تُسرّع مصر تعاونها النووي مع روسيا، فيما تواصل شركة روساتوم إنشاء محطة الضبعة النووية العملاقة على الساحل الشمالي الغربي، وسط ارتفاع حاد في أسعار الطاقة عالميًا بفعل الصراعات الإقليمية وتراجع قيمة العملة المحلية. ويرى الكاتب  عمرة إمام  أن المشروع يستهدف تخفيف عبء دعم الوقود الذي يرهق الموازنة المصرية، ودعم طموح القاهرة للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة، إلى جانب تنويع تحالفاتها وشراكاتها الدولية.

 

وبحسب ما نشره موقع المجلة، ستوفر محطة الضبعة النووية، عند اكتمال مفاعلاتها الأربعة في عام 2030، نحو 10% من احتياجات مصر من الكهرباء، وفقًا للحكومة. وتنتج مصر حاليًا ما يتراوح بين 210 و230 تيراواط/ساعة من الكهرباء سنويًا، وهو ما يغطي الاستهلاك المحلي مع وجود فائض، لكن اعتماد محطات الكهرباء على وقود مستورد يجعل منظومة الطاقة الحالية مرتفعة التكلفة، في وقت تعاني فيه البلاد ضغوطًا اقتصادية وتراجعًا في قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية.

 

ارتفاع أسعار الوقود يفاقم الضغوط على الاقتصاد المصري

 

قدّر رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي، في وقت سابق من العام الجاري، تكلفة الوقود اللازمة لتوليد الكهرباء بنحو 12 مليار دولار سنويًا. وتعتمد محطات الكهرباء في مصر على الغاز الطبيعي بنسبة تصل إلى 90% من عمليات التشغيل، بينما تعتمد النسبة المتبقية على أنواع أخرى من الوقود، من بينها المازوت، وهو وقود نفطي ثقيل منخفض الجودة ينتج بعد إزالة المشتقات الأخف خلال عمليات تكرير النفط.

 

وتتحمل القاهرة الجزء الأكبر من تكلفة توليد الكهرباء عبر دعم الوقود، بينما يسدد المستهلكون الجزء المتبقي. لكن ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحروب في الخليج ومناطق أخرى جعل تكلفة إنتاج الكهرباء عبئًا متزايدًا على الخزانة المصرية، كما زاد من حدة الضغوط الناجمة عن تراجع قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية، ما يرفع تكلفة استيراد السلع والمواد الأساسية.

 

وقال الخبير الاقتصادي المستقل علي الإدريسي إن ارتفاع أسعار الطاقة العالمية ألحق أضرارًا اقتصادية بالدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات، مثل مصر. ويؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة تكاليف الإنتاج، ما ينعكس على عشرات الملايين من المستهلكين، وهو ما يدفع القاهرة إلى تقليص اعتمادها على الوقود التقليدي والتوسع في مصادر الطاقة المتجددة والنووية.

 

وتسهم مصادر الطاقة المتجددة حاليًا بنحو 12% من إنتاج الكهرباء في مصر، بينما تستهدف الحكومة رفع هذه النسبة إلى 42% بحلول عام 2030، وإلى 60% بحلول عام 2040. وفي الوقت نفسه، أعلن الرئيس التنفيذي لشركة روساتوم أليكسي ليخاتشوف، في وقت سابق من الشهر الجاري، أن الحكومة المصرية تجري مفاوضات مع الشركة لإنشاء محطات صغيرة لتوليد الكهرباء، من بينها محطات عائمة تعتمد على المياه.

 

محطة الضبعة تدعم تحول مصر إلى مركز إقليمي للطاقة
  

قد يساعد التركيز المصري المتزايد على الطاقة النووية والمتجددة في تعزيز مكانة البلاد كمركز إقليمي للطاقة، مستفيدة من موقعها عند تقاطع مناطق إنتاج الطاقة في الشرق الأوسط، وأسواق الاستهلاك الأوروبية، فضلًا عن امتلاكها طريقًا رئيسيًا لنقل الطاقة والتجارة العالمية عبر قناة السويس.

 

وتضم منطقة شرق المتوسط احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي، فيما تمتلك مصر حصة مهمة من هذه الموارد. وأسهم اكتشاف حقل ظهر قبالة السواحل المصرية في تغيير مشهد الطاقة في البلاد، إذ تحولت مصر إلى مصدر صافٍ للغاز الطبيعي للمرة الأولى منذ سنوات.

