كشفت أزمة صناعة الأثاث في دمياط عن إغلاق مئات ورش الأثاث داخل المحافظة، بعد ارتفاع مستلزمات الإنتاج وتدفق الأثاث المستورد وتراجع الطلب المحلي، ما هدد أرزاق آلاف الصناع والحرفيين والعمال المهرة.

 

وفي ظل خطاب رسمي يفاخر بأرقام التصدير، يدفع صناع الأثاث الدمياطي ثمن سوق مفتوح بلا حماية عادلة، بينما تتحول الحرفة التاريخية إلى ضحية جديدة لسياسات اقتصادية تترك الضعفاء وحدهم أمام المستورد والتكاليف والركود.

 

 

قلعة الأثاث في مواجهة الإغلاق

 

تعيش دمياط، المعروفة تاريخيا بقلعة صناعة الأثاث، واحدة من أقسى أزماتها الاقتصادية، بعدما تحولت ورش الأثاث الصغيرة من مساحات إنتاج يومي إلى أبواب مغلقة أو أنشطة بديلة بحثا عن النجاة.

 

وبالتالي لم تعد الأزمة مجرد تراجع في البيع والشراء، بل صارت تهديدا مباشرا لشبكة اجتماعية كاملة، تضم صناعا وحرفيين ونجارين ونقاشين وعمال دهانات وزخرفة يعتمدون على دوران هذه الصناعة يوميا.

 

كما أن ارتفاع أسعار الأخشاب والدهانات والإكسسوارات ومستلزمات الإنتاج المستوردة ضرب قدرة الورش الصغيرة على الاستمرار، خصوصا مع ضعف القوة الشرائية داخل السوق المحلي وتراجع قدرة الأسر على شراء الأثاث الجديد.

 

ومن ثم وجد صانع الأثاث الدمياطي نفسه محاصرا من كل اتجاه، خامات مرتفعة، زبون غائب، تمويل صعب، ومستورد جاهز يدخل السوق بأسعار تضغط على المنتج المحلي وتقلل فرص بيعه.

 

غير أن الأخطر من إغلاق الورشة هو ضياع المهارة، لأن حرف الأويمة والخرط والزخرفة والدهانات اليدوية لا تعيش في المدارس والمعاهد وحدها، بل تنتقل داخل الورشة من يد إلى يد.

 

لذلك فإن خروج العمال المهرة من صناعة الأثاث إلى مهن أخرى لا يعني فقط فقدان وظائف، بل يعني كسر سلسلة خبرات تراكمت لعقود وصنعت اسم دمياط في الأسواق المصرية والعربية.

 

 

خلل الاستيراد والمعاملة بالمثل

 

وتقدم الدكتور ياسر الهضيبي، عضو مجلس النواب، بطلب إحاطة إلى رئيس الوزراء ووزير التجارة والصناعة، محذرا من تراجع القدرة التنافسية لصناعة الأثاث الدمياطي وغياب المعاملة بالمثل في التجارة الخارجية.

 

وبناء على ذلك أصبحت الأزمة مطروحة سياسيا تحت قبة البرلمان، لا باعتبارها شكوى محلية محدودة، بل باعتبارها تهديدا لإحدى أهم الصناعات الوطنية والحرف التراثية كثيفة التشغيل في مصر.

 

وعلاوة على ذلك يشكو صناع الأثاث في دمياط من انفتاح السوق المصرية أمام الأثاث الأجنبي المستورد الجاهز والمفكك، بينما تواجه الصادرات المصرية عوائق فنية وتجارية واشتراطات مطابقة وجودة في أسواق خارجية.

 

في المقابل يصبح الحديث الحكومي عن المنافسة الحرة ناقصا ومضللا، لأن المنتج المحلي لا يدخل معركة عادلة، بل يواجه مستوردا مدعوما بسلاسل توريد أوسع، ودولة لا توفر له حماية مكافئة.

 

كذلك تكشف الأزمة أن مبدأ المعاملة بالمثل غائب عمليا، فالدولة تسمح بتدفق الأثاث المستورد إلى السوق، لكنها لا تضغط بالقدر نفسه لفتح الأسواق الخارجية أمام الأثاث المصري والدمياطي خصوصا.

