كشفت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي عن ضبط وإغلاق أكثر من 400 كيان تعليمي وهمي في محافظات مصر، بالتزامن مع اقتراب إعلان نتيجة الثانوية العامة، في خطوة تستهدف حماية الطلاب من شهادات مزورة وخسائر مالية ومستقبل أكاديمي ضائع.
وتفضح عودة الظاهرة كل عام عجز السلطة عن تفكيك سوق النصب التعليمي، بعدما تركت الأسر المحاصرة بالمصاريف والمجاميع المنخفضة فريسة لإعلانات كاذبة، بينما تتحول أحلام الصعود الاجتماعي إلى أبواب واسعة للابتزاز والخذلان.
مصائد الموسم الجامعي
في البداية، تنشط الكيانات الوهمية فور ظهور النتائج، مستغلة ارتباك الطلاب وخوف الأسر من ضياع فرص التعليم، فتقدم نفسها بأسماء أكاديميات ومعاهد دولية، وتعد بتخصصات جذابة لا تمتلك تراخيص قانونية أو اعترافا أكاديميا.
وفي المقابل، تعتمد هذه المراكز على إعلانات ممولة عبر منصات التواصل الاجتماعي، تعرض صور معامل وقاعات وشعارات رسمية مزيفة، بما يمنحها مظهرا مؤسسيا خادعا يصعب على الطالب حديث الخبرة كشفه قبل دفع الرسوم.
إلى جانب ذلك، تروج بعض الجهات لبرامج في التمريض والطيران ونظم المعلومات واللغات، وتزعم منح شهادات موثقة من المجلس الأعلى للجامعات، رغم أن الأوراق الصادرة عنها لا تمنح أصحابها أي حق أكاديمي أو وظيفي.
وعلى صعيد آخر، يرى الدكتور حسن شحاتة، أستاذ المناهج بجامعة عين شمس، أن موسم النتائج يمثل البيئة الأكثر خصوبة لاستدراج الطلاب، لأن الكيانات الوهمية تراهن على انخفاض المجموع والرغبة السريعة في حجز مقعد جامعي.
وبحسب شحاتة، يبدأ الاحتيال غالبا بعروض قبول سهلة ومصروفات تبدو أقل من البدائل الرسمية، ثم يتطور إلى تحصيل رسوم إضافية مقابل شهادات أو تدريبات أو توثيقات، قبل أن يكتشف الطالب أن المؤسسة بلا اعتماد.
وفوق ذلك، تستفيد تلك الكيانات من ضعف الثقافة القانونية لدى قطاعات واسعة من الأسر، إذ يختلط على البعض الفرق بين مركز تدريب ومعهد عال، وبين شهادة حضور ودبلوم أكاديمي معترف به من الدولة.
لهذا السبب، لا يكفي إغلاق مقر واحد بعد بدء الدراسة، لأن القائمين عليه يستطيعون الانتقال إلى شقة أخرى أو تغيير الاسم التجاري، بينما يبقى الطلاب وحدهم أمام خسائر مالية ونفسية يصعب تعويضها.
ومع ذلك، تستمر الدعاية المضللة في الانتشار أسرع من بيانات التحذير الرسمية، وهو ما يكشف قصورا واضحا في التواصل الحكومي، خاصة مع الطلاب في القرى والمناطق الفقيرة الذين يعتمدون على الهاتف مصدرا أساسيا للمعلومات.
شهادات بلا مستقبل
من ناحية ثانية، لا تتوقف الخسارة عند الأموال المدفوعة، بل تمتد إلى سنوات عمر تضيع في دراسة برامج غير معترف بها، ثم يصطدم الخريج برفض شهادته عند التوظيف أو استكمال الدراسات العليا.
وفي السياق نفسه، يؤكد الدكتور ماجد أبو العينين، عميد كلية التربية بجامعة عين شمس سابقا، أن ضحايا هذه المؤسسات يحصلون على أوراق لا قيمة قانونية لها، ولا يمكن استخدامها في التعيين أو إثبات مؤهل رسمي.
وبناء على ذلك، يتحول الطالب بعد سنوات الدراسة إلى ضحية مزدوجة، فقد خسر المال والوقت، كما يجد نفسه مطالبا بالبدء من جديد، وسط شعور بالخجل والذنب وضغوط أسرية قد تدفعه إلى العزلة.