 

وكانت الخطة تقضي بتوجيه إنتاج حقل ظهر إلى عمليات التصدير، إلى جانب جمع الغاز من دول منتجة أخرى، ثم معالجته في منشآت الإسالة الضخمة وإرساله إلى الأسواق العالمية. لكن تراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي أثر سلبًا في قدرتها على تصدير الغاز، ودفعها إلى زيادة الاعتماد على الواردات، وفقًا لما قاله متخصص أسواق الطاقة رمضان أبو العلا.

 

وانخفض إنتاج مصر من الغاز إلى 3.9 مليار قدم مكعبة يوميًا في ديسمبر 2025، مقابل 6.5 مليار قدم مكعبة يوميًا خلال الفترة نفسها قبل أربعة أعوام. بينما يصل الطلب المحلي إلى 6.2 مليار قدم مكعبة يوميًا، وقد يرتفع إلى 7 مليارات قدم مكعبة في بعض أوقات العام.

 

وتحاول القاهرة سد فجوة الإنتاج عبر زيادة واردات الغاز الطبيعي المسال، الذي تعيد معالجته وتصديره من خلال سلسلة من الصفقات التي تقدر قيمتها بمليارات الدولارات مع دول، من بينها إسرائيل وقبرص.

 

ومن شأن زيادة الاعتماد على الطاقة النووية أن توفر جزءًا من الغاز الطبيعي المستخدم حاليًا في تشغيل محطات الكهرباء، ما يتيح توجيه كميات أكبر منه إلى عمليات التصدير، وهو ما قد يوفر إيرادات إضافية ويدعم التحول إلى مركز إقليمي للطاقة.

 

لكن بناء محطة الضبعة سيكلف نحو 30 مليار دولار، يمول 85% منها قرض روسي تسدده مصر على مدار 22 عامًا. ويسمح سداد القرض بالروبل الروسي للقاهرة بتجنب زيادة الضغط على احتياطياتها من الدولار، في ظل حاجتها إلى العملة الصعبة لتغطية فاتورة الواردات والالتزامات الخارجية.

 

التعاون النووي يعزز التقارب السياسي بين القاهرة وموسكو

 

لا تقتصر أهمية مشروع الضبعة على الجانب الاقتصادي، إذ يحمل المشروع أبعادًا سياسية واستراتيجية أيضًا. ويرى محللون أن القاهرة تسعى إلى تعزيز علاقاتها مع موسكو وتنويع شراكاتها الدولية، بما يساعدها على تحقيق قدر أكبر من التوازن في علاقاتها مع القوى الغربية.

 

وتُعد روسيا موردًا مهمًا للأسلحة إلى مصر، التي تضم ترسانتها العسكرية معدات غربية وروسية وصينية. وتشمل الإمدادات الروسية أنظمة للدفاع الجوي وطائرات مقاتلة ووحدات بحرية.

 

وفي المقابل، يخدم مشروع محطة الضبعة المصالح الاستراتيجية الروسية، إذ تسعى موسكو إلى تعزيز علاقاتها مع القاهرة، خصوصًا بعد خسارتها موطئ قدمها في سوريا عقب مغادرة الرئيس السوري السابق بشار الأسد البلاد في ديسمبر 2024.

 

ويرى الباحث السياسي محمد ربيع الدحي أن المشروع يسلط الضوء على رغبة البلدين في بناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد.

 

ويضيف أن روسيا تساعد مصر على تنويع شراكاتها الدولية على المستويات الاقتصادية والعسكرية والسياسية، بينما يتيح التعاون الوثيق مع القاهرة لموسكو توسيع نفوذها الجيوسياسي في الشرق الأوسط وأفريقيا، والوصول إلى أسواق مهمة في ظل العقوبات الغربية المشددة المفروضة عليها.

 

وبذلك، لا تبدو محطة الضبعة مجرد مشروع لتوليد الكهرباء، بل تمثل جزءًا من استراتيجية أوسع تسعى من خلالها مصر إلى مواجهة أزمة الطاقة وتقليل فاتورة الوقود، وتنويع مصادر الطاقة، وتعزيز موقعها كمركز إقليمي للطاقة، بالتوازي مع توسيع شراكتها الاستراتيجية مع روسيا في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والجيوسياسية على القاهرة.

 

https://en.majalla.com/node/332136/business-economy/egypt-and-russia-team-over-nuclear-power