كشفت أحكام وقرارات قضائية وحقوقية جديدة في القاهرة خلال يوليو 2026 عن تصعيد متزامن استهدف معارضين ونقابيين وصحفيين ومواطنين على خلفيات سياسية ومهنية ومذهبية بعدما أيدت محكمة جنح مستأنف القاهرة الجديدة حبس أحمد دومة لمدة عام مع الشغل واستمر إخفاء الدكتور محمد زهران وتأجلت محاكمة صحفيين بارزين بينما تواصلت حملات الاعتقال بحق مواطنين شيعة وهو ما وسع دائرة الانتقادات الحقوقية الداخلية والدولية.
وتعكس هذه التطورات استمرار اعتماد السلطات على الحبس والاتهامات المرتبطة بنشر الأخبار والانضمام إلى جماعات محظورة كأداة لإدارة المجال العام في وقت تتزايد فيه شكاوى المنظمات الحقوقية من اتساع نطاق الانتهاكات لتشمل الصحافة والعمل النقابي وحرية الاعتقاد بما يضع ملف الحقوق والحريات في صدارة الانتقادات الموجهة إلى الحكومة.
أحكام تكشف تجريم حرية التعبير
أيدت محكمة جنح مستأنف القاهرة الجديدة المنعقدة بالتجمع الخامس الحكم الصادر بحبس الشاعر والناشط السياسي أحمد دومة لمدة عام مع الشغل والنفاذ بعدما رفضت الاستئناف المقدم منه على حكم أول درجة ليصبح الحكم واجب التنفيذ وفق ما أعلنه شقيقه محمد دومة.
وتعود القضية رقم 4894 لسنة 2026 إلى السادس من أبريل عندما خضع دومة لتحقيقات أمام نيابة أمن الدولة العليا بسبب مقال نشره بعنوان "من السجن داخل الدولة إلى الدولة داخل السجن" طالب فيه بالإفراج عن المعتقلين السياسيين إلى جانب تدوينات انتقد فيها أوضاع الاحتجاز داخل السجون.
واتهمت النيابة دومة بإذاعة أخبار وبيانات وإشاعات كاذبة داخل البلاد وخارجها بما يضر بالسلم العام قبل أن تحيله إلى محاكمة عاجلة انتهت في يونيو الماضي بالحكم عليه بالحبس سنة مع الشغل ثم تثبيت الحكم في مرحلة الاستئناف.
وفي السياق ذاته أعلنت منظمة نجدة لحقوق الإنسان اعتقال الدكتور محمد زهران من منزله واقتياده إلى جهة غير معلومة دون عرضه على جهات التحقيق معتبرة أن ما جرى يمثل حالة إخفاء قسري مؤقت وانتهاكاً واضحاً للضمانات الدستورية الخاصة بالحرية الشخصية.
وجاء اعتقال زهران بعد دعوته معلمين إلى اجتماع سلمي لمناقشة تنفيذ الأحكام القضائية الخاصة بإنهاء الحراسة المفروضة على نقابة المعلمين والمطالبة بإجراء انتخابات نقابية حرة بعد أكثر من 10 سنوات من استمرار الحراسة.
وطالبت المنظمة بالكشف الفوري عن مكان احتجاز زهران والإفراج عنه دون شروط ورفع الحراسة عن نقابة المعلمين بما يسمح بإجراء انتخابات حرة معتبرة أن الإجراءات الأمنية تمثل اعتداء مباشراً على العمل النقابي وحق التجمع السلمي.
ويرى مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان السابق جمال عيد أن التوسع في استخدام الاتهامات المرتبطة بالنشر وحرية الرأي ضد المعارضين والنقابيين يعكس توجهاً لإغلاق المجال العام وإخضاع النشاط المدني لإجراءات أمنية وقضائية متواصلة بدلاً من الاحتكام إلى الضمانات الدستورية.
استمرار محاكمة الصحفيين وتدهور أوضاع المحتجزين
في المقابل لا تزال القضية المعروفة إعلامياً باسم خلية القاهرة الجديدة تضم 12 متهماً من بينهم رسام الكاريكاتير أشرف عمر والصحفيان رمضان جويدة وياسر أبو العلا بينما قررت الدائرة الثانية إرهاب بمحكمة جنايات القاهرة في جلسة 13 يوليو 2026 تأجيل نظر القضية إلى 12 أكتوبر 2026 لسماع الشهود.
ويستمر حبس الصحفي رمضان جويدة احتياطياً منذ الأول من مايو 2024 بعدما تعرض للاختفاء القسري لمدة 40 يوماً قبل ظهوره أمام نيابة أمن الدولة العليا على ذمة القضية رقم 1568 لسنة 2024 باتهامات تتعلق بالانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة.
وأدى استمرار احتجاز جويدة لأكثر من عامين إلى حرمانه من القيد بنقابة الصحفيين رغم استكماله جميع الإجراءات المطلوبة كما أكدت أسرته تدهور حالته الصحية والنفسية بعد نقله إلى سجن المنيا وصعوبة تمكن والدته المسنة من زيارته.
أما الصحفي ياسر أبو العلا فيواجه منذ مارس 2024 اتهامات مماثلة بالتوازي مع محاكمته في قضية تعود إلى عام 2015 بينما توسعت الملاحقات لتشمل أسرته بعدما اعتقلت قوات الأمن زوجته نجلاء فتحي وشقيقتها عقب مطالبتهما بالكشف عن مكان احتجازه أثناء فترة الإخفاء القسري.
كذلك يظل رسام الكاريكاتير أشرف عمر محتجزاً منذ 22 يوليو 2024 على ذمة القضية نفسها ويواجه اتهامات بالانضمام إلى جماعة محظورة ونشر أخبار كاذبة وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بحسب أوراق التحقيق.
واعتبرت المفوضية المصرية للحقوق والحريات أن استمرار احتجاز الصحفيين الأربعة يستوجب الإفراج الفوري عنهم وإسقاط الاتهامات الموجهة إليهم مع فتح تحقيق مستقل في مزاعم تعرض بعضهم لمعاملة غير إنسانية أثناء الاحتجاز.
[7/20/2026 3:19 PM] أكرم خليفة: ويؤكد مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية حسام بهجت أن استمرار الحبس الاحتياطي لفترات طويلة وتأجيل المحاكمات بصورة متكررة يحول الإجراءات الاستثنائية إلى عقوبة فعلية تسبق أي حكم قضائي وهو ما يثير مخاوف جدية تتعلق بضمانات العدالة.
انتقادات حقوقية لتوسيع استخدام قوانين الإرهاب
بالتزامن مع تلك القضايا أدانت المفوضية المصرية للحقوق والحريات حملة اعتقالات استهدفت مواطنين على خلفية انتمائهم للمذهب الشيعي أثناء إحياء ذكرى عاشوراء معتبرة أن الإجراءات تمثل انتهاكاً واضحاً لحرية الاعتقاد المكفولة دستورياً.
وشملت القضية رقم 5635 لسنة 2026 نحو 24 متهماً من المصريين وجنسيات أخرى بينهم المصور الصحفي محمد حيدر عماد يوسف قنديل وزوج شقيقته مصطفى المبارك بعدما ألقي القبض عليهم في يونيو الماضي.
كما أوضحت هيئة الدفاع أن معظم المتهمين جرى توقيفهم عقب مداهمة مجلس ديني بمنطقة السيدة زينب وظلوا رهن الإخفاء القسري مدة 23 يوماً قبل بدء التحقيق معهم في منتصف يوليو خلال جلسات امتدت حتى ساعات متأخرة من الليل.
وأضافت المفوضية أن التحقيقات ركزت بصورة أساسية على معتقدات المتهمين الدينية وطبيعة ممارساتهم المذهبية معتبرة أن ذلك يخالف نصوص الدستور التي تحظر التمييز بسبب الدين أو العقيدة وتكفل حرية الاعتقاد.
كذلك رأت المفوضية أن توظيف قوانين مكافحة الإرهاب في مثل هذه القضايا يمثل توسعاً في استخدام التشريعات الاستثنائية ضد ممارسات دينية سلمية بدلاً من الالتزام بالضمانات الدستورية الخاصة بالمحاكمة العادلة وحقوق المتهمين.
ويقول المدير التنفيذي السابق للمفوضية المصرية للحقوق والحريات محمد لطفي إن استهداف مواطنين بسبب معتقداتهم الدينية أو نشاطهم السلمي يقوض مبدأ المساواة أمام القانون ويزيد من المخاوف المتعلقة بحرية الاعتقاد والتعددية داخل المجتمع.
وفي المحصلة تكشف الوقائع المتزامنة الخاصة بحبس أحمد دومة وإخفاء محمد زهران واستمرار محاكمة الصحفيين واعتقال مواطنين على خلفيات مذهبية عن اتساع نطاق الإجراءات الأمنية والقضائية ضد فئات متعددة خلال الفترة الأخيرة وسط مطالب حقوقية متزايدة بوقف الحبس الاحتياطي المطول وإنهاء الإخفاء القسري والإفراج عن المحتجزين وضمان احترام الحقوق الدستورية الأساسية.