كذلك، تتسبب الشهادات المزورة في إرباك سوق العمل، إذ يتقدم حاملوها إلى وظائف تتطلب تأهيلا حقيقيا، بما يهدد جودة الخدمات، خصوصا حين يتعلق الأمر بمجالات حساسة مثل التمريض أو التحاليل أو التطبيقات التقنية.
في المقابل، لا توفر الدولة مسارات كافية ورخيصة للتعليم التطبيقي الجيد أمام أصحاب المجاميع المتوسطة، فتترك فراغا تستغله شبكات الاحتيال، وتبيع وعودا سريعة بالتوظيف لمن ضاقت أمامهم أبواب الجامعات الحكومية.
وعلاوة على ذلك، تدفع سياسات التوسع في المصروفات والبرامج المدفوعة كثيرا من الأسر إلى البحث عن بدائل أرخص، بينما تستخدم الكيانات الوهمية لغة العدالة الاجتماعية نفسها لتسويق مشروع تجاري قائم على الخداع.
ومن ثم، تصبح الظاهرة نتاجا لأزمة أوسع في التعليم، حيث تقاس قيمة الطالب بالمجموع والقدرة المالية، ويجري دفع آلاف الشباب نحو هامش أكاديمي غامض، من دون إرشاد مهني جاد أو بدائل حكومية محترمة.
وفي ضوء ذلك، لا يمكن تحميل الأسر وحدها مسؤولية السقوط في الفخ، لأن الجهات الرسمية تعرف موعد نشاط هذه الشبكات وأدواتها الدعائية، ومع ذلك تتكرر الوقائع سنويا كأنها مفاجأة إدارية جديدة.
رقابة تأتي متأخرة
أما على المستوى الرسمي، تعتمد وزارة التعليم العالي على لجان الضبطية القضائية وإصدار قوائم سوداء بأسماء الكيانات المخالفة، إلى جانب نشر قوائم المؤسسات المعتمدة التي ينبغي الرجوع إليها قبل التقديم أو سداد الأموال.
وفي هذا الإطار، يطالب الدكتور حسام المندوه الحسيني، عضو لجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس النواب، بتشديد الرقابة وتغليظ العقوبات، مع ملاحقة الإعلانات الكاذبة التي تستغل موسم التنسيق لاستقطاب الطلاب وأولياء الأمور.
ووفقا للمندوه، يجب ألا تقتصر المواجهة على إغلاق المقرات، بل تمتد إلى محاسبة المسؤولين عن الدعاية والتحصيل والتزوير، وتنسيق العمل بين وزارة التعليم العالي والأجهزة الأمنية والجهات المعنية بحماية المستهلك.
لكن في المقابل، يظل الإعلان عن مئات الإغلاقات دليلا على اتساع السوق أكثر مما هو دليل على إنهائها، لأن استمرار ظهور كيانات جديدة يعني أن الردع القانوني أضعف من الأرباح التي تحققها شبكات النصب.
وبالتوازي، يحذر الكاتب الصحفي عبد الرحمن عبادي، المتخصص في شؤون التعليم، من انتقال تجارة الشهادات المزيفة إلى المنصات الرقمية، حيث يمكن إنشاء صفحات احترافية وترويج برامج وهمية والوصول إلى آلاف الطلاب خلال ساعات.
وبدلا من الاكتفاء بتحذيرات موسمية، تحتاج الوزارة إلى حملة يومية واضحة تشرح الفروق بين الجامعة والمعهد ومركز التدريب، وتتيح خدمة سريعة للتحقق من الترخيص، مع نشر أسماء المخالفين وقرارات الإغلاق بصورة مفهومة.
لذلك، يجب إلزام منصات التواصل بوقف الإعلانات التعليمية غير الموثقة، وعدم السماح لأي جهة بترويج شهادات أو درجات علمية قبل تقديم رقم الترخيص والجهة المشرفة، مع توفير آلية سهلة للإبلاغ عن المخالفات.
وأخيرا، تبقى حماية الطلاب اختبارا لجدية الدولة في صون الحق بالتعليم، فالمطلوب ليس إنقاذ الأسر بعد وقوع النصب، بل منع الجريمة قبل بدايتها، وفتح بدائل تعليمية حقيقية أمام من لم ينصفهم سباق الدرجات.

