كشفت مصادر بوزارة التموين في مصر استهداف حذف نحو 2 مليون مواطن من منظومة الدعم التمويني خلال يونيو 2026، مع تفعيل معايير الاستحقاق كلها بحزم، بما يهدد ملايين الأسر بفقدان سند غذائي يومي.

 

وربطت هذه الخطوة بين ضيق الموازنة واتساع الفقر، إذ لا تواجه السلطة الأزمة بزيادة الحماية الاجتماعية، بل بفرز قاس للفقراء، وتحويل بطاقة التموين من حق اجتماعي إلى امتحان إداري مفتوح للعقاب.

 

حذف جماعي تحت لافتة العدالة

 

بداية، تعود معايير الحذف إلى محددات وضعتها وزارة التموين منذ 2016، قبل أن تتسع تدريجياً حتى بلغت 14 معياراً في 2023، ثم عادت الحكومة لتفعيلها دفعة واحدة خلال يونيو 2026.

 

كما تشمل المعايير أصحاب العدادات الكودية، ومن يلحقون أبناءهم بمدارس دولية، ومالكي السيارات الفارهة، وأصحاب الشركات والسجلات التجارية المؤثرة، وقاطني الكمبوندات، وهي مؤشرات قد تختلط فيها القدرة المالية بالخطأ الإداري.

 

لذلك، يصبح الحذف الواسع خطراً اجتماعياً حين يستند إلى قواعد بيانات متشابكة لا ترى تفاصيل الحياة، ولا تفرق دائماً بين أسرة غنية فعلاً وأسرة عالقة في ورق حكومي أو محضر روتيني.

 

ومن ثم، رفعت الوزارة حد الدخل الأقصى لمستحق الدعم من 9600 جنيه إلى 24,000 جنيه شهرياً، لكنها جعلت الاستبعاد بسبب الدخل نهائياً، بما يعني أن من يسقط لاحقاً في الفقر لن يعود بسهولة.

 

غير أن الرقم الأخطر ظهر في حذف نحو 850 ألف مواطن بسبب مخالفات البناء وامتلاك عدادات كودية، رغم تأكيدات سابقة من جهات حكومية بأنه لا ارتباط بين تركيب هذه العدادات والاستبعاد التمويني.

 

علاوة على ذلك، تحولت محاضر سرقة التيار الروتينية، التي ارتبطت سابقاً بتقنين أوضاع بعض العدادات، إلى مدخل عقابي يحرم مواطنين من التموين، وكأن الدولة تعاقب الناس على إجراءات طلبتها منهم.

 

بناء على ذلك، لا تبدو المشكلة في تنقية الدعم وحدها، بل في تحويل الخطأ الإداري إلى عقوبة غذائية، وترك المواطن يثبت براءته أمام ماكينة بيانات تتعامل معه كمتهم لا كصاحب حق.

 

في السياق نفسه، حذرت أستاذة الإحصاء هبة الليثي سابقاً من سوء توزيع الدعم، لكنها شددت أيضاً على أن الفقر يتركز في ريف الوجه القبلي، وأن معالجة الفقر تحتاج إنفاقاً على التعليم والصحة والتنمية.

 

معايير ملتبسة وتظلمات مرهقة

 

بالمقابل، أعلنت الوزارة فتح باب التظلمات للمحذوفين بعد تحديث بيانات الدخل والإنفاق والأملاك والحيازات عبر منصة مصر الرقمية، ثم تقديم طلبات في مكاتب التموين مع مستندات تثبت أحقية العودة.

 

كذلك، تكشف آلية التظلم عبئاً جديداً على الفقراء، إذ يحتاج المواطن إلى إنترنت وأوراق وانتقال وانتظار، بينما يفقد الخبز والسلع أولاً، ثم يدخل معركة إثبات الاستحقاق بعد وقوع الضرر.

 

لزيادة التعقيد، ترسل مكاتب التموين ملفات التظلمات كل 10 أيام، وتدرس الوزارة التظلمات كل 15 يوماً، ما يعني أن الأسرة المحذوفة قد تدفع ثمن القرار من غذائها قبل صدور المراجعة.

