذي قدم التطبيع باعتباره مسارا دبلوماسيا واقتصاديا بالأساس.

