في ذكرى رحيل الشيخ أبو العينين شعيشع، التي صادفت 23 يونيو 2011 يعود صوته إلى الذاكرة كأنه لم يغادرها يومًا، صوت لا يُسمع بالأذن وحدها، بل يتسلل إلى القلب بما حمله من خشوع وشجن وصدق نادر. فقد كان الرجل واحدًا من كبار قراء القرآن الكريم في مصر والعالم الإسلامي، وأحد الذين جعلوا التلاوة فنًا روحانيًا لا مجرد أداء صوتي، حتى استحق أن يوصف بـملك الصبا وصاحب الصوت الحزين الصادق.
في ذكرى وفاته .. كأنما ينعي نفسه بصوت ذهبي وإحساس يخترق القلوب.. آخر ما قرأ الشيخ أبو العينين شعيشع رحمه الله. pic.twitter.com/abQ3Y8aew7
— د. محمد الصغير (@drassagheer) June 23, 2026
ولد الشيخ أبو العينين شعيشع في 22 أغسطس 1922 بمدينة بيلا بمحافظة كفر الشيخ، ونشأ يتيمًا بعد رحيل والده مبكرًا، فانعكست هذه التجربة القاسية على صوته ونبرته، حتى صار الحزن عنده معنى أصيلًا لا افتعالًا أدائيًا. التحق بالكُتّاب وهو في السادسة من عمره، وحفظ القرآن الكريم قبل أن يبلغ العاشرة، ثم بدأت موهبته تظهر في المدرسة الابتدائية حين كان يقرأ أمام المدرسين والتلاميذ في المناسبات الدينية والرسمية.
من الكُتّاب إلى دولة التلاوة
لم يكن طريق شعيشع إلى الشهرة طريقًا عاديًا، فقد ذاع صيته مبكرًا في كفر الشيخ والمحافظات المجاورة، بعدما لمس الناس في صوته شيئًا مختلفًا؛ حزنًا شفيفًا، وخشوعًا عميقًا، وقدرة على تحريك السامع دون ضجيج أو استعراض. وتشير سيرته إلى أن ناظر مدرسته، وكان مسيحيًا، انتبه إلى موهبته ونصح والدته بأن تذهب به إلى أحد علماء القراءات والتجويد، وهي واقعة تكشف كيف فرض صوته احترامه على الجميع منذ الطفولة.
كان شعيشع متأثرًا بالشيخ محمد رفعت، عملاق التلاوة الأول في الوجدان المصري، لكنه لم يبق أسير التقليد، بل استطاع أن يصنع شخصيته الخاصة، وأن يحول الشجن إلى علامة مميزة لا يشاركه فيها كثيرون. وقد عُرف عنه قدرته الفريدة على أداء مقام الصبا، ذلك المقام الذي يحمل في طبيعته انكسارًا وحنينًا وحزنًا نادرًا، حتى أطلق عليه المتخصصون لقب ملك الصبا.
دخل الشيخ أبو العينين شعيشع الإذاعة المصرية عام 1939، وهو في سن صغيرة، ليبدأ فصلًا جديدًا من حياته مع الانتشار الواسع. وفي زمن كانت فيه الإذاعة بوابة الخلود لكبار القراء، وجد شعيشع مكانه بين الأصوات الكبرى، لا لأنه يملك صوتًا جميلًا فقط، بل لأنه كان يقرأ وكأنه يسكب جزءًا من روحه في الآيات.
80 عامًا في خدمة القرآن.. كيف أصبح أبو العينين شعيشع أيقونة التلاوة المصرية؟ pic.twitter.com/CMXdeEgGVg
— جريدة الدستور (@ElDostorEgypt) June 23, 2026
ولم تتوقف رحلته عند الإذاعة المصرية، ففي عام 1940 التحق بإذاعة الشرق الأدنى في فلسطين قارئًا للقرآن الكريم، وكان يزور المسجد الأقصى ويقرأ فيه ما تيسر من كتاب الله. هذه المحطة منحت صوته بعدًا عربيًا وإسلاميًا واسعًا، وجعلته حاضرًا في وجدان مستمعين خارج حدود مصر، قبل أن يعود لاحقًا ليتقلد مناصب دينية وقرآنية مهمة.
صوت أعاد ذكرى محمد رفعت
من أهم المحطات في سيرة الشيخ أبو العينين شعيشع ارتباط اسمه بالشيخ محمد رفعت، فقد كانت بينهما علاقة روحية وفنية عميقة. ومع ضياع أجزاء من تسجيلات الشيخ رفعت وتلف بعضها، استعانت الإذاعة المصرية بشعيشع لإصلاح أجزاء ناقصة من بعض الشرائط، بسبب قدرته النادرة على الاقتراب من روح الشيخ رفعت دون أن يذوب فيها.
وقد أوضح شعيشع قبل وفاته أن الإذاعة استعانت بصوته لإكمال أجزاء ناقصة في 6 أشرطة من تسجيلات الشيخ محمد رفعت، مؤكدًا أن الأمر كان في بعض التسجيلات وليس في كل ما يُذاع للشيخ الكبير. وهذه الشهادة مهمة لأنها تنصف الرجلين معًا؛ رفعت كأصل لا يتكرر، وشعيشع كقارئ امتلك موهبة استثنائية مكنته من خدمة تراث أستاذه دون أن يسرق حضوره.
ولم يكن هذا الدور مجرد تقليد صوتي، بل كان خدمة للذاكرة القرآنية المصرية، في زمن كانت فيه التسجيلات نادرة، وكانت أسطوانات بعض محبي الشيخ رفعت هي المصدر الأساسي لما بقي من صوته. لذلك يمكن النظر إلى شعيشع باعتباره واحدًا ممن ساهموا في إنقاذ جزء من تراث التلاوة، لا مجرد قارئ بارع في المحاكاة.
ومع مرور السنوات، صار شعيشع نفسه تراثًا مستقلًا، تذاع تلاواته في المناسبات الدينية، وتستعاد مقاطعه في ذكرى رحيله، وتتناقلها الأجيال بوصفها نموذجًا للصوت الخاشع الذي لا يحتاج إلى صخب كي يبلغ الأعماق. فقد جمع بين سلامة الأداء، وجمال النغم، وصدق الشعور، وهي ثلاثية نادرة جعلته حاضرًا في الوجدان حتى بعد وفاته.
تلاوة خالدة ومناصب رفيعة
لم يكن الشيخ أبو العينين شعيشع مجرد قارئ إذاعي، بل كان شخصية قرآنية عامة، تقلد عددًا من المناصب المهمة، منها عضوية المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وعمادة المعهد الدولي لتحفيظ القرآن الكريم، وعضوية لجنة اختبار القراء بالإذاعة والتليفزيون، واللجنة العليا للقرآن الكريم بوزارة الأوقاف، ولجنة عمارة المساجد بالقاهرة.
في ذكرى وفاته.. تلاوة خاشعة للشيخ أبو العينين شعيشع أحد الأصوات التي أثرت المكتبة القرآنية بتلاوات خالدة pic.twitter.com/s577pVYTA0
— وزارة الأوقاف (@egyptAwkaf) June 23, 2026
وفي مسيرته الطويلة، عانى الشيخ من مرض أصاب صوته في بداية الستينيات، وهي محنة قاسية لأي قارئ يعيش بصوته ويُعرف به. لكنه تجاوز الأزمة، واستعاد عافيته، وعاد للظهور من جديد، فعُين قارئًا لمسجد عمر مكرم عام 1969، ثم قارئًا لمسجد السيدة زينب عام 1992، ليواصل حضوره بين الناس من قلب المساجد الكبرى.
كما سافر الشيخ إلى عدد من دول العالم، وقرأ القرآن في مساجد عظيمة، منها المسجد الحرام بمكة، والمسجد الأقصى في فلسطين، والمسجد الأموي في سوريا، ومسجد المركز الإسلامي في لندن. ولم يكن حضوره في هذه الأماكن مجرد مشاركة بروتوكولية، بل كان امتدادًا لصوت مصري حمل القرآن إلى قلوب مستمعين من ثقافات وجنسيات مختلفة.
وتشير سيرته إلى أن المئات من جنسيات مختلفة أسلموا متأثرين بتلاواته، كما حصل على أوسمة وتشريفات عديدة، منها وسام الرافدين من العراق، ووسام الأرز من لبنان، ووسام الاستحقاق من سوريا وفلسطين، إلى جانب تكريمات أخرى من دول عربية وإسلامية. وهذه الأوسمة لم تكن ترفًا رمزيًا، بل شهادة على أثر صوته في عالم واسع.
وفي السبعينيات، شارك شعيشع مع كبار القراء، ومنهم الشيخ محمود علي البنا والشيخ عبد الباسط عبد الصمد، في جهود إنشاء نقابة القراء، قبل أن ينتخب نقيبًا لها عام 1988 بعد وفاة الشيخ عبد الباسط. ومن هذا الموقع، لم يكن فقط صوتًا يقرأ، بل كان مدافعًا عن مكانة القراء وحقوقهم، وعن حفظ تقاليد دولة التلاوة المصرية.
بقي اسم شعيشع مرتبطًا بفكرة أن التلاوة ليست جمال صوت وحده، بل صدق تجربة، وعمق إحساس، ومعرفة بالمقامات دون أن تتحول القراءة إلى استعراض نغمي. لذلك ظل صوته قادرًا على اختراق القلوب، لأن الحزن فيه لم يكن زينة، بل كان أثرًا من طفولة يتيمة وقلب عاش مع القرآن طويلًا.
توفي الشيخ أبو العينين شعيشع في 23 يونيو 2011 بالقاهرة عن عمر ناهز 89 عامًا، ودُفن في المقابر المجاورة لكلية البنات بجامعة الأزهر، بينما صلى عليه أهالي مدينة بيلا صلاة الغائب في مساجدها في اليوم التالي لوفاته. رحل الجسد، لكن الصوت بقي؛ صوتًا كلما عاد إلى الأسماع بدا كأنه ينعي نفسه بخشوع، ويذكر الناس بأن دولة التلاوة المصرية أنجبت رجالًا لا يموتون ما دامت آياتهم تتردد في القلوب.
وفي ذكرى وفاته، لا يبدو استدعاء الشيخ أبو العينين شعيشع مجرد احتفاء بقارئ كبير، بل استعادة لزمن كانت فيه التلاوة رسالة وهيبة ومسؤولية. فقد خدم القرآن نحو 80 عامًا، وترك مكتبة صوتية خالدة، وصار واحدًا من تلك الأسماء التي لا تمر في تاريخ القراءة مرورًا عابرًا، بل تقف شاهدًا على أن الصوت الصادق قد يتحول إلى ذاكرة أمة.

