أطلقت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي في محافظات الجمهورية برنامجًا تدريبيًا تخصصيًا عن بُعد لتأهيل 70 من أخصائيي ومهندسي الإنتاج الحيواني، تحت عنوان «الاستراتيجيات والاتجاهات الحديثة في رعاية وتربية الأبقار والجاموس»، بهدف رفع كفاءة العاملين وتحسين الخدمات الموجهة للمربين وزيادة إنتاج اللحوم والألبان.
يكشف حجم البرنامج فجوة واضحة بين خطاب التطوير وعدد المستفيدين، إذ تكتفي الوزارة بتدريب 70 موظفًا بينما تقول بيانات حكومية إن صغار المربين يملكون 70% من إجمالي الثروة الحيوانية، ويواجه هؤلاء ارتفاع تكاليف الأعلاف وضعف الخدمات البيطرية وصعوبة التمويل والتسويق، وهي أزمات لا تعالجها دورة إلكترونية محدودة.
تدريب محدود بلا مؤشرات قياس أو امتداد ميداني
ويبدأ البرنامج خلال الفترة من 20 إلى 28 يوليو 2026، تنفيذًا لتوجيهات وزير الزراعة علاء فاروق بشأن تنمية مهارات العاملين، وتقول الوزارة إن التدريب سينقل أحدث المعارف العلمية والتطبيقية إلى كوادر مديريات الزراعة، لكنها لم تعلن ميزانية البرنامج أو معايير اختيار المشاركين أو المحافظات الممثلة داخل الدفعة.
وتحدد الوزارة محتوى الدورة في رعاية العجول الرضيعة والتغذية السليمة والرعاية الصحية وبرامج التحسين الوراثي، غير أن الإعلان لم يوضح عدد الساعات العملية أو آليات تقييم المتدربين أو خطط المتابعة بعد انتهاء البرنامج، كما لم يحدد مؤشرات تقيس انتقال المعرفة من الموظفين إلى المربين داخل القرى.
غير أن مساعد وزير الزراعة للتدريب أيمن مطر قدم البرنامج باعتباره جزءًا من رؤية الوزارة لبناء كوادر فنية تواكب التطورات الحديثة، وربط الاستثمار في العنصر البشري بزيادة الإنتاج وتحسين الخدمات، بينما ظل الربط الرسمي قائمًا على نتائج متوقعة من دون نشر خط أساس أو أهداف كمية قابلة للمراجعة.
ويضع أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة جمال صيام، وهو أكاديمي مستقل عن الوزارة، معيارًا أكثر صرامة لجدوى هذا النوع من البرامج، إذ يؤكد أن التكنولوجيا الزراعية تحتاج إطارًا مؤسسيًا يربط السياسات بالبحث العلمي والإرشاد والتعاونيات، بما يمنع تحول التدريب إلى نشاط منفصل عن مشكلات المنتجين اليومية.
التغذية والرعاية والتحسين الوراثي منظومة لا تختصرها شاشة
في المقابل يواجه المتدربون ملفًا يتجاوز المعرفة النظرية، لأن رعاية الأبقار والجاموس تبدأ من جودة العليقة وتوافر المياه والتهوية والتحصينات وسجلات القطيع، ثم تمتد إلى اكتشاف الأمراض وإدارة الولادات وتقليل النفوق، وهو ما يتطلب احتكاكًا ميدانيًا بالحظائر لا يمكن للشاشة وحدها أن توفره.
ثم تركز الدورة على تنشئة العجول الرضيعة، وهي مرحلة تحدد بقاء الحيوان وقدرته الإنتاجية لاحقًا، ولذلك يحتاج الأخصائي إلى تدريب تطبيقي على تقديم السرسوب ومراقبة النمو والتعامل مع الإسهال والالتهابات التنفسية، بينما لم تعلن الوزارة عن مزارع تدريبية أو أيام حقلية تترجم المحاضرات إلى ممارسات قابلة للتكرار.
