د. عادل الحواتمة

أستاذ مساعد في قسم الشؤون الدولية والسياسة العامة، جامعة لوسيل، قطر

 

 

حالة من عدم اليقين تحكم الظروف الحالية في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة الخليجية، فبين مفاهيم ومستويات الحرب الشاملة، والضربات المتبادلة، والضربات المسقوفة، وغياب الثقة، والتصورات والتفسيرات المختلفة لصورة النصر لكل طرف، تصارع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران لتجنب الانهيار، أو على الأقل، هي بحاجة ملحة لتعديل جوهري يتجاوز أسباب العودة للنزاع المتقطع الحالي.

 

وهذا، بطبيعة الحال، يتطلب قدرا أكبر من الثقة والبراغماتية لدى الأطراف المتنازعة، مسنودا بدفعة قوية حيوية من الوسطاء القطريين والباكستانيين، وقد يلجؤون معها، إلى ممارسة ضغوط جديدة تناسب حالة الاستعصاء السياسي الحالية التي تمنع الأطراف من إسكات البنادق.

 

فالمسافة بين الثبات والتنوع في أهداف القوى الدولية والإقليمية تؤدي إلى تباينات بنيوية في المواقف تظهر بشكل متسلسل، يبدأ بالتنافس بينها، وقد ينتهي بالصراع مرورا بالأعمال العسكرية والحروب.

 

وفي عالم محكوم بالتعددية، قد يصعب في أحيان كثيرة التوفيق بين المصالح القومية والمصالح الإنسانية للدول، لذلك فإن محاولة تجاوز هذا التباين كليا أو مرحليا يتطلب جهودا ذاتية وموضوعية توازن بين حدود المصالح، وتغليب نظرة تتسم بالحكمة والمنطق والتشاركية. وبشكل أكثر تحديدا، وبما يتسق مع موضوع المقال، فإن السؤال الملحّ هنا: كيف يمكن التوفيق بين تعزيز الاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط وأهداف الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة؟

 

البيئة الدولية والدور المزدوج

 

تُكسب البيئة الدولية قواها الفاعلة مساحة غير منتظمة تبعا لخصائصها في تشكيل تفاعلاتها، حيث يعتمد شكل الأخيرة، بصورة أساسية، على مقاربة تجمع بين محاولة تحقيق المصالح وتصوراتها عن الآخر وأهدافه. ونظرا لاختلاف القدرات والمصالح والتصورات، فقد ظهرت الحاجة لإيجاد مشتركات بين الدول للإسهام في تغليب التعاون على الصراع، وهذا ما أنتج المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، والقانون الدولي كحالة تتوسط الوطني والإنساني.

 

ولكن، وعلى الرغم من النجاح الجزئي والمؤقت الذي حققته المؤسسات الدولية، فما زال هناك حالات تتسم بالتعقيد، حيث يصعب معها امتلاك القدرة على التأثير في قرارات معظم الدول، أو إخضاع رغباتهم القومية لمصلحة أشمل وأكثر إنسانية، لا سيما أن بعضهم، أسهم في تأسيس بعض تلك المشتركات.

 

إذن، ما تقدمه البيئة الدولية من وحدة وتوافق، يكاد أن يكون رهنا لتصور الأطراف الدولية وما يشكله سلوكها، الذي بدوره ينتج حالة من الصراع أو التعاون.

 

وفي خِضم كل ذلك، من المشروع التساؤل عن كيفية خلق حالة من التعاون والاستقرار بين قوى منطقة الشرق الأوسط، مع الأخذ بالاعتبار الفاعل الدولي المؤثر: الولايات المتحدة الأمريكية، وما هو دونه، الكيان الإسرائيلي.

 

المصالح القومية الأمريكية في الشرق الأوسط

 

تتسم المصالح القومية الأمريكية بالثبات بغض النظر عن الإدارات الحاكمة، ولكن، ربما يبدو جوهر الاختلاف متعلقا بالمقاربة والمنهج في تحقيق تلك المصالح.

 

تهدف الإستراتيجية الأمنية للولايات المتحدة الأمريكية 2025 عموما، وفي المنطقة خصوصا، لضمان بقائها الدولة العظمى، والأغنى، والأكثر فاعلية، والأنجح لعقود قادمة.