 

ومن جهة أخرى سجلت صادرات الأثاث المصري نحو 428 مليون دولار خلال 2025، بعد نمو قدره 23 بالمئة مقارنة بعام 2024، وفق بيانات المجلس التصديري للأثاث وتصريحات رئيسه إيهاب درياس.

 

لكن هذه الأرقام لا تكفي لإخفاء الفجوة، لأن جانبا كبيرا من التصدير تذهب فرصه إلى مصانع كبرى قادرة على الشهادات والمعارض واللوجستيات، بينما تبقى آلاف الورش الصغيرة خارج المنظومة.

 

 

أرقام التصدير لا تنقذ الورش

 

قال المهندس إيهاب درياس، رئيس المجلس التصديري للأثاث، إن صادرات القطاع ارتفعت من 348 مليون دولار إلى 428 مليون دولار في 2025، معتبرا ذلك أعلى مستوى تاريخي لصادرات الأثاث المصري.

 

ورغم أهمية هذا الرقم، فإنه لا يجيب عن سؤال الورش المتعثرة في دمياط، لأن النمو التصديري إذا لم يصل إلى صغار الصناع، يتحول إلى إنجاز فوقي لا يغير واقع الحرفيين.

 

أما المهندس أحمد حلمي، رئيس غرفة منتجات الأخشاب والأثاث سابقا، فقد حذر من تراجع مبيعات القطاع بسبب ضعف تطبيق تفضيل المنتج المحلي، وغياب المشاركة المؤثرة في المعارض الخارجية.

 

وبهذا المعنى تبدو الأزمة أقدم من طلب الإحاطة الأخير، لكنها تفاقمت مع ارتفاع التكلفة وتراجع الطلب، حتى صار صانع الأثاث الدمياطي يواجه تراكمات قديمة بأدوات أضعف من قدرته.

 

في السياق نفسه طالب عبده العطوي، أحد العاملين في صناعة الأثاث بدمياط، بدعم الجمعيات التعاونية والكيانات الصغيرة وإنشاء مصانع توفر مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة لتقليل التكلفة على المنتجين.

 

وهذا الطرح يكشف أن إنقاذ دمياط لا يبدأ من الشعارات، بل من توفير خامات بسعر عادل، وتمويل ميسر، وتكتلات إنتاجية تحمي الورش الصغيرة من الانفراد بالسوق والتجار والوسطاء.

 

فضلا عن ذلك تحتاج المحافظة إلى مركز دولي لاعتماد وفحص منتجات الأثاث، حتى لا تتحول شهادات الجودة والاستدامة والمطابقة إلى حاجز يمنع الورش الصغيرة من دخول الأسواق الأوروبية والأفريقية.

 

كما تحتاج صناعة الأثاث الدمياطي إلى منصة تسويق قومية متعددة اللغات، لكنها لن تنجح وحدها دون منظومة شحن وتمويل وتأمين وربط مباشر بالمستوردين وسلاسل التوزيع في الخارج.

 

ومن ناحية أخرى يجب أن تتحول مكاتب التمثيل التجاري إلى أداة بيع حقيقية، تنظم معارض دائمة وبعثات متخصصة، وتفتح قنوات مباشرة أمام الأثاث الدمياطي بدلا من الاكتفاء بتقارير مكتبية.

 

لزيادة فرص الإنقاذ، تحتاج الحكومة إلى خريطة دقيقة للورش المغلقة والمتعثرة، وبرنامج دعم يربط التمويل بعدد العمال وحجم الإنتاج، حتى لا تذهب المساندة إلى الكبار وحدهم.

 

ثم إن حماية المنتج المحلي لا تعني إغلاق السوق، بل تعني قواعد عادلة تمنع الإغراق، وتراجع الجودة، وتفرض رقابة على المستورد، وتدعم المنتج المصري في المشتريات الحكومية والمعارض الخارجية.

 

في النهاية تقف دمياط أمام لحظة فاصلة، فإما خطة إنقاذ عادلة تعيد الاعتبار لصناعة الأثاث وصناعها، وإما استمرار النزيف حتى تتحول قلعة الأثاث إلى مدينة تتذكر مهنتها القديمة.