وعلى مستوى التغذية لا يواجه المربي نقص المعلومات فقط، بل يواجه أسعارًا متقلبة واعتمادًا مرتفعًا على مدخلات مستوردة وبدائل علفية متفاوتة الجودة، ولذلك يصبح دور المهندس الزراعي محدودًا عندما لا تضمن السياسات توافر أعلاف آمنة بسعر يسمح باستمرار التربية ويحمي الأسر الريفية من بيع رؤوسها تحت ضغط التكلفة.
كذلك يوضح أستاذ تغذية الحيوان بجامعة عين شمس هاني محمود جادو، وهو باحث جامعي مستقل عن الوزارة، أن السلالات المحسنة لا تحقق إنتاجًا مرتفعًا تلقائيًا، لأن قدرتها الوراثية تحتاج تغذية متوازنة وإدارة دقيقة ورعاية صحية وحماية من الإجهاد الحراري، وهي شروط يجب أن يحتل تنفيذها مركز البرنامج.
ويشرح هذا الرأي سبب قصور تقديم التحسين الوراثي كعنوان تدريبي مستقل، فنجاح التلقيح والانتخاب يتوقف على تسجيل الأنساب والإنتاج ومتابعة الخصوبة وتوفير العليقة المناسبة، كما يتوقف على قدرة المربي على تحمل كلفة الحيوان الأعلى احتياجًا، وإلا تحولت السلالة المحسنة إلى عبء صحي ومالي بدلًا من زيادة الدخل.
«القرية المنتجة» تحتاج أعلافًا وتمويلًا وأسواقًا لا دورة موسمية
وبينما تربط الوزارة البرنامج بمبادرة «القرية المنتجة»، فإن هذا الربط يحتاج خطة معلنة تحدد القرى المستهدفة وعدد المربين الذين سيصل إليهم كل متدرب ونوع الدعم الذي سيقدمه ومواعيد الزيارات، لأن نقل الخبرة لا يحدث بمجرد حصول الموظف على محاضرات، بل يحتاج تكليفًا واضحًا وموارد انتقال وأدوات متابعة.
أما تصريح أيمن مطر بأن الكوادر المؤهلة ستنقل التقنيات الحديثة إلى صغار المربين والمزارعين، فيضع الوزارة أمام مسؤولية نشر نتائج التنفيذ، بما يشمل أعداد الزيارات والحالات التي جرى فحصها ومعدلات النفوق والإنتاج قبل التدخل وبعده، بدل الاكتفاء بإعلان إطلاق البرنامج وربطه بشعارات التنمية الريفية المستدامة.
ومن جهة أخرى يربط أستاذ الأراضي والمياه بجامعة القاهرة نادر نور الدين، وهو خبير أكاديمي خارج الإدارة الحكومية الحالية، حماية الإنتاج الحيواني بالتوسع في زراعة الذرة الصفراء وفول الصويا وتصنيع الأعلاف محليًا، كما يطالب بتوفير الصوامع والمجففات، لأن التدريب لا يعوض غياب البنية التي تخفض كلفة التغذية.
وبناء على هذا الطرح لا تستطيع مبادرة «القرية المنتجة» تحسين دخل الأسر الريفية ما لم تجمع بين الإرشاد والتمويل البيطري والأعلاف والتأمين والتسويق، فالمربي يحتاج قناة بيع عادلة وخدمة تحصين منتظمة وتمويلًا يناسب دورة الإنتاج، كما يحتاج حماية من تقلبات الأسعار التي تلتهم أي مكاسب تحققها المعرفة الفنية.
وأخيرًا يمنح البرنامج 70 أخصائيًا فرصة لتحديث معارفهم، لكنه لا يقدم حتى الآن دليلًا معلنًا على تحول التدريب إلى خدمة واسعة داخل القرى، ولذلك تبقى الحكومة مطالبة بنشر خطة تطبيق وقياس مستقلة ونتائج دورية، لأن كفاءة الثروة الحيوانية تقاس بانخفاض النفوق وزيادة الإنتاج وتحسن دخل المربين لا بعدد الحاضرين.

