أعلنت الحكومة المصرية في القاهرة توقيع مذكرة تفاهم واحدة بين الهيئة العامة لميناء الإسكندرية وهيئة موانئ الجبل الأسود، بهدف توسيع التعاون البحري واللوجستي ودراسة الربط الملاحي ورفع كفاءة التشغيل بين موانئ البلدين.
وربطت الحكومة المذكرة بزيارة الرئيس ياكوف ميلاتوفيتش إلى مصر، لكنها لم تعلن جدولا زمنيا أو تمويلا أو مشروعات محددة، بينما يتحمل المواطن كلفة إنفاق ضخم لا تصاحبه بيانات كافية عن العائد والتشغيل.
تفاهم بلا التزامات
وجرى توقيع المذكرة بحضور مصطفى مدبولي، فيما مثل الجانب المصري اللواء بحري إيهاب صلاح، ومثل الجانب الآخر ستانكو دريتيتش، وسط حضور رسمي لم يتبعه نشر نسخة كاملة تحدد الالتزامات القانونية والمالية والتنفيذية.
وبحسب البيان الحكومي، تستهدف المذكرة إنشاء إطار مؤسسي لإدارة الموانئ وتشغيلها وتبادل الخبرات وبناء القدرات، إلا أن الصياغة بقيت واسعة ولم تحدد الموانئ المشمولة أو الجهات المنفذة أو مواعيد بدء البرامج المشتركة.
وفي المقابل، وضعت الحكومة التحول الرقمي والاستدامة البيئية ضمن أهداف التعاون، من دون إعلان مؤشرات لقياس خفض زمن الإفراج أو استهلاك الطاقة أو الانبعاثات، وهو نقص يحول العناوين الفنية إلى وعود يصعب محاسبتها.
غير أن المذكرة لم تكشف طبيعة المشروعات التي ستخضع للتعاون، ولم توضح ما إذا كان الأمر يقتصر على التدريب وتبادل المعلومات، أم يمتد إلى عقود تشغيل أو امتيازات أو شراكات استثمارية لاحقة.
كما أغفل الإعلان تحديد المسؤولية عند تعثر التنفيذ، ولم يذكر آلية متابعة دورية أو لجنة مشتركة معلنة التشكيل والاختصاص، رغم أن وجود هذه الأدوات يمثل الحد الأدنى لتحويل التفاهمات الدبلوماسية إلى نتائج قابلة للقياس.
ومن ناحية أخرى، قدمت الحكومة تطوير الموانئ المصرية باعتباره طفرة غير مسبوقة، لكنها لم تربط هذا الوصف بتكلفة كل مشروع أو إيراداته أو مدة استرداد الإنفاق أو أثره المباشر على أسعار النقل والسلع.
ويرى خبير الموانئ أولاف ميرك أن كفاءة الميناء لا تضمن تلقائيا منفعة اقتصادية للمدينة والمجتمع، وأن الحوكمة والشفافية وتبادل المعلومات تحدد مقدار العائد العام، وهو معيار غائب عن الإعلان المصري المختصر.
لذلك يظل السؤال الأساسي متعلقا بما ستضيفه المذكرة فعليا إلى ميناء الإسكندرية، لا بعدد مراسم التوقيع، لأن الحكومة لم تقدم التزاما قابلا للمراجعة أمام الجمهور أو البرلمان أو الأجهزة الرقابية المستقلة.
الربط ينتظر التشغيل
علاوة على ذلك، تحدثت المذكرة عن دراسة فرص الربط الملاحي بين البلدين، من دون تسمية ميناء بار أو تحديد خط منتظم أو عدد الرحلات أو نوع البضائع أو الشركات التي ستشغل الخدمة وتتحمل مخاطرها.
وسبق أن أعلنت سلطات الجبل الأسود في يناير 2013 اهتمام مصر بإطلاق خط منتظم بين الإسكندرية وميناء بار، ما يجعل طرح الدراسة مجددا بعد سنوات طويلة سببا مشروعا للسؤال عن مصير الفكرة السابقة.
وبذلك لا تمثل الإشارة إلى الموقعين المتوسطي والأدرياتيكي دليلا كافيا على جدوى الخط، لأن الجغرافيا تتيح الفرصة فقط، بينما تحدد أحجام التجارة والأسعار وانتظام الرحلات وسرعة المناولة قدرة المشروع على الاستمرار.
ويؤكد أستاذ اقتصاد الموانئ ثيو نوتبوم أن تنافسية الميناء تعتمد على اتصاله بالأسواق الداخلية والممرات البرية والسكك الحديدية، وليس على الاتصال البحري وحده، بما يضع شبكة النقل المحلية داخل الاختبار نفسه.
ومن ثم تحتاج أي خدمة بين الإسكندرية والجبل الأسود إلى بيانات معلنة عن الطلب المتوقع، وحجم الصادرات المصرية المناسبة، وتكاليف الشحن، وزمن الرحلة، والبدائل المنافسة، قبل تقديمها باعتبارها دعما مؤكدا للتجارة والاستثمار.
وفي هذا السياق، سجل ميناء الإسكندرية أكثر من 82 مليون طن خلال العام المالي 2025 و2026، بزيادة تقارب 10 بالمئة، لكن ارتفاع المناولة لا يثبت وحده تحسن القيمة المضافة أو انخفاض التكلفة على المستوردين.
وفي الوقت نفسه، وقعت هيئة ميناء الإسكندرية في فبراير 2025 مذكرة مشابهة مع ميناء رييكا الكرواتي لتعزيز النقل واللوجستيات والتكنولوجيا، ما يكشف اعتماد الحكومة المتكرر على مذكرات عامة قبل إظهار حصيلة الاتفاقات السابقة.
ويشير تكرار هذا النموذج إلى ضرورة نشر كشف سنوي يوضح كل مذكرة بحرية وتاريخ توقيعها وما تحقق منها، بدلا من التعامل مع مراسم التوقيع باعتبارها إنجازا مكتفيا بذاته قبل بدء أي تشغيل.
بناء على ذلك، لن يدعم الربط الجديد سلاسل الإمداد إلا إذا التزمت الحكومة بتقليل زمن الانتظار والجمارك، وربط الميناء بالمناطق الإنتاجية، وضمان رحلات منتظمة، ونشر تعريفات عادلة لا تحمل المستهلك تكلفة امتيازات غامضة.
رقمنة دون رقابة
أما محور التحول الرقمي، فقد ورد باعتباره مجالا لتبادل الخبرات من دون تحديد الأنظمة المستهدفة أو مستوى تكاملها مع الجمارك والجهات الرقابية وشركات النقل، وهو ما يمنع تقييم الجاهزية أو تقدير الكلفة الحقيقية.
وإلى جانب ذلك، يوضح خبير التجارة البحرية يان هوفمان أن الرقمنة الفعالة تتطلب ربط الجهات العامة والخاصة وتبادل البيانات وتطوير النوافذ الواحدة، لا شراء نظم منفصلة تكرر الإجراءات الورقية في صورة إلكترونية مكلفة.
ويشدد هذا الطرح على أن الحكومة مطالبة بإعلان زمن الإفراج قبل التطوير وبعده، ونسبة المعاملات المنجزة رقميا، وعدد الجهات المتصلة، وحوادث التعطل، ومستوى حماية البيانات، حتى يصبح التحول الرقمي خدمة لا دعاية.
وبينما تضمنت المذكرة بناء القدرات، لم تعلن الحكومة عدد العاملين المستهدفين أو طبيعة البرامج أو الجهات التي ستدربهم أو معايير اختيارهم، كما لم توضح كيف ستنتقل المعرفة إلى فرق التشغيل بدلا من الوفود الإدارية.
كذلك استخدمت الحكومة تعبير الاستدامة البيئية من دون تحديد أهداف لخفض الانبعاثات أو إدارة المخلفات أو تزويد السفن بالطاقة النظيفة أو مراقبة جودة الهواء والمياه، رغم أن هذه الملفات تحتاج أرقاما ومواعيد ومسؤوليات معلنة.
وعمليا، لا تكفي الشراكات الدولية لرفع تنافسية الموانئ إذا استمرت الرسوم المعقدة وتأخر الإفراج وتعدد الجهات وضعف الوصول إلى المعلومات، لأن المتعامل يقيس الميناء بالوقت والكلفة والموثوقية لا بعدد الاتفاقات الموقعة.
ومع استمرار التوسع في البنية التحتية، يصبح نشر العقود والتكاليف والعوائد ضرورة لحماية المال العام، خاصة أن الحكومة تربط المشروعات بمكانة مصر الإقليمية من دون إتاحة بيانات مستقلة تقيس أثرها على التجارة المحلية.
وفوق ذلك، لم يوضح البيان ما إذا كانت المذكرة ملزمة أو محددة المدة أو قابلة للتجديد، ولم يعلن قواعد تسوية الخلافات، بما يترك أهم عناصر العلاقة المؤسسية خارج معرفة الرأي العام.
وفي المحصلة، يتطلب حماية مصالح ميناء الإسكندرية بقاء القرار التشغيلي والبيانات الأساسية تحت رقابة عامة واضحة، مع منع أي ترتيب لاحق يمنح طرفا خارجيا مزايا احتكارية أو إعفاءات غير معلنة.
وأخيرا، تملك مصر موقعا بحريا مؤثرا وميناء رئيسيا قادرا على جذب خطوط جديدة، لكن الحكومة تقلل قيمة هذه المزايا عندما تحجب شروط التنفيذ، وتستبدل المؤشرات المحددة بعبارات واسعة عن المكانة والتنافسية والشراكات الدولية.
وتخلص المذكرة إلى فرصة محتملة لا إنجاز مكتمل، فيما يظل نجاحها مرهونا بنشر خطة تشغيل وتمويل ومواعيد ومؤشرات رقابية، وإلا ستنضم إلى سلسلة تفاهمات تستخدمها الحكومة لتجميل المشهد من دون حساب علني للنتائج.