 

ولقد بنيت تلك الإستراتيجية على إجابات ثلاثة أسئلة مهمة: ما الذي تريده الولايات المتحدة؟ وماذا تريد من العالم؟ وما هي الأدوات المتوفرة التي تمكنها من تحقيق ما تريد؟

 

تجمع الإستراتيجية بين أهمية الحفاظ على الكيان الأمريكي، وحماية نظامه الاجتماعي والاقتصادي، وامتلاك بنية تحتية مرنة وقوية، وتسليح وإعداد أقوى جيش في العالم، وتحقيق أقوى ردع نووي، وغير ذلك لتجيب عن السؤال الأول، فيما تستحضر، لتجيب عن السؤال الثاني، أهمية ضمان استقرار النصف الغربي من العالم على الأقل بحدود معقولة، ومنع الهجرات الجماعية وغير الشرعية.

 

وكذلك تطوير مبدأ "مونرو" المتعلق بدول أمريكا اللاتينية والتدخل الأوروبي؛ بهدف وقف الإضرار بالاقتصاد الناتج عن الجهات الأجنبية، والحفاظ على منطقة المحيطين الهندي والهادئ حرة ومفتوحة، ومنع القوى المعادية من الهيمنة على الشرق الأوسط وموارده، والممرات البحرية، وأن تقود الولايات المتحدة طفرة الذكاء الاصطناعي عالميا.

 

وكل ذلك لا شك يحتاج لأدوات ووسائل لتحقيقه، حيث تجمع الإستراتيجية ، للإجابة عن السؤال الثالث، بين النظام السياسي المرن والنظام الاقتصادي والمالي والقطاع التكنولوجي، والقوة العسكرية والتحالفات والموقع الإستراتيجي والقوة الناعمة المؤثرة القادرة على تحقيق كل ذلك.

 

ومن خلال تفاصيل هذه الإستراتيجية، نجد أن هذا قد يزيد من تعقيد الوضع القائم، أو ذلك المتشكل على أنقاضه في ظل إدارة جمهورية، ووجود حالة عداء قديمة متجددة مع النظام الإيراني، والذي يؤدي البرنامج النووي فيها دورا بارزا بين الهدوء والتصعيد، يضاف لها طموحات إقليمية ودولية في المنافسة على النفوذ، وربما الهيمنة في محاولة للانقلاب على النظام الدولي القائم الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية.

 

كما يأخذ بالحسبان حالة استغلال فاعل إقليمي ظروفا معينة لتحقيق تفوق نوعي متصور لديه في المنطقة، متجاوزا بذلك دور المؤسسات الدولية والقانون الدولي. وهنا يكمن التحدي: كيف يمكن بناء استقرار في المنطقة يأخذ في الاعتبار كل ذلك التناقض؟

 

تحقيق الاستقرار الإقليمي

 

تضع دول المنطقة، وتحديدا الدول الخليجية، في اعتبارها ضرورة تعزيز الاستقرار الإقليمي سواء كان ذلك متضمنا في مناهجها، أم خططها ورؤاها الإستراتيجية، أو على أولويات أجندة دبلوماسيتها؛ وذلك لأسباب عديدة منها إدراك هذه الدول أهمية ونتاج التعاون وقبول الاختلاف -وبشكل أساسي مع الجار الإيراني- مقابل التنافس والصراع، وبالتالي، تحاول تحييد عوامل إثارة الصراع، وتقديم عوامل حسن النية والجوار والتكامل السياسي والاقتصادي، وأحيانا الاجتماعي بحكم الجغرافيا.

 

وفي الوقت نفسه، يحتاج تعزيز الاستقرار لفهم مصالح القوى الفاعلة فيه، فبالإضافة للولايات المتحدة الأمريكية وإيران، لا يمكن إغفال قوى أخرى من الحجم المتوسط تلك التي تنتمي للمنطقة من منظور أوسع، كتركيا، وباكستان، وأبعد من ذلك قليلا من الدول الكبرى، الصين، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، ودول الخليج بطبيعة الحال.

 

وفي خضم كل هذا التنوع في المصالح، والأيديولوجيا، والأدوات والإستراتيجيات، تنشأ معضلة الأمن والاستقرار في المنطقة. حيث شهدت وتشهد المنطقة حاليا حربا أمريكية-إسرائيلية على إيران، انتشر شررها عسكريا على دول المنطقة، وامتد أثرها ليثقل دول العالم اقتصاديا أيضا، حيث أسهمت الأسباب، والسياقات، والنتائج المباشرة، وما ترتب عليها في تشكيل حالة في المنطقة، عنوانها: إعادة تصور العلاقات والفواعل، وإعادة إنتاج التحالفات العسكرية، والسياسية، وتعريف الحليف والعدو.

 

ولكن، لا يمكن استخدام مسطرة معيارية واحدة في قياس المسافات بين الفاعلين، ومدى إمكانية استيعاب مصالحهم جميعا وبالقدر نفسه؛ بالنظر إلى وجود فاعلين أصلاء وآخرين دخلاء.

 

وعلى الرغم من أننا نحاول إيجاد مساحة نظرية -على الأقل هنا- لخلق حالة تقاربية بين الفاعلين تأخذ بعين الاعتبار مصالحهم وإستراتيجياتهم من جهة، وتجمع بين تبايناتهم من حيث التأثير، والحجم، والنوايا، ومدى الاندماج الإقليمي، يهمنا بالدرجة الأولى مخرج يحقق أثرا إيجابيا كليا يشعر به الجميع.

 

وبالتركيز على فاعلين اثنين كالولايات المتحدة الأمريكية وإيران، فمن الآمن، والمنصف القول إنه إذا أرادت الولايات المتحدة أن تحتفظ بدورها في المنطقة كفاعل أساسي، وأن تكون على الأقل، مقبولة قيميا، فلا بد لها من تشكيل حالة تجمع بين الدور الوظيفي الذي يجب أن تؤديه وبين ما تسعى لتحقيقه.

 

فإذا كان السعي لضمان تدفق مصادر الطاقة كالنفط والغاز وحفظ الممرات البحرية من الاختطاف، وضمان إيران غير نووية، وديمومة تواجد سياسي وعسكري وثقافي، فلا بد من ممارسة دور وظيفي متفق إقليميا عليه يوازي هذا السعي، حيث يمكن تصور وتوقع ذلك في ممارسة سياسة عقلانية تأخذ بالحسبان الوفاء الحقيقي بالاتفاقيات المبرمة مع دول المنطقة، وتشكيل نظام أمن جماعي إقليمي خاص بمنطقة الشرق الأوسط-الخليجي يهدف، بشكل أساسي للردع، كما يستلزم ذلك الدور تفعيل قنوات دبلوماسية الإكراه والعقوبات عند الضرورة في حالات معينة لتجنب الصدام العسكري.

 

في المقابل، إذا أرادت إيران العودة للاندماج في المجتمع الدولي، وبناء تكنولوجيا نووية سلمية، وممارسة دور إقليمي تكاملي فاعل ومثمر، فإنها مطالبة بضرورة تفهم حساسية شعوب المنطقة من مشاريعها التوسعية، أو تلك الساعية للنفوذ، كما يجب عليها أن تمارس دورا عقلانيا أكبر في الملف النووي من خلال إظهار التزام أكبر مع الوكالة الدولية.

 

وتحتاج أيضا لتفهم -وضرورة أن ينعكس ذلك على سلوكها- طبيعة العلاقة التاريخية بين الولايات المتحدة ودول الخليج، وألا يتم فهمها من منطلق العداء.

 

كما يتطلب ذلك أيضا الالتزام بالقانون الدولي المنظم للممرات والقنوات والمضائق البحرية، وعدم الاعتداء على الأردن ودول الخليج بحجج واهية تحاول أن تبرر من خلالها محاولة تجنب الرد على قواعد أمريكية بحرية أو تلك الموجودة بعضها بدول أخرى، ويضاف لذلك، الوصول لقناعة مفادها، أن الثورة الإسلامية الإيرانية نموذج ليس بالضرورة صالحا للتعميم في المنطقة، وبالتالي مناسبته للشعب الإيراني تعني العمل على توطينه وتدجينه محليا.