كشف الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تسجيل 51,029 حادثة حريق في مصر خلال عام 2025 مقابل 46,925 حادثة في 2024 بزيادة بلغت 8.7% بينما انخفضت الوفيات 22.4% بما يعكس تحسن الإنقاذ دون نجاح سياسات الوقاية.
ويضع ارتفاع الحرائق آلاف الأسر والمنشآت أمام خطر يومي تتحمل الدولة مسؤوليته الرقابية لأن تراجع الضحايا لا يلغي زيادة الحوادث بل يكشف أن الحكومة تحسن التعامل مع الكارثة بعد وقوعها أكثر مما تمنع أسبابها قبل الاشتعال.
أشهر الخطر الأعلى
وبحسب التقرير سجل شهر مايو 5,794 حادثة بنسبة 11.4% من إجمالي حرائق العام ليحتل المرتبة الأولى بين الشهور ويكشف ارتباط تصاعد الخطر بارتفاع درجات الحرارة وزيادة الضغط على شبكات الكهرباء وتراكم المواد القابلة للاشتعال.
وفي المقابل جاء شهر يونيو في المرتبة الثانية بعدما سجل 4,829 حادثة بنسبة 9.5% وهو رقم يؤكد استمرار الزيادة مع بداية الصيف ويضع كفاءة أعمال الصيانة الكهربائية وفحص المنشآت ومخارج الطوارئ أمام اختبار حكومي متكرر.
وخلال يوليو رصد الجهاز 4,727 حادثة بنسبة 9.3% ليظل الشهر ضمن أعلى فترات العام خطورة بينما سجل أغسطس 4,307 حرائق بنسبة 8.4% بما يثبت استمرار موجة الاشتعال طوال الأشهر الأشد حرارة.
بينما سجل مارس 4,473 حادثة بنسبة 8.8% ارتفع العدد في أبريل إلى 4,531 حادثة بنسبة 8.9% وهو ما يوضح أن منحنى التصاعد بدأ قبل الصيف ولم يكن نتيجة موجة حرارية منفردة أو ظرف موسمي قصير.
ثم ارتفع عدد الحرائق في أكتوبر إلى 4,610 حوادث بنسبة 9.0% بعد تسجيل سبتمبر 4,204 حوادث بنسبة 8.2% وهو تغير يبين أن الخطر استمر بعد انتهاء ذروة الصيف ولم ينحصر داخل فصل واحد.
كذلك سجل نوفمبر 3,580 حادثة بنسبة 7.0% قبل أن يرتفع العدد خلال ديسمبر إلى 3,681 حادثة بنسبة 7.2% لتظل الأشهر الباردة أقل من ذروة مايو لكنها غير بعيدة عن متوسط مرتفع يستوجب وقاية مستمرة.
أما يناير فسجل أقل عدد شهري بواقع 2,943 حادثة تمثل 5.8% من الإجمالي وتلاه فبراير بعدد 3,350 حادثة ونسبة 6.6% بما يؤكد انخفاض الحرائق شتاء مقارنة بفترات ارتفاع الحرارة وكثافة تشغيل الأجهزة الكهربائية.
وعلى هذا الأساس تكشف خريطة الشهور أن إجراءات التأمين يجب أن تسبق مايو ولا تبدأ بعد تصاعد البلاغات لأن توزيع الحوادث معروف ويمكن للوزارات والمحافظات توجيه حملات الفحص وإزالة المخلفات ومراجعة التوصيلات وفق توقيتات الخطر.
عودة منحنى الحرائق
وأظهر المسار التاريخي أن عام 2024 سجل 46,925 حادثة بزيادة 3.3% عن العام السابق قبل أن تقفز الزيادة خلال 2025 إلى 8.7% وهو تسارع يضعف أي حديث حكومي عن السيطرة المستدامة على مسببات الحرائق.
كما سجل عام 2023 نحو 45,435 حادثة بانخفاض 7.9% بعدما كان العدد 49,341 حادثة خلال 2022 وهو تراجع لم تستطع الجهات التنفيذية تثبيته إذ عادت الحوادث إلى الارتفاع خلال العامين التاليين وبمعدلات متسارعة.
وجاء عام 2021 في مقدمة سنوات المقارنة بعدد 51,533 حادثة وهو أعلى من حصيلة 2025 بفارق 504 حوادث فقط ما يعني أن البلاد عادت تقريبا إلى مستوى الذروة خلال أربع سنوات رغم الانخفاض المؤقت.
وبعد ذلك انخفض العدد في 2022 بنسبة 4.3% ثم تراجع مجددا خلال 2023 قبل أن ينعكس الاتجاه صعودا وهو مسار يكشف غياب سياسة وقائية ثابتة تحافظ على التحسن بدلا من انتظار تغيرات سنوية غير مستقرة.
من جهة أخرى لا تسمح الأرقام باعتبار زيادة 2025 مجرد حركة إحصائية محدودة لأن إضافة 4,104 حوادث خلال عام واحد تعني أكثر من 11 حادثة إضافية يوميا مقارنة بالعام السابق وما يصاحب ذلك من استنزاف للأسر وخدمات الطوارئ.
ووفق المقارنة بلغ المتوسط اليومي خلال 2025 نحو 140 حريقا في مختلف المحافظات وهو عبء كبير على وحدات الحماية المدنية ويكشف حاجة المدن والقرى إلى توزيع أفضل للمعدات وتحديث نقاط الإطفاء وتقليل زمن الوصول إلى البلاغات.
تاريخيا تقترب حصيلة 2025 من أعلى رقم مسجل خلال الفترة المعروضة وهو ما ينزع عن التراجع السابق دلالته الإيجابية ويؤكد أن الحكومة لم تحول الانخفاض المؤقت إلى نظام دائم للصيانة والمراقبة ومحاسبة المنشآت المخالفة.
وفي عام واحد انتقلت مصر من زيادة بلغت 3.3% إلى زيادة قدرها 8.7% بما يرفع معدل النمو بأكثر من الضعف ويجعل الوقاية ملفا عاجلا لا يحتمل الاكتفاء ببيانات النجاح في خفض أعداد الوفيات.
وبذلك يقدم التسلسل الممتد من 2021 إلى 2025 صورة متقلبة لا تعكس تحسنا مؤسسيا مستقرا لأن الأعداد انخفضت لعامين ثم ارتفعت لعامين وعادت إلى حدود الذروة من دون إعلان خطة حكومية تربط الإنفاق الوقائي بالنتائج.
الأسباب ومناطق الاشتعال
وتصدرت النيران الصناعية قائمة مسببات الحرائق بعدد 15,997 حادثة تمثل 31.3% وشملت أعقاب السجائر وأعواد الثقاب والمواد المشتعلة والألعاب النارية وهي أسباب يمكن الحد منها بتطبيق قواعد التخزين والرقابة والتوعية والعقوبات.
وتلاها الماس الكهربائي والشرر الاحتكاكي بعدد 9,153 حادثة ونسبة 17.9% وهي حصيلة تضع جودة التوصيلات والصيانة الدورية والرقابة على المباني القديمة والأسواق العشوائية ضمن مسؤولية الجهات الحكومية وشركات الكهرباء والأحياء.
وعلى مستوى التكييف الجنائي تصدر الحريق العارض بعدد 11,563 حادثة بنسبة 22.7% ثم جاء الإهمال بعدد 5,184 حادثة بنسبة 10.2% بما يكشف اتساع الحوادث المرتبطة بالسلوك البشري وضعف تطبيق اشتراطات السلامة.
وفي التوزيع المكاني جاءت الأراضي الفضاء والقمامة والمخلفات أولا بعدد 21,593 حادثة تمثل 42.3% وهو رقم يدين تراكم النفايات وتأخر رفعها ويحول سوء الإدارة المحلية إلى مصدر مباشر للحرائق داخل الكتل السكنية وحولها.
جغرافيا احتلت القاهرة المركز الأول بعدد 6,968 حادثة ونسبة 13.7% تلتها الجيزة بعدد 4,360 حادثة ونسبة 8.5% بينما سجلت شمال سيناء 225 حادثة بنسبة 0.4% لتظهر الفجوة الواسعة بين المحافظات.
رغم ذلك سجلت المباني والوحدات السكنية 18,554 حادثة بنسبة 36.4% من الإجمالي ما يجعل المنازل ثاني أكثر المواقع تعرضا للحريق ويفرض مراجعة اشتراطات البناء وسلامة شبكات الغاز والكهرباء وتوافر أجهزة الإنذار ووسائل الإطفاء.
إنسانيا انخفض عدد الوفيات إلى 180 شخصا خلال 2025 مقابل 232 في 2024 بنسبة تراجع 22.4% كما هبط عدد المصابين إلى 738 مقابل 831 مصابا بانخفاض 11.2% وهو تحسن مهم في استجابة الإنقاذ.
وأخيرا لا يمنح تراجع الضحايا الحكومة مبررا للاحتفاء بينما يرتفع أصل الخطر إلى 51,029 حادثة لأن حماية المواطنين تبدأ بمنع الحريق لا بإدارة نتائجه وتحتاج مصر إلى رقابة معلنة ومحاسبة المقصرين وتمويل وقاية يوازي حجم الأزمة.

