تحولت الفاكهة داخل غالبية البيوت المصرية إلى رفاهية لا تقل كلفة عن اللحوم والدواجن، بعدما قفزت أسعارها في أسواق التجزئة بالقاهرة إلى مستويات غير مسبوقة، بالتزامن مع تراجع الإنتاج نتيجة موجات الحر والتقلبات المناخية والعوامل الموسمية. وأكد خبراء ومسؤولون بالغرف التجارية أن الغلاء دفع ملايين الأسر، خصوصًا من الطبقة المتوسطة، إلى تقليص مشترياتها والاكتفاء بالأصناف الأرخص، بينما تراوح سعر كيلو المانجو بين 50 و110 جنيهات، والتفاح المستورد بين 80 و120 جنيهًا.

 

رفاهية خارج الميزانية

 

لم يعد طبق الفاكهة عنصرًا ثابتًا على موائد غالبية الأسر المصرية، بعدما أصبح شراؤه عبئًا إضافيًا على ميزانيات تعاني أصلًا من ارتفاع أسعار الغذاء والخدمات وتراجع القدرة الشرائية. وباتت أسر كثيرة تنظر إلى الفاكهة بالطريقة نفسها التي تنظر بها إلى اللحوم والدواجن: سلعة يمكن الاستغناء عنها أو تأجيل شرائها إلى المناسبات.

 

وانعكس هذا التحول بوضوح على حركة البيع داخل أسواق التجزئة، حيث بدأ التجار يلمسون انخفاضًا ملحوظًا في إقبال المواطنين مقارنة بالسنوات الماضية. ولم يعد المستهلك يسأل عن جودة الثمار أو تنوع الأصناف فقط، بل أصبح السعر العامل الحاسم في قرار الشراء، وقد يكتفي بكميات محدودة لا تتجاوز نصف كيلو أو بضع ثمرات.

 

وتكشف أسعار عدد من الأصناف حجم الأزمة التي تواجه المستهلكين؛ إذ تراوح سعر كيلو المانجو بين 50 و110 جنيهات بحسب النوع والمنطقة، بينما سجل العنب البناتي الأصفر والأحمر بين 40 و80 جنيهًا. واستقر سعر كيلو الموز عند نحو 40 جنيهًا، وهو مستوى يجعل شراء عدة كيلوجرامات منه عبئًا على الأسرة محدودة الدخل.

 

وسجل كيلو البرقوق ما بين 70 و100 جنيه، بينما تراوح سعر التفاح البلدي بين 40 و70 جنيهًا. أما التفاح المستورد، الأمريكي والإيطالي، فوصل سعره إلى ما بين 80 و120 جنيهًا للكيلو، وهي أسعار دفعت قطاعات واسعة إلى الابتعاد عن الأصناف مرتفعة الكلفة والبحث عن بدائل أقل سعرًا.

 

ولا تتوقف الأزمة عند ارتفاع الأسعار، بل تمتد إلى تغير العادات الغذائية داخل المنازل. فبعدما كانت الفاكهة تقدم للأطفال بصورة شبه يومية، أصبحت مشترياتها محدودة أو موسمية، ما يكشف أن موجات الغلاء لم تعد تضغط فقط على مستوى الرفاهية، وإنما بدأت تؤثر في قدرة الأسر على توفير غذاء متنوع ومتوازن لأفرادها.

 

وبينما تتراجع حصة المواطنين من الفاكهة، تكشف الأرقام الرسمية عن ارتفاع ملحوظ في الصادرات المصرية من الفواكه الطازجة. فقد بلغت قيمتها خلال الربع الأول من العام الجاري نحو 937 مليونًا و408 آلاف دولار، مقابل 686 مليونًا و806 آلاف دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة تتجاوز 250 مليون دولار.

 

وتطرح هذه الأرقام تساؤلات بشأن قدرة السوق المحلية على الاستفادة من نمو القطاع التصديري، خاصة أن زيادة حصيلة الصادرات تتزامن مع شكوى المستهلكين من ارتفاع الأسعار وتراجع المعروض. كما تعيد الجدل حول ضرورة تحقيق توازن يحافظ على الأسواق الخارجية، دون أن يصبح المستهلك المصري الطرف الذي يدفع ثمن نقص الكميات المتاحة محليًا.

 

المناخ يخفض الإنتاج

 

أرجع حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، جانبًا من ارتفاع الأسعار إلى تراجع حجم الإنتاج والمعروض نتيجة الارتفاع الشديد في درجات الحرارة والتقلبات الجوية الحادة. وأوضح أن التغيرات المناخية أصبحت من أبرز التحديات التي تواجه المزارعين، بسبب تأثيرها المباشر في إنتاجية المحاصيل وجودتها ومواعيد زراعتها وحصادها.

 

وأشار أبو صدام إلى أن خريطة الزراعة في مصر تغيرت خلال السنوات الأخيرة، بعدما امتدت بعض الزراعات التي كانت تتركز في مناطق محددة إلى مناطق جديدة، في محاولة للتكيف مع تغير درجات الحرارة والظروف الجوية. لكن هذا التحول يحتاج إلى إرشاد زراعي حقيقي يساعد الفلاحين على اختيار الأصناف ومواعيد الزراعة المناسبة.

 

وأوضح أن موجات الحر قد تساعد بعض الفواكه الصيفية على سرعة النضج عندما تأتي في حدودها الطبيعية، لكنها تتحول إلى خطر عند تجاوز المعدلات المعتادة. فالحرارة الشديدة قد تؤدي إلى تلف جزء من الثمار، وضعف جودتها، وتساقطها قبل اكتمال النضج، ما يقلل الكميات الصالحة للبيع ويرفع الأسعار النهائية.

 

ولا يتحمل المستهلك وحده تكلفة هذا التراجع، إذ يتعرض المزارع أيضًا لخسائر نتيجة ارتفاع تكاليف الزراعة والري والأسمدة والنقل، ثم فقدان جزء من محصوله بسبب الظروف الجوية. ومع انخفاض الإنتاج وارتفاع تكاليف التداول، تنتقل الزيادة عبر حلقات التوزيع حتى تصل إلى أسواق التجزئة بصورة مضاعفة.

 

وطالب نقيب الفلاحين بالتوسع في برامج الإرشاد الزراعي وتوعية المزارعين بأساليب التعامل مع التقلبات المناخية، بما يشمل مواعيد الري والتسميد واختيار الأصناف المقاومة للحرارة. فغياب الدعم الفني يترك الفلاح في مواجهة تغيرات لا يستطيع التحكم فيها، ويهدد باستمرار تراجع الإنتاج وارتفاع الأسعار خلال المواسم المقبلة.

 

تراجع الطلب الموسمي

 

من جانبه، أكد حاتم النجيب، نائب رئيس شعبة الخضروات والفاكهة بالاتحاد العام للغرف التجارية، أن السوق المحلية تشهد ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار الفاكهة نتيجة عوامل موسمية، خاصة مع بداية موسم حصاد عدد من الأصناف وعدم وصول الإنتاج بعد إلى ذروته، متوقعًا انخفاض الأسعار تدريجيًا مع زيادة حجم المعروض.

 

وأوضح النجيب أن ارتفاع الأسعار صاحبه تراجع واضح في الطلب، خصوصًا لدى الطبقة المتوسطة التي تمثل الشريحة الأكبر من المستهلكين. واتجهت هذه الأسر إلى شراء الأصناف الأقل سعرًا، مثل الجوافة والكنتالوب، مقابل تقليص شراء الفواكه مرتفعة السعر، وعلى رأسها البرقوق والعنب، لحين زيادة إنتاجها واستقرار أسعارها.

 

لكن انتظار زيادة المعروض لا يلغي الحاجة إلى معالجة المشكلات الأساسية التي تضرب الأسواق كل موسم. فغياب البيانات الدقيقة عن حجم الإنتاج والمساحات المزروعة والكميات المتاحة للتداول يفتح الباب أمام اضطراب الأسعار، ويجعل التخطيط الزراعي عاجزًا عن تحقيق توازن بين احتياجات السوق المحلية ومتطلبات التصدير.

 

وطالب نائب رئيس الشعبة بتحديث قواعد البيانات ووضع خريطة واضحة للمحاصيل الزراعية، تتيح معرفة حجم الإنتاج المتوقع ومواعيد الحصاد وتوزيع الزراعات على المحافظات. ويساعد ذلك على مواجهة النقص قبل حدوثه، وتوجيه المزارعين نحو المحاصيل المطلوبة، ومنع تكرار فجوات المعروض التي تتحول سريعًا إلى موجات غلاء.

 

وفي ظل استمرار الضغوط المعيشية، تبقى وعود انخفاض الأسعار مرهونة بوصول كميات أكبر إلى الأسواق وانضباط حلقات التداول، لا بمجرد انتهاء العوامل الموسمية. وحتى يتحقق ذلك، سيظل طبق الفاكهة غائبًا عن بيوت كثيرة، وسيواصل ملايين المصريين التعامل مع أبسط الثمار باعتبارها رفاهية مؤجلة لا تسمح بها ميزانياتهم.