أعلنت اللجنة المشرفة على انتخابات نادي قضاة مصر، داخل دار القضاء العالي، فوز المستشار محمد رفعت جبر برئاسة النادي، بعد مشاركة 7260 قاضياً، مقابل 3448 في انتخابات 2022، لتتجاوز الزيادة 100%.

 

وبالتالي، لم يكن تضاعف الحضور تفصيلاً رقمياً في انتخابات مهنية، بل رسالة قضاة عادوا بكثافة إلى الصندوق بعد تأجيلات وانقسامات ومخاوف من تحجيم النادي، في لحظة تختبر معنى التمثيل داخل السلطة القضائية.

 

كما أن المشهد الانتخابي حمل دلالة سياسية وإنسانية أوسع، لأن القاضي حين يزاحم على التصويت داخل ناديه، فهو لا يبحث عن خدمات فقط، بل عن صوت مهني يحمي المكانة والاستقلال والكرامة المؤسسية.

 

لذلك، يصبح السؤال المركزي ليس من فاز فقط، بل لماذا تضاعف عدد المشاركين بهذا الشكل، ولماذا خرجت الجمعية العمومية من حالة الفتور السابقة إلى حضور مكثف أعاد للنادي سخونة سياسية ومهنية واضحة.

 

ومن ثم، جاءت النتيجة لتقول إن القضاة تعاملوا مع الانتخابات كاستفتاء داخلي على مستقبل النادي، لا كاختيار إداري عادي، خصوصاً بعد أزمة بطلان اللجنة السابقة وتجميد المسار الانتخابي لأشهر.

 

غير أن ارتفاع المشاركة بهذا الحجم لا يمكن فصله عن شعور متراكم بأن النادي فقد كثيراً من صوته التاريخي، وأن لحظة الصندوق كانت فرصة لاستعادة جزء من الحضور داخل مؤسسة شديدة الحساسية.

 

الجمعية العمومية تتحرك بعد التجميد

 

علاوة على ذلك، سبقت الانتخابات فترة إرجاء دامت نحو 6 أشهر، بعد حكم قضائي ببطلان اللجنة المشرفة السابقة لعوار إجرائي، وهو ما جعل التصويت الأخير اختباراً لاستعادة الثقة في العملية الانتخابية.

 

بناءً على ذلك، بدا الحضور الكبير وكأنه رد على الفراغ الطويل الذي صنعه التأجيل، فالقضاة لم يذهبوا فقط لاختيار رئيس ومجلس، بل لإغلاق صفحة التعطيل وإثبات قدرة الجمعية العمومية على الحسم.

 

في المقابل، كشفت المنافسة على مقعد الرئيس عن استقطاب داخل البيت القضائي، بعدما حصد محمد رفعت جبر 4111 صوتاً، مقابل 2796 للمستشار ربيع قاسم، بفارق كبير بلغ 1315 صوتاً.

 

ثم إن هذا الفارق لا يشرح وحده كثافة الحضور، لكنه يكشف أن المعركة كانت حقيقية وليست محسومة مسبقاً، وأن قطاعاً واسعاً من القضاة رأى ضرورة المشاركة حتى لا يترك النادي لاتجاه واحد.

 

إضافة إلى ذلك، قال الكاتب والباحث طارق حافظ إن انتخابات نادي القضاة حظيت بمتابعة واسعة داخل الأوساط القضائية بسبب طبيعة المنافسة وما أثاره التناول الإعلامي الانتقائي تجاه بعض المرشحين.

 

ومن ناحية أخرى، أشار حافظ إلى أن الجدل لم يكن حول أسماء المرشحين وحدها، بل حول ما إذا كان النادي سيبقى مساحة للدفاع عن الاستقلال، أم يتحول إلى واجهة خدماتية هادئة.

 

وعليه، يمكن فهم تضاعف المشاركة باعتباره نتيجة مباشرة لشعور القضاة بأن مستقبل النادي مطروح على الطاولة، وأن غيابهم عن الصندوق يعني ترك القرار لمن يريد تقليص الدور لا توسيعه.

 

خوف من نادي بلا صوت

 

فضلاً عن ذلك، ظل نادي قضاة مصر تاريخياً واحداً من أبرز ساحات التعبير عن استقلال القضاء، لذلك فإن أي انتخابات داخله تتحول تلقائياً إلى قياس لحيوية الجسم القضائي وحدود حركته.

 

في السياق ذاته، كتب المؤرخ شريف يونس أن استقلال القضاء ليس امتيازاً خاصاً للقضاة، بل ضمانة للمجتمع، لأن العدالة تفقد معناها حين تصبح السلطة القضائية خاضعة لتوازنات القوة السياسية.

 

وبالمثل، فإن تضاعف الحضور يعكس إدراكاً داخلياً بأن النادي ليس مقراً اجتماعياً فقط، بل مظلة رمزية ومهنية، وعندما يضعف صوته تضعف قدرة القضاة على الدفاع عن شروط عملهم وكرامتهم.

 

غير أن الخطاب الرسمي حاول تقديم الانتخابات باعتبارها مناسبة تنظيمية مشرفة، بينما تكمن القصة الأهم في السؤال المسكوت عنه: لماذا شعر آلاف القضاة أن التصويت هذه المرة واجب لا رفاهية.

 

لزيادة وضوح الصورة، فإن الكتلة التصويتية للنادي بلغت 16055 عضواً، ما يعني أن حضور 7260 قاضياً يرفع وزن الجمعية العمومية ويمنح المجلس الجديد شرعية أوسع، لكنه يضاعف عبء المساءلة.

 

كما أن مشاركة هذا العدد الواسع من مستشاري النقض والاستئناف والقضاة ورؤساء المحاكم وأعضاء النيابة العامة تعني أن الاندفاع إلى الصناديق لم يكن موجة شبابية فقط، بل حراكاً داخل طبقات القضاء.

 

وبالتالي، فإن فوز جبر لا ينفصل عن هذه البيئة، لأنه جاء في لحظة بحث عن قيادة للنادي تستطيع التعامل مع ملفات متراكمة، لا إدارة يومية لمقر اجتماعي أو جدول خدمات تقليدي.

 

اختبار المجلس الجديد

 

إلى جانب ذلك، أعلن فوز محمود زيدان وأحمد الحفني غانم وإسلام تمراز وطاهر أبو زيد ومحمد عطية بمقاعد فئتي القضاة ورؤساء المحاكم، ضمن مجلس إدارة يتحمل ملفات ثقيلة.

 

كذلك، حسم محمد هاني عبد الجابر ومحمد أبو الدهب الزارع وعمرو نبيه وأحمد الطنطاوي مقاعد شباب النيابة العامة، بما يعكس حضوراً لافتاً لفئة يفترض أن تضخ مطالب جديدة داخل المجلس.

 

بالمقابل، يرى الحقوقي نجاد البرعي في أحاديثه عن استقلال القضاء أن المشكلة لا تقف عند النصوص، بل تمتد إلى موازين النفوذ والإدارة والموارد، وهي ملفات تجعل أي مجلس منتخب أمام اختبار صعب.

 

وعليه، فإن الزيادة الكبيرة في الحضور لن تكون لها قيمة إذا انتهت عند إعلان النتائج، لأن الجمعية العمومية التي عادت بقوة تنتظر موقفاً لا احتفالاً، وتمثيلاً حقيقياً لا إدارة شكلية.

 

كما أن رفض الطعون وإقرار النتائج أغلق الجانب الإجرائي، لكنه فتح الجانب الأثقل، وهو كيف يترجم المجلس الجديد هذه الشرعية الواسعة إلى دفاع عن استقلال النادي وحقوق القضاة ومكانتهم.

 

من هنا، يمكن القول إن تضاعف عدد المشاركين كشف خوفاً مكتوماً من نادي بلا صوت، ورغبة واضحة في منع الاستحقاق من أن يتحول إلى ترتيب هادئ يمر فوق إرادة الجمعية العمومية.

 

في النهاية، لم تكن انتخابات نادي القضاة مجرد فوز محمد رفعت جبر، بل انفجار مشاركة بعد صمت وتأجيل وانقسام، ورسالة صريحة بأن القضاة حضروا بكثافة لأن مستقبل ناديهم كان على المحك.