 

أما الخبير الاقتصادي مدحت نافع، فرأى أن مراجعة بطاقات الدعم قد تساعد في توجيه الموارد لمستحقيها، لكنه شدد على ضرورة الشفافية والعدالة وآليات تظلم واضحة وسريعة لا تعطل المواطنين.

 

إلى جانب ذلك، أكد نافع أن منظومة الدعم لا تزال شبكة أمان اجتماعي مهمة، وأن أي إعادة هيكلة يجب أن توازن بين كفاءة الاستهداف والاستقرار الاجتماعي، خصوصاً مع الضغوط المعيشية الواسعة.

 

ومع ذلك، تسير الحكومة كأن الاستقرار الاجتماعي تفصيل لاحق، فتضغط على البطاقة التموينية بينما تتجاهل أن ملايين الأسر لم تعد تملك هامشاً بين الغلاء والدين والراتب الهزيل.

 

ومن ناحية أخرى، لا يمكن قراءة الحذف بعيداً عن التحول المرتقب من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، لأن تنقية البطاقات تبدو خطوة تمهيدية لتقليص عدد المستفيدين قبل تغيير شكل الدعم.

 

ثم إن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية حذرت من أن التحول الكامل للدعم النقدي في الظروف الحالية يضاعف آثاره السلبية، ويهدد الأمن الغذائي، ولا يحقق للحكومة أهداف الكفاءة المعلنة.

 

فضلاً عن ذلك، ترى الباحثة سلمى حسين في كتاباتها الاقتصادية أن دعم الخبز ليس عبئاً عادياً في حياة الفقراء، بل حماية يومية مباشرة من الجوع حين تتآكل الأجور وتفلت الأسعار.

 

سياسة تقشف على مائدة الفقراء

 

لهذا، تبدو رواية العدالة ناقصة عندما تنشغل السلطة بإخراج مواطنين من الدعم أكثر مما تنشغل بتوسيع مظلة الحماية، فالمعيار العادل لا يساوي شيئاً إذا طبقته دولة لا تكشف أخطاءها.

 

وعلى الأرض، لم ينس الناس واقعة 2019 عندما أعادت الوزارة مليوناً و800 ألف فرد إلى البطاقات بعد غضب واسع وتكليفات رئاسية، ما يثبت أن ماكينة الحذف ليست معصومة من الظلم.

 

وفي المسار نفسه، عادت معايير مثل استهلاك الكهرباء وفواتير المحمول والمصروفات المدرسية والرسوم الجمركية والحيازات الزراعية لتطارد الناس، رغم أن بعضها أثبت عملياً أنه ينتج ظلماً أكثر مما يحقق عدالة.

 

نتيجة لذلك، يتحول الدعم من ضمان اجتماعي إلى ساحة اشتباه، حيث يصبح العداد والمدرسة والسيارة والسجل التجاري والمخالفة قرائن جاهزة، بينما تغيب دراسة الحالة الإنسانية التي تكشف الدخل الحقيقي والاحتياج الفعلي.

 

بالتوازي، لا تقدم الحكومة تفسيراً مقنعاً لكيفية حماية من ينخفض دخله بعد استبعاده، ولا كيف سيعود العامل المتعثر أو صاحب المعاش أو الأسرة المنهكة إذا أغلق القرار باب العودة نهائياً.

 

حينئذ، يصبح حذف 2 مليون مواطن من التموين رسالة سياسية قبل أن يكون إجراءً مالياً، فالدولة تطلب من الفقراء شد الحزام، بينما تبقى تكلفة الفشل الاقتصادي خارج المساءلة العامة.

 

أخيراً، لا تعني العدالة حذف الضعفاء بخوارزميات جافة، بل تعني كشف الثروات الحقيقية، وحماية الفقراء من الغلاء، وإصلاح قواعد البيانات قبل العقاب، وإبقاء الخبز حقاً لا منحة قابلة للسحب.

 

وباختصار، تكشف أزمة التموين أن السلطة لا تعالج الفقر بل تعيد تعريف الفقير بما يناسب عجزها، وتحول الدعم إلى اختبار ولاء للبيانات، بينما يدفع المواطن ثمن التضخم وسوء الإدارة معاً.