وجّه قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي حكومته خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة في 4 يوليو 2026 إلى عقد اجتماع إعلامي سنوي يوم 3 ديسمبر وفتح المجال للرأي والرأي الآخر بما يؤدي وفق خطابه إلى تطوير الإعلام المصري.

 

وتكشف الدعوة تناقضًا سياسيًا صارخًا لأن السلطة التي تطلب حوارًا إعلاميًا هي نفسها التي بنت منذ 2013 منظومة للصوت الواحد وحجبت المواقع ولاحقت الصحفيين وأغلقت المجال العام ثم عادت لتعرض المؤتمر بديلًا عن الحرية الغائبة.

 

حرية غائبة تحت الهيمنة

 

في البداية ربط السيسي تطوير الإعلام بفتح حوار موضوعي يسمح بتعدد الآراء وبناء الوعي في إطار الاحترام لكنه لم يعلن إنهاء القيود الأمنية أو وقف الملاحقات أو رفع الحجب وهي الإجراءات التي تسبق أي حديث جاد.

 

وبحسب مؤشر حرية الصحافة لعام 2026 احتلت مصر المرتبة 169 من بين 180 دولة بعدما جاءت في المرتبة 170 خلال 2025 وهو موقع متأخر يؤكد استمرار غياب التعددية رغم التحسن المحدود بدرجة واحدة.

 

ومن جانبه يرى قطب العربي رئيس المرصد العربي لحرية الإعلام أن الصحفيين يعملون تحت تضييق شديد يشمل منع البرامج والكتاب والتوجيه بما يجوز قوله والهيمنة على المؤسسات وهو تشخيص يضع الحرية قبل المؤتمرات والوعود الرسمية.

 

وفي المقابل وثقت منظمات حقوقية استمرار حجب أكثر من 600 موقع إلكتروني من بينها منصات صحفية مستقلة دون أوامر قضائية واضحة وهو ما يحرم المؤسسات من جمهورها ويهدد مواردها ويقيد حق المواطنين في المعرفة والوصول إلى المعلومات.

 

كما سجلت لجنة حماية الصحفيين وجود 18 صحفيًا خلف القضبان في مصر خلال يونيو 2026 بينما تواصل السلطات استخدام اتهامات نشر الأخبار الكاذبة والانضمام إلى جماعات محظورة لمعاقبة صحفيين وكتاب بسبب مواد نقدية أو منشورات سياسية.

 

وعلى المستوى المؤسسي ساهمت عمليات الاستحواذ المرتبطة بجهات الدولة والأجهزة السيادية في تقليص تنوع الملكية والمحتوى حتى أصبحت القنوات والصحف العامة والخاصة تدور داخل خطاب متقارب لا يسمح بمعارضة مؤثرة أو تحقيقات مستقلة في ملفات السلطة.

 

وإضافة إلى ذلك يعيد السيسي بصورة متكررة ربط بناء مؤسسات الجمهورية الجديدة بالخوف من أحداث عام 2011 وهو ما يفسر تمسك النظام بالسيطرة على المجال العام واعتبار الوعي المستقل احتمالًا أمنيًا يجب احتواؤه لا حقًا للمجتمع.

 

ومع ذلك لا يمكن تحديث الإعلام بشراء معدات أو تطوير المطابع والاستوديوهات بينما يبقى الصحفي معرضًا للحبس والحجب والمنع لأن جودة المحتوى تبدأ بحرية الوصول إلى المعلومات وحق النقد وتعدد مصادر الملكية واستقلال غرف الأخبار عن التعليمات.

 

لذلك تبدو دعوة الرأي والرأي الآخر محاصرة منذ إعلانها إذ لم تصحبها قرارات بإطلاق الصحفيين أو رفع الحجب أو وقف التدخل الأمني وهو ما يجعلها رسالة علاقات عامة لا تحولًا فعليًا في سياسة النظام تجاه الإعلام.

 

وعود تتكرر بلا تنفيذ

 

تاريخيًا لم تكن الدعوة الإعلامية منفصلة عن سلسلة إعلانات سابقة شملت تخصيص عام 2022 للمجتمع المدني وإطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان والدعوة إلى الحوار الوطني وتنشيط الأحزاب بينما استمرت القيود القانونية والأمنية بعد انتهاء الفعاليات.

 

وفي هذا السياق مرت 4 أعوام بعد عام المجتمع المدني دون فتح مستدام للفضاء الحقوقي كما استمرت الملاحقات والحبس الاحتياطي والتضييق على المنظمات وهو ما جعل الفارق واسعًا بين العناوين الرسمية والواقع الذي تعيشه المؤسسات المستقلة.

 

ومن ناحية أخرى أسفرت دعوات تطوير الحياة السياسية عن انتخابات تسيطر عليها قوائم الموالاة وأحزاب قريبة من السلطة مع تضييق فرص المعارضة الحقيقية وهو النموذج نفسه الذي يخشى صحفيون انتقاله إلى المؤتمر الإعلامي عبر مشاركة منتقاة ونتائج معدة.

