سامح راشد
باحث مصري متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية للشرق الأوسط
دخلت الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة مرحلة تتخلّى فيها واشنطن عن أهدافها التي أعلنتها في بداية الحرب، وتتطوّر فيها أهداف طهران من مجرّد الصمود العسكري واستيعاب الهجمات، لتتقارب الأهداف، وتتحوّل المعارك إلى عملية استنزاف ممتدّة ومتبادلة.
تغيّرت معايير النصر والهزيمة وآليات تقييم كلّ منهما في الجانبَين المتحاربَين. فلم يعد أي منهما يبحث عن فوز ساحق وإنزال هزيمة كاملة بالآخر. وإنْ لم تتحدّث طهران أصلًا عن السعي إلى نصر عسكري كامل، فقد كان ذلك هو مضمون الأهداف المُعلَنة من جانب واشنطن، سواء إنهاء البرنامج النووي، أو تغيير النظام، أو تصفية الدور الإقليمي الإيراني بأذرعه ووكلائه. فأي من تلك الأهداف لم يكن ليتحقّق من دون إنزال هزيمة عسكرية شاملة بطهران، وهو ما لم يحدث.
عملياتيًا، لم تنجح إيران فقط في حرمان واشنطن من تحقيق أهدافها، بل نجحت أيضًا في تعطيل آلة الحرب الأميركية في غير موضع، وأنزلت خسائر مهمّة بأهداف أميركية حيوية في المنطقة، بما في ذلك إعطاب إحدى أهمّ حاملات الطائرات الأميركية، وتدمير مركز راداري إقليمي، وضرب قواعد ونقاط ارتكاز عسكرية أميركية في المنطقة. فاضطرت واشنطن، على أثر ذلك، إلى تعليق العمليات العسكرية مؤقّتًا لإعادة ترتيب أوراقها، بخاصّة في ظلّ تراجع مخزون الذخائر، نتيجة إمداد إسرائيل بكمّيات كبيرة منها في حربها على غزّة، ثمّ ضدّ إيران.
لا يعني هذا بالمرّة أنّ إيران باتت تملك اليد الطولى في هذه الحرب، فهي، في الأحوال كافّة، الطرف الأضعف في ميزان القوى الشاملة، ولو امتلكت زمام الأمور في أي وقت، لما تردّدت في طرق الحديد وهو ساخن، ولكانت وجّهت ضربات موجعة إلى واشنطن حين أعلن دونالد ترامب رفع الحصار وتعليق العقوبات، بل والسماح بتصدير كمّيات من النفط الإيراني، وهي التنازلات التي اضطر إليها على وقع الضربات.
العمليات الجارية حاليًا بين واشنطن وطهران تجسّد حرب استنزاف بالمعنى الدقيق، بدليل أنّ بنك الأهداف لدى الجانبَين لا يزال يتركّز في منشآت استراتيجية ذات مهام وأغراض عسكرية، ولا مؤشّرات عاجلة على توسيع دائرة الاستهداف لتشمل أهدافًا اقتصادية خالصة، فضلًا عن الأهداف المدنية. صحيح أنّ واشنطن بدأت بضرب جسور وطرق ذات أهمّية للبنية الأساسية في مناطق نفطية واقتصادية، وقوبل هذا التطوّر بتهديدات إيرانية متكرّرة بضرب أهداف مكافئة في دول المنطقة، بخاصّة محطّات المياه والكهرباء وغيرها من المنشآت الخدمية الأساسية، لكن يظلّ هذا التوجّه من الجانبين أقرب إلى عضّ الأصابع منه إلى قرار فعلي بتوسيع نطاق الحرب وتحويلها إلى حرب صفرية. وهو سلوك منطقي، بل رشيد من الجانبَين، إذ لا تملك إيران رفع وتيرة الحرب أو توسيع نطاقها، في ظلّ التفاوت الكبير في موازين القوى لمصلحة واشنطن، فيما تعلّمت إدارة ترامب الدرس، واختبرت كيف يؤدّي الاستسهال والتهوّر الميداني إلى تعطيل حركة الملاحة، وإشعال سوق النفط العالمية.
ورغم تفاوت القدرات العسكرية بين الطرفَين، يتشابه سلوكهما وإدارتهما هذه الحرب. فرغم استمرار القتال وتبادل القصف والمكاسب والخسائر الميدانية، لا تزال خطوط الاتصال مفتوحة ومسار التفاوض مفعّلًا. وواضح تمامًا أنّ كليهما لا يعوّل على المفاوضات إلا لتأطير ما يحقّقه من مكاسب عسكرية وترجمتها سياسيًا.
والنتيجة أنّ حالة الاستنزاف الراهنة مرشّحة للاستمرار، إذ يسعى كلّ من الجانبين حاليًا إلى تحقيق فوز بالنقاط، لا بالضربة القاضية، ما لم يضطر أحدهما إلى الاستسلام. وهو أمر غير مرجّح في قتال يتقابل فيه التفاوت في القدرات العسكرية المباشرة مع الندّية في القوة الجيوستراتيجية. والنصر الذي لم يحرزه أي من الطرفين في 145 يومًا ليس متوقّعًا حدوثه فجأة أو سريعًا، وربّما أبدًا.

