التوكل على الله من أجلّ عبادات القلوب وأعظم منازل الإيمان، فهو صدق اعتماد القلب على الله مع الأخذ بالأسباب، واستمداد القوة والعون منه سبحانه، واليقين بأن الأمر كله بيده، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. ولذلك عني القرآن الكريم بالتوكل عناية عظيمة، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وجعله من صفات أهل الإيمان، ومن أخلاق الأنبياء والمرسلين.
وقد ربط القرآن بين التوكل والإيمان والهداية والنصر والرزق والكفاية ومحبة الله، كما جاءت السنة النبوية مؤكدة منزلته وآثاره في حياة المسلم. فالمتوكل لا يترك العمل ولا يهجر الأسباب، وإنما يعمل ويسعى ويعزم، ثم يفوض النتائج إلى الله، مستيقنًا أن خزائن السماوات والأرض له، وأن من توكل عليه كفاه.
أمر النبي بالتوكل
كان من دلائل عظمة منزلة التوكل أن الله تعالى أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم مرارًا في القرآن الكريم، ليكون زادًا له في الدعوة، وقوة أمام التكذيب والأذى، وثباتًا عند الشدائد.
ففي القرآن المكي يقول الله تعالى: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} (هود: 123).
وقال سبحانه: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} (الفرقان: 58).
وقال عز وجل: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (الشعراء: 217 - 220).
وقال تعالى: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} (النمل: 79).
ثم جاءت آيات القرآن المدني تؤكد المعنى نفسه، فقال تعالى مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران: 159).
وهذه الآية تجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل، فهناك مشاورة وعزم وقرار، ثم توكل على الله، وفي ذلك دلالة واضحة على أن التوكل لا يعني ترك العمل.
وقال سبحانه: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً} (النساء: 81).
وقال تعالى: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (الأنفال: 61).
وقال سبحانه: {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا} (الأحزاب: 3).
وقال تعالى: {وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا} (الأحزاب: 48).
وجاء الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بصيغة أخرى في قوله تعالى: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا} (المزمل: 9).
وكان ذلك من أوائل ما نزل من القرآن، ليستعين الرسول صلى الله عليه وسلم بربه على حمل القول الثقيل، ومواجهة المكذبين، والصبر على أذاهم.
كما أمره الله أن يعلن توكله أمام الناس، فقال تعالى: {قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} (الملك: 29).
وقال سبحانه: {فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} (التوبة: 129).
والأصل أن ما أمر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم تتأسى به أمته ما لم يدل دليل على اختصاصه به، كما قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} (التوبة: 103)، وقال: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} (النحل: 125).
وقال سبحانه: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (هود: 114-115).
التوكل علامة صدق الإيمان
لم يقتصر الأمر بالتوكل على النبي صلى الله عليه وسلم، بل جعله القرآن توجيهًا للمؤمنين، وجاء ذلك أيضًا على ألسنة رسل الله السابقين.
قال تعالى: {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (إبراهيم: 11).
وعندما خاف قوم موسى من دخول الأرض المقدسة قال الرجلان اللذان أنعم الله عليهما: {قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (المائدة: 23).
ومن هنا يرتبط التوكل بالإيمان ارتباطًا وثيقًا، فالذي يعلم أن الله هو المالك والمدبر والناصر والرازق، يكون اعتماده القلبي عليه سبحانه.
وقد وصف الله المؤمنين الصادقين بقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} (الأنفال: 2-4).
وقال سبحانه: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (التوبة: 51).
وقال تعالى: {إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (آل عمران: 160).
وقال سبحانه: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (التغابن: 13).
ويتكرر الأمر نفسه في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (المائدة: 11).
وقال سبحانه: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (المجادلة: 10).
التوكل خُلق الأنبياء
إذا أراد المؤمن أن يرى التوكل متجسدًا في واقع الحياة، فليتأمل سيرة رسل الله، فقد واجهوا التكذيب والتهديد والأذى، لكن قلوبهم بقيت معلقة بالله.
قال تعالى على لسان الرسل: {وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} (إبراهيم: 12).
وقال نوح عليه السلام لقومه: {يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ} (يونس: 71).
وقال هود عليه السلام متحديًا قومه بعدما خوفوه بآلهتهم: {إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم} (هود: 54-56).
وقال إبراهيم عليه السلام والذين معه: {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (الممتحنة: 4).
وقال شعيب عليه السلام: {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} (هود: 88).
وقال موسى عليه السلام لقومه: {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ * فَقَالُواْ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} (يونس: 84-86).
وهكذا كان التوكل زاد الأنبياء عند الخوف، وسلاحهم عند التهديد، وقوتهم أمام بطش أقوامهم، لأنهم أدركوا أن القوة كلها لله، وأن الخلق مهما بلغت قوتهم لا يملكون ضرًا ولا نفعًا إلا بإذنه.
ومن يتوكل على الله فهو حسبه
ومن أعظم بشارات القرآن للمتوكلين قول الله تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} (الطلاق: 3).
فأي طمأنينة أعظم من أن يكون الله حسب عبده وكافيه؟ وقد سبقها قوله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا} (الطلاق: 2).
ولم يقف فضل التوكل عند الكفاية، بل أخبر الله أنه يحب أهله، فقال سبحانه: {يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران: 159).
وقد أشار الإمام الغزالي إلى عظمة هذه المنزلة، فمَن كان الله حسبه وكافيه ومحبه وراعيه فقد فاز فوزًا عظيمًا.
ويؤكد القرآن معنى الكفاية بقوله سبحانه: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} (الزمر: 36).
فكيف يتعلق القلب بغير الله، وهو الذي بيده النفع والضر والكفاية؟ وكيف يخشى المؤمن أن يضيعه ربه وهو الذي وعد المتوكل بالكفاية؟
وقال سبحانه: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (الأنفال: 49).
فهو سبحانه عزيز لا يغلب، وحكيم لا يختل تدبيره، ومن اعتمد عليه فقد اعتمد على قوة لا تقهر وحكمة لا يعتريها نقص.
وعلى الجانب الآخر، يكشف القرآن ضعف كل ما يتعلق به الإنسان من دون الله، فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} (الأعراف: 194).
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ} (العنكبوت: 17).
وقال عز وجل: {وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ} (المنافقون: 7).
ومن هنا قال الإمام الغزالي إن ما جاء في القرآن من تقرير التوحيد يحمل في معانيه تنبيهًا للقلب إلى قطع تعلقه واستقلال اعتماده على غير الله، والتوكل على الواحد القهار.
التوكل في السنة النبوية
وجاءت السنة النبوية لتزيد هذه المنزلة وضوحًا، وتبين أن التوكل ليس معنى نظريًا، وإنما عبادة يعيش بها المسلم في رزقه وخروجه ودخوله وخوفه ورجائه وسائر شؤون حياته.
ومن أعظم فضائل المتوكلين ما جاء في الصحيحين في حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، إذ وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون».
فكان التوكل من أبرز الصفات التي أهلتهم لهذه المنزلة العظيمة: دخول الجنة بغير حساب.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجدد توكله على ربه في دعائه، ففي الصحيح أنه كان يقول: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت. اللهم إني أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت، أن تضلني. أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون».
وهنا يجتمع الإسلام والإيمان والتوكل والإنابة في دعاء واحد، وكأن القلب يعلن افتقاره الكامل إلى الله الذي لا يموت، بينما كل من سواه إلى فناء.
التوكل لا يعني ترك الأسباب
ومن أجمل ما يوضح حقيقة التوكل حديث عمر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا، وتروح بطانًا».
ومعنى «خماصًا» أنها تخرج فارغة البطون، ثم تعود وقد امتلأت.
وهذا الحديث يهدم الفهم الخاطئ للتوكل، فالطير لم تبق في أعشاشها تنتظر الرزق، وإنما «تغدو»، أي تخرج وتسعى وتبحث، ولكن قلبها غير متعلق إلا برازقها.
وهكذا المؤمن، يطلب العمل، ويتعلم، ويتداوى، ويخطط، ويزرع، ويتاجر، ويستشير، ويتخذ القرار، ولكنه لا يجعل الأسباب أربابًا من دون الله، بل يعلم أنها وسائل وأن النتائج بيد مسبب الأسباب.
وهذا هو المعنى الذي قرره القرآن بقوله: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران: 159).
فالعزم يسبق التوكل، والعمل يصاحب الاعتماد على الله، أما ترك الأسباب مع القدرة عليها فليس هو التوكل الذي دل عليه القرآن والسنة.
هُديت ووُقيت وكُفيت
ويمتد التوكل إلى تفاصيل حياة المسلم اليومية، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم علم أمته أن تبدأ خروجها من البيت بإعلان الاعتماد على الله.
ففي السنن عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال، يعني إذا خرج من بيته: بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: هُديت ووُقيت وكُفيت. فيقول الشيطان لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هُدي وكُفي ووُقي؟».
ثلاث ثمرات عظيمة يجنيها العبد وهو يخرج من بيته: الهداية، والوقاية، والكفاية. وما أحوج الإنسان إليها وهو يواجه كل يوم ما لا يعرفه من أحداث وأقدار ومخاطر وابتلاءات.
ولم يكن التوكل ذكرًا للخروج وحده، بل جعله النبي صلى الله عليه وسلم حاضرًا عند دخول البيت كذلك.
ففي سنن أبي داود عن أبي مالك الأشعري مرفوعًا: «إذا ولج الرجل بيته، فليقل: اللهم أسألك خير المولج، وخير المخرج. بسم الله ولجنا، وباسم الله خرجنا، وعلى الله ربنا توكلنا، ثم ليسلِّم على أهله».
وهكذا يعيش المسلم بين توكل وتوكل؛ يخرج من بيته متوكلًا، ويعود إليه متوكلًا، ويسعى في رزقه متوكلًا، ويواجه خوفه متوكلًا، ويتخذ أسبابه ثم يسلم أمر النتائج لرب العالمين.
التوكل حياة للقلب
إن حقيقة التوكل أن يعلم العبد أن الله وحده كافيه، وأن خزائن السماوات والأرض بيده، وأن البشر مهما ملكوا من أسباب فهم عباد محتاجون مثله، وأن الرزق والنصر والحفظ والشفاء والفرج كلها بيد الله.
فإذا استقر هذا المعنى في القلب لم يعد التوكل مجرد كلمة تقال عند الشدة، بل أصبح منهج حياة. يأخذ المؤمن بالأسباب دون أن يعبدها بقلبه، ويطرق الأبواب دون أن ينسى صاحب الأبواب، ويسعى للرزق وهو يعلم أن الرزاق هو الله.
وإذا ضاقت عليه الدنيا تذكر: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}، وإذا خاف تذكر: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}، وإذا بحث عن الرزق تذكر: {فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ}، وإذا أقدم على أمر تذكر: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ}.
فطوبى لقلب أخذ بالأسباب بجوارحه، ثم تحرر منها بقلبه، فلم ير لنفسه حولًا ولا قوة إلا بالله، ولم يجعل رجاءه النهائي إلا فيه، ولم يفوض أمره إلا إليه؛ فهذا هو طريق الأنبياء، وصفة المؤمنين، ومن أعظم أبواب الطمأنينة في الدنيا والفوز في الآخرة.