 

ووفقًا لرؤية حمزة زوبع السابقة فإن النظام يستشعر خطر الغضب الشعبي ويلجأ إلى أدوات السيطرة حين يتسع الاحتقان وهو تقدير يفسر التعامل الأمني مع الإعلام باعتباره وسيلة لمنع الحراك لا مساحة عامة لعرض الوقائع والبدائل.

 

علاوة على ذلك انعقد الحوار الوطني بدعوة رئاسية وأصدر عشرات التوصيات في ملفات سياسية واقتصادية واجتماعية لكن كثيرًا منها بقي دون تنفيذ ملزم وهو ما يعزز مخاوف تحول اجتماع الإعلام إلى منصة كلام جديدة بلا سلطة على السياسات.

 

وبالتزامن مع الدعوة تسلمت الحكومة تقرير لجنة تطوير الإعلام الذي ضم أكثر من 165 ورقة عمل واستغرق 175 ساعة من المناقشات ثم طالبت بتحويله إلى خطة تمتد حتى ديسمبر وهو ما يعني أن أوراق الإصلاح موجودة بالفعل.

 

غير أن تحديد يوم 3 ديسمبر لارتباطه بصدور الوقائع المصرية عام 1828 يمنح المؤتمر رمزية تاريخية لا تضمن التنفيذ لأن أزمة الصحافة لا تتعلق بغياب المناسبات بل بسلطة تمنع المعلومات وتتحكم في التراخيص وتلاحق الأصوات الناقدة.

 

ومن ثم قد يتحول المؤتمر السنوي إلى نسخة من ورش واجتماعات سابقة تستنزف وقت الصحفيين في مناقشة التشخيص المعروف ثم تصدر توصيات جديدة قبل عودتهم إلى مؤسسات تعاني الرقابة وتراجع الأجور وانخفاض التوزيع وفقدان ثقة الجمهور.

 

مطالب مهنية على الرف

 

مهنيًا قدم المؤتمر العام السادس للصحافة المصرية الذي عقدته نقابة الصحفيين بين 14 و16 ديسمبر 2024 حزمة توصيات تفصيلية تناولت الحريات والتشريعات ومستقبل المهنة واقتصاديات المؤسسات وهو ما يلغي الحاجة إلى بدء التشخيص من الصفر.

 

وبناء على تلك التوصيات طالبت النقابة بإصدار قانون حرية تداول المعلومات وإلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر وإزالة القيود التشريعية المخالفة للدستور حتى يستطيع الصحفي أداء عمله دون خوف من السجن أو الملاحقة.

 

كذلك دعت التوصيات إلى الإفراج عن الصحفيين المحبوسين ورفع الحجب عن المواقع وضمان عدم إضافة محتجزين جدد بسبب الرأي وهي خطوات قابلة للتنفيذ الفوري ولا تحتاج مؤتمرًا سنويًا أو لجانًا إضافية لإثبات ضرورتها المهنية والدستورية.

 

أما تعديل قانون تنظيم الصحافة والإعلام فيبقى مطلبًا رئيسيًا بسبب الصلاحيات الواسعة المتعلقة بالحجب والمنع والترخيص والعقوبات المالية وهي أدوات تسمح للسلطة التنظيمية بالتدخل في المحتوى بدل حماية استقلال المؤسسات وتنوع الأصوات وحق الجمهور في المعرفة.

 

اقتصاديًا طالبت النقابة بتحسين أجور الصحفيين بما يواكب التضخم ومعالجة أزمات المؤسسات باعتبار الصحافة صناعة استراتيجية لأن انخفاض الدخل يدفع العاملين إلى ترك المهنة أو قبول أعمال إضافية ويجعل غرف الأخبار أكثر تعرضًا لضغوط الممولين والإدارة.

 

وفي رأي ممدوح الولي نقيب الصحفيين الأسبق يرتبط تطوير المؤسسات الصحفية بمعالجة مشكلاتها الاقتصادية والمالية وحماية حقوق العاملين مع إدارة مستقلة على أسس مهنية واقتصادية سليمة وهو ما يجعل الاستقلال المالي شرطًا لممارسة صحفية مستقرة.

 

تشريعيًا تشمل الوصفة المهنية مراجعة قواعد إصدار الصحف وسرعة البت في طلبات التراخيص ورفض الممارسات الاحتكارية وضمان استقلال المؤسسات العامة والخاصة بما يمنع احتكار السوق والخطاب معًا ويفتح المجال أمام منصات قادرة على المنافسة والوصول إلى الجمهور.

 

ولهذا لا يحتاج إصلاح الإعلام إلى مؤتمر يحتفل بتاريخ الصحافة بقدر حاجته إلى تنفيذ توصيات الصحفيين وإطلاق زملائهم ورفع الحجب وإتاحة المعلومات وتحسين الأجور وإنهاء سيطرة الأجهزة وهي إجراءات تختبر صدق السلطة قبل أي كلمات جديدة.

 

وأخيرًا تظل دعوة السيسي فاقدة للمصداقية ما دام النظام يحتفظ بأدوات القمع نفسها لأن السلطة لا تستطيع صناعة إعلام مهني حر وهي تخشى السؤال والمعلومة والنقد وسيبقى اجتماع ديسمبر غطاءً شكليًا حتى تتقدم الحرية على السيطرة.