شهدت السكك الحديدية في مصر حادثاً جديداً بخروج عربات من قطار القاهرة الإسكندرية عن القضبان داخل محطة كفر الزيات بمحافظة الغربية، في واقعة أعادت الجدل حول جدوى خطط التطوير المعلنة، وكشفت اتساع الفجوة بين خطاب المسؤولين عن “صفر حوادث” وواقع خطوط لا تزال تنزف أعطالاً متكررة.
ويأتي الحادث بعد سلسلة وقائع مشابهة طالت قطارات ركاب وبضائع في الغربية وسوهاج والدقهلية، وسط غضب شعبي من استمرار الخطاب الرسمي الذي يكرر الحديث عن التطوير والإنجاز، بينما يواجه المواطنون يومياً بنية نقل مرهقة وخطوطاً فرعية تحتاج صيانة لا بيانات دعائية.
حادث كفر الزيات يفضح خطاب الصفر
أعلنت الهيئة القومية لسكك حديد مصر خروج 4 عربات من القطار رقم 919، خط القاهرة الإسكندرية، عن القضبان أثناء دخوله محطة كفر الزيات مساء السبت 27 يونيو 2026، مؤكدة أن الواقعة لم تسفر عن إصابات أو وفيات بين الركاب.
وقالت الهيئة إن القطار، وهو قطار إسباني مطور، كان يدخل المحطة في نحو الخامسة مساء، قبل أن تخرج العربات عن القضبان داخل نطاقها، ما دفعها إلى إعلان الطوارئ والدفع بفرق فنية ومعدات رفع لإعادة الحركة إلى مسارها.
وفور وقوع الحادث، جرى توزيع الركاب على باقي عربات القطار لاستكمال الرحلة إلى الإسكندرية، بالتزامن مع انتقال قيادات الهيئة إلى الموقع للإشراف على أعمال الرفع والتأكد من جاهزية السكة قبل استئناف الحركة.
وقررت الهيئة تشكيل لجنة فنية متخصصة لبحث أسباب خروج العربات وفحص ملابسات الواقعة، في بيان رسمي بدا حريصاً على احتواء الأثر الإعلامي للحادث أكثر من تقديم إجابات حاسمة حول تكرار الوقائع المشابهة.
لكن المفارقة القاسية جاءت في توقيت الحادث، إذ وقع بعد ساعات من تصريحات لرئيس هيئة السكك الحديدية تحدث فيها عن التطور الكبير داخل المرفق، ووصل إلى حد القول إن الحوادث أصبحت “صفر%”، قبل أن تكسر القضبان الرواية الرسمية سريعاً.
وتداولت صفحات وحسابات معارضة الواقعة باعتبارها نموذجاً صارخاً على انفصال خطاب المسؤولين عن الواقع، حيث اعتبرت “تكنوقراط مصر” أن التفاخر الإعلامي لا يغير حقيقة أن مرفقاً حيوياً لا يزال يعاني أزمات تشغيل وصيانة وسلامة.
سلسلة أعطال لا حادث عابر
لا يمكن التعامل مع حادث كفر الزيات باعتباره واقعة منفصلة، لأنه يأتي ضمن موجة جديدة من خروج قطارات وعربات بضائع عن القضبان، شملت خلال الفترة الأخيرة طنطا وطهطا وشربين، بما يطرح أسئلة حول حالة الشبكة التقليدية.
وتشير الوقائع المتداولة إلى أن القطار رقم 994، الذي خرج عن مساره أمام قرية الصبرية التابعة لمركز شربين، هو نفسه الذي شهد سابقاً خروجاً جزئياً عن القضبان أثناء دخوله محطة طنطا بمحافظة الغربية.
وفي 7 يونيو الجاري، خرجت عربة قطار بضائع عن القضبان بمحطة طهطا في محافظة سوهاج، في واقعة جديدة تؤكد أن الخلل لا يرتبط فقط بقطارات الركاب، بل يمتد أيضاً إلى منظومة نقل البضائع والبنية التشغيلية للمرفق.
وتزيد خطورة هذه الحوادث لأنها تقع على شبكة تاريخية من أقدم شبكات السكك الحديدية في المنطقة، إذ يعود إنشاء خط القاهرة الإسكندرية إلى عام 1851 لربط العاصمة بالميناء الرئيسي ومدن ومحافظات الدلتا.
ورغم القيمة التاريخية والاستراتيجية لهذا الخط، لا تزال الحوادث تتكرر، ما يعكس أن قدم البنية الأساسية لم يواجه بتطوير كافٍ في العمق، وأن التركيز على الواجهة الحديثة لا يكفي لمنع الأعطال داخل الشبكة اليومية.
وتستند وزارة النقل وهيئة السكك الحديدية عادة إلى استعراض حجم الاستثمارات الضخمة في تحديث القضبان والمزلقانات وأنظمة الإشارات والتعاقد على جرارات وعربات جديدة، بينها قطارات تالجو وجرارات أمريكية وإعادة تأهيل للأسطول القديم.
غير أن تكرار خروج العربات عن القضبان يكشف أن التطوير المعلن لم يترجم بعد إلى شعور عام بالأمان، خصوصاً على الخطوط الفرعية والإقليمية التي يعتمد عليها ملايين المصريين في العمل والدراسة والتنقل اليومي.
الإنفاق الضخم وسؤال الأولويات
تأتي هذه الحوادث وسط نقاش أوسع حول أولويات الإنفاق في قطاع النقل، بعد ضخ مليارات الجنيهات في مشروعات حديثة وقطارات جديدة لم تحقق بعد الكثافة الركابية المأمولة، بينما لا تزال خطوط تقليدية تعاني تكرار الأعطال.
وبحسب بيانات النشرة السنوية لحوادث السيارات والقطارات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، سجلت إصابات حوادث الطرق في مصر خلال 2025 نحو 84 ألفاً و553 مصاباً، بزيادة 10.7% مقارنة بعام 2024.
وتكشف هذه الأرقام أن أزمة السلامة في النقل لا تزال تتصاعد، رغم إعلان الدولة إنفاق نحو 225 مليار جنيه على مشروعات قطاع النقل ضمن إجمالي إنفاق بلغ تريليوني جنيه، وفق تصريحات سابقة لوزير النقل كامل الوزير.
ولا ينكر مراقبون أهمية تحديث الإشارات وتجديد الجرارات وتحويل المزلقانات إلى أنظمة إلكترونية، لكنهم يرون أن العبرة ليست بحجم الإنفاق المعلن، بل بقدرته على خفض الحوادث وتحسين الصيانة اليومية وضمان التشغيل الآمن.
وتتركز الانتقادات في 3 نقاط رئيسية: استمرار قدم بعض الخطوط الفرعية، وحاجة العنصر البشري إلى تدريب طويل على التكنولوجيا الجديدة، والضغط الكبير على شبكة تنقل ملايين الركاب يومياً بما يجعل أي خلل بسيط مؤثراً.
في هذا السياق، ذهب الصحفي جمال والي إلى قراءة سياسية أوسع، معتبراً أن تصريحات رئيس الوزراء ومسؤولي النقل لا تبدو عفوية، بل تمثل “نغمة منظمة” تمهد لتحميل العاملين والمهندسين مسؤولية الخلل داخل المرفق.
وقال والي إن المشكلة ليست في موظفي السكك الحديدية، الذين وصفهم بأنهم أصحاب كفاءة وخبرة، بل في إدارة المرفق بمنطق فردي متجبر يتعامل مع مؤسسة وطنية كأنها عزبة خاصة، ثم يعلق الفشل على شماعة الموظفين.
وحذر والي من أن اتهام العاملين بالتكاسل قد يصبح ذريعة لتسليم إدارة وتشغيل هذا المرفق الحيوي لشركات أجنبية، في سياق أوسع يربطه بما يراه مساراً لبيع أصول البلد وتمكين أطراف خارجية داخل مؤسسات الدولة.
وبين البيانات الرسمية التي تتحدث عن اللجان الفنية، والغضب الشعبي الذي يرى في الحوادث دليلاً على فشل الأولويات، يبقى السؤال معلقاً: هل تريد السلطة إصلاح السكك الحديدية فعلاً، أم تسويق الأزمة تمهيداً لخصخصة المرفق.
إن حادث كفر الزيات لا يخص ركاب قطار واحد، بل يكشف أزمة إدارة كاملة، حيث تسبق التصريحات الواقع، ويتحول التطوير إلى لافتة سياسية، بينما تبقى القضبان القديمة شاهداً يومياً على أن حياة المصريين لا تُحمى بالدعاية.

