رأت أبيجيل باورز لوت، أستاذة الطب النفسي والعلوم السلوكية بجامعة إيموري، أن تربية الأطفال تبدأ بقدرة الأب أو الأم على تنظيم مشاعرهما قبل الاستجابة لاحتياجات الطفل، مؤكدة أن هذه المهارة تزداد أهمية خلال مرحلة ما بعد الولادة، حيث تتداخل التغيرات الجسدية والنفسية مع مسؤوليات رعاية المولود، ما يجعل الأمهات أكثر عرضة للضغوط النفسية وأعراض اضطراب ما بعد الصدمة.


وأوضح موقع سايكولوجي توداي أن تنظيم المشاعر لا يقتصر على المواقف الكبيرة في حياة الأبناء، بل يبدأ منذ الأيام الأولى بعد الولادة، حين يتعلم الرضيع تهدئة نفسه عبر تفاعله مع استجابات والديه. وأضاف أن اكتساب الأم القدرة على ضبط انفعالاتها يساعدها على تقديم رعاية أكثر دفئًا ومرونة، ويعزز شعور الطفل بالأمان والاستقرار.


كيف تؤثر الصدمات النفسية في الأمومة؟


استعرضت الكاتبة نتائج دراسة أجراها فريق مشروع جرادي للصدمات النفسية بجامعة إيموري على أمهات تعرضن لصدمات نفسية، وذلك عندما تراوح عمر أطفالهن بين ستة واثني عشر أسبوعًا. وراقب الباحثون تفاعل الأمهات مع أطفالهن، ثم استخدموا التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لرصد نشاط الدماغ أثناء استماع الأمهات إلى بكاء أطفالهن.


وكشفت النتائج عن ارتباط حساسية الأم تجاه احتياجات طفلها بزيادة نشاط منطقة «الجزيرة» في الدماغ، وهي المنطقة المسؤولة عن إدراك الإشارات العاطفية والجسدية. في المقابل، أظهرت الأمهات اللاتي عانين أعراضًا مرتفعة لاضطراب ما بعد الصدمة انخفاضًا في نشاط هذه المنطقة، إضافة إلى تراجع نشاط اللوزة الدماغية والقشرة الجبهية الأمامية البطنية، وهما منطقتان تؤديان دورًا مهمًا في معالجة المشاعر وتنظيم الاستجابة للضغوط.


وأكدت الدراسة أن هذه النتائج لا تعني عجز الأمهات المصابات بأعراض الصدمة عن تقديم رعاية جيدة أو بناء علاقة قوية مع أطفالهن، بل تشير إلى أن الصدمة النفسية تجعل مهام الأمومة أكثر صعوبة في فترة تتسم أصلًا بالإرهاق وقلة النوم والتغيرات الهرمونية والتعافي الجسدي بعد الولادة.


الكشف المبكر والدعم يصنعان الفارق


لفت التقرير إلى أن مرحلة ما بعد الولادة لا تمثل فترة هشاشة فقط، بل توفر أيضًا فرصة مهمة لتحسين الصحة النفسية للأم إذا حصلت على الدعم المناسب في الوقت المناسب. ورأت الكاتبة أن العلاج السلوكي المعرفي الموجه لعلاج الصدمات، إلى جانب البرامج التي تعزز تنظيم المشاعر وتخفض التوتر الجسدي، قد يساعد الأمهات على الاستجابة لاحتياجات أطفالهن دون أن تطغى عليهن الضغوط النفسية.


وشددت على ضرورة توسيع الفحوص النفسية بعد الولادة لتشمل أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، وليس الاكتفاء بالكشف عن الاكتئاب، لأن كثيرًا من النساء يعانين ذكريات مؤلمة متكررة، أو يقظة مفرطة، أو تجنبًا للمواقف المرتبطة بالصدمات، أو خدرًا عاطفيًا، وهي أعراض قد تمر دون ملاحظة إذا غابت الأسئلة المتعلقة بالصدمات النفسية.


تنظيم المشاعر أساس لصحة الأسرة


واختتمت الكاتبة بالتأكيد على أن تربية الأطفال تتطلب من الوالدين ضبط انفعالاتهما حتى يمنحا أبناءهما مساحة آمنة لاختبار مشاعرهم والتعامل معها. وأضافت أن دعم الأمهات خلال فترة ما بعد الولادة لا يحسن صحتهن النفسية فحسب، بل ينعكس أيضًا على نمو الأطفال وجودة العلاقة بينهم وبين أسرهم، ما يجعل الاستثمار في رعاية الصحة النفسية للأمهات خطوة أساسية لبناء أسر أكثر استقرارًا ومجتمعات أكثر صحة.

 

https://www.psychologytoday.com/us/blog/science-therapy-and-whole-body-health/202607/why-parenting-requires-regulating-ourselves